منتدى الأصدقاء
{وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }يونس25
And God calls to the House of Peace and guides whom He wills to a Straight Path} Younis 25
نحن سعداء للمشاركة في (منتدى الأصدقاء)
We are pleased to join in ( Forum Friends )
يشرفنا تسجيلك
We are honored register you
إدارة المنتدى
Management of Forum



منتدى الأصدقاء
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالمجموعاتالتسجيلدخول

( أهلا وسهلا بكم في منتدى الأصدقاء Welcome to the forum Friends >> الرجاء تسجيل الدخول للتعرف على فضائل الأعمال التي يحبها الله Please log in to learn about the virtues of Business loved by God

المواضيع الأخيرة
» (من شهد له خزيمة فهو حسبه). وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} [هود: 1].
الإثنين نوفمبر 28, 2016 7:52 pm من طرف abubaker

» (مَنْ شهد له خزيمة فحَسْبه). قال: يا رسول الله أَأُصدِّقُك في خبر السماء، وأُكذِّبك في عِدّة دراهم؟ --- وقوله تعالى: {أَن يَرْحَمَكُمْ..} [الإسراء: 8].
الإثنين نوفمبر 28, 2016 7:38 pm من طرف abubaker

» إزالة الظل الأزرق الذي يظهر تحت أيقونات سطح المكتب
السبت نوفمبر 26, 2016 7:22 pm من طرف abubaker

» لأن الاسم إذا أُطلِق عَلَماً على الغير انحلَّ عن معناه الأصلي ولزم العَلَمية فقط، لكن أسماء الله بقيتْ على معناها الأصلي حتى بعد أنْ أصبحتْ عَلَماً على الله تعالى، فهي إذن أسماء حُسْنى.
الإثنين نوفمبر 21, 2016 2:51 pm من طرف abubaker

»  إننا نجد أن بعضا من أسماء الله سبحانه وتعالى له مقابل، ومن أسماء الله الحسنى ما لا تجد له مقابلا. فإذا قيل “المحيي” تجد “المميت” لكن الصفة إن لم يوجد لها مقابل نسميها صفة ذات، فهو “حي” ولا نأتي بالمقابل
الإثنين نوفمبر 21, 2016 2:34 pm من طرف abubaker

» تابع / إننا نجد أن بعضا من أسماء الله سبحانه وتعالى له مقابل، ومن أسماء الله الحسنى ما لا تجد له مقابلا. فإذا قيل “المحيي” تجد “المميت” لكن الصفة إن لم يوجد لها مقابل نسميها صفة ذات، فهو “حي” ولا نأتي بالمقابل
الإثنين نوفمبر 21, 2016 2:27 pm من طرف abubaker

»  فالاسم هو العَلَم الذي وُضِع للدلالة على هذا اللفظ. / الذكْر: له معانٍ متعددة، فالذكْر هو الإخبار بشيء / والرحمة: هي تجليّات الراحم على المرحوم بما يُديم له صلاحه لمهمته - من سورة مريم
الأحد نوفمبر 20, 2016 5:38 pm من طرف abubaker

»  فالاسم هو العَلَم الذي وُضِع للدلالة على هذا اللفظ. / {كهيعص(1)}
الأحد نوفمبر 20, 2016 5:01 pm من طرف abubaker

» إدارة Google Voice والسجل الصوتي
الإثنين نوفمبر 14, 2016 2:10 pm من طرف abubaker

ازرار التصفُّح
 البوابة
 الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث
التبادل الاعلاني

شاطر | 
 

 فسير سورة الشعراء، 2

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
abubaker



ذكر
عدد المساهمات : 18466
تاريخ التسجيل : 23/12/2010
العمر : 66
الدولـة : jordan

مُساهمةموضوع: فسير سورة الشعراء، 2   الثلاثاء سبتمبر 27, 2016 1:03 pm





وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرّونَ * قَالُواْ بَلْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ * قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمُ الأقْدَمُونَ * فَإِنّهُمْ عَدُوّ لِيَ إِلاّ رَبّ الْعَالَمِينَ



هذا إخبار من الله تعالى عن عبده ورسوله وخليله إبراهيم عليه السلام إمام الحنفاء، أمر الله تعالى رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم أن يتلوه على أمته ليقتدوا به في الإخلاص والتوكل، وعبادة الله وحده لا شريك له، والتبري من الشرك وأهله، فإن الله تعالى آتى إبراهيم رشده من قبل، أي من صغره إلى كبره، فإنه من وقت نشأ وشب أنكر على قومه عبادة الأصنام مع الله عز وجل {إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون} أي ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ؟ {قالوا نعبد أصناماً فنظل لها عاكفين} أي مقيمين على عبادتها ودعائها {قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون * قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون} يعني اعترفوا بأن أصنامهم لا تفعل شيئاً من ذلك، وإنما رأوا آباءهم كذلك يفعلون، فهم على آثارهم يهرعون، فعند ذلك قال لهم إبراهيم {أفرأيتم ما كنتم تعبدون * أنتم وآباؤكم الأقدمون * فإنهم عدو لي إلا رب العالمين} أي إن كانت هذه الأصنام شيئاً ولها تأثير، فلتخلص إلي بالمساءة، فإني عدو لها لا أبالي بها ولا أفكر فيها، وهذا كما قال تعالى مخبراً عن نوح عليه السلام: {فأجمعوا أمركم وشركاءكم} الاَية، وقال هود عليه السلام {إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون * إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم} وهكذا تبرأ إبراهيم من آلهتهم فقال {وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله} الاَية. وقال تعالى: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم ـ إلى قوله ـ حتى تؤمنوا بالله وحده} وقال تعالى: {وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون * إلا الذي فطرني فإنه سيهدين * وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون} يعني لا إله إلا الله





الّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالّذِي يُمِيتُنِي ثُمّ يُحْيِينِ * وَالّذِيَ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدّينِ



يعني لا أعبد إلا الذي يفعل هذه الأشياء {الذي خلقني فهو يهدين} أي هو الخالق الذي قدر قدراً، وهدى الخلائق إليه، فكل يجري على ما قدر له، وهو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء {والذي هو يطعمني ويسقين} أي هو خالقي ورازقي بما سخر ويسر من الأسباب السماوية والأرضية، فساق المزن، وأنزل الماء وأحيا به الأرض، وأخرج به من كل الثمرات رزقاً للعباد، وأنزل الماء عذباً زلالا يسقيه مما خلق أنعاماً وأناسي كثيراً

وقوله {وإذا مرضت فهو يشفين} أسند المرض إلى نفسه، وإن كان عن قدر الله وقضائه وخلقه، ولكن أضافه إلى نفسه أدباً، كما قال تعالى آمراً للمصلي أن يقول {اهدنا الصراط المستقيم} إلى آخر السورة، فأسند الإنعام والهداية إلى الله تعالى، والغضب حذف فاعله أدباً، وأسند الضلال إلى العبيد، كما قالت الجن {وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشداً} وكذا قال إبراهيم {وإذا مرضت فهو يشفين} أي إذا وقعت في مرض، فإنه لا يقدر على شفائي أحد غيره بما يقدر من الأسباب الموصلة إليه {والذي يميتني ثم يحيين} أي هو الذي يحيي ويميت لا يقدر على ذلك أحد سواه، فإنه هو الذي يبدىء ويعيد {والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين} أي لا يقدر على غفران الذنوب في الدينا والاَخرة إلا هو، ومن يغفر الذنوب إلا الله، وهو الفعال لما يشاء





رَبّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ * وَاجْعَل لّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الاَخِرِينَ * وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنّةِ النّعِيمِ * وَاغْفِرْ لأبِيَ إِنّهُ كَانَ مِنَ الضّآلّينَ * وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاّ مَنْ أَتَى اللّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ



وهذا سؤال من إبراهيم عليه السلام أن يؤتيه ربه حكماً. قال ابن عباس: وهو العلم. وقال عكرمة: هو اللب، وقال مجاهد: هو القرآن. وقال السدي: هو النبوة. وقوله {وألحقني بالصالحين} أي اجعلني مع الصالحين في الدنيا والاَخرة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم عند الاحتضار «اللهم في الرفيق الأعلى» قالها ثلاثاً. وفي الحديث في الدعاء «اللهم أحينا مسلمين، وأمتنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مبدلين» وقوله {واجعل لي لسان صدق في الاَخرين} أي واجعل لي ذكراً جميلاً بعدي أذكر به ويقتدى بي في الخير، كما قال تعالى: {وتركنا عليه في الاَخرين * سلام على إبراهيم * كذلك نجزي المحسنين}

قال مجاهد وقتادة {واجعل لي لسان صدق في الاَخرين} يعني الثناء الحسن. قال مجاهد: كقوله تعالى {وآتيناه في الدنيا حسنة} الاَية، وكقوله {وآتيناه أجره في الدنيا} الاَية، قال ليث بن أبي سليم: كل ملة تحبه وتتولاه، وكذا قال عكرمة. وقوله تعالى: {واجعلني من ورثة جنة النعيم} أي أنعم عليّ في الدنيا ببقاء الذكر الجميل بعدي، وفي الاَخرة بأن تجعلني من ورثة جنة النعيم. وقوله {واغفر لأبي} الاَية، كقوله {ربنا اغفر لي ولوالدي} وهذا مما رجع عنه إبراهيم عليه السلام، كما قال تعالى: {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه ـ إلى قوله ـ إن إبراهيم لأواه حليم} وقد قطع تعالى الإلحاق في استغفاره لأبيه فقال تعالى: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه ـ إلى قوله ـ وما أملك لك من الله من شيء}

وقوله: {ولا تخزني يوم يبعثون} أي أجرني من الخزي يوم القيامة يوم يبعث الخلائق أولهم وآخرهم. وقال البخاري عند هذه الاَية: قال إبراهيم بن طهمان عن ابن أبي ذئب عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إن إبراهيم رأى أباه يوم القيامة عليه الغبرة والقترة». وفي رواية أخرى: حدثنا إسماعيل، حدثنا أخي عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «يلقى إبراهيم أباه فيقول: يا رب إنك وعدتني أنك لا تخزيني يوم يبعثون، فيقول الله تعالى: إني حرمت الجنة على الكافرين» هكذا رواه عند هذه الاَية. وفي أحاديث الأنبياء بهذا الإسناد بعينه منفرداً به، ولفظه «يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة، وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصيني، فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم: يا رب إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد فيقول الله تعالى: إني حرمت الجنة على الكافرين، ثم يقال: يا إبراهيم انظر تحت رجلك، فينظر، فإذا هو بذيخ متلطخ، فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار» وقال عبد الرحمن النسائي في التفسير من سننه الكبير

وقوله {ولا تخزني يوم يبعثون} أخبرنا أحمد بن حفص بن عبد الله، حدثني أبي، حدثني إبراهيم بن طهمان عن محمد بن عبد الرحمن، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن إبراهيم رأى أباه يوم القيامة عليه الغبرة والقترة، وقال له: قد نهيتك عن هذا فعصيتني، قال: لكني اليوم لا أعصيك واحدة، قال: يا رب وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون، فإن أخزيت أباه فقد أخزيت الأبعد. قال: يا إبراهيم إني حرمتها على الكافرين فأخذ منه. قال: يا إبراهيم أين أبوك ؟ قال: أنت أخذته مني، قال: انظر أسفل منك، فنظر، فإذا ذيخ يتمرغ في نتنه، فأخذ بقوائمه فألقي في النار» وهذا إسناد غريب، وفيه نكارة، والذيخ هو الذكر من الضباع، كأنه حول آزر إلى صورة ذيخ متلطخ بعذرته فيلقى في النار كذلك، وقد رواه البزار بإسناده من حديث حماد بن سلمة عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه غرابة، ورواه أيضاً من حديث قتادة عن جعفر بن عبد الغافر عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه

وقوله {يوم لا ينفع مال ولا بنون} أي لا يقي المرء من عذاب الله ماله ولو افتدى بملء الأرض ذهباً {ولا بنون} أي ولو افتدى بمن على الأرض جميعاً، ولا ينفع يومئذ إلا الإيمان بالله وإخلاص الدين له، والتبري من الشرك وأهله، ولهذا قال {إلا من أتى الله بقلب سليم} أي سالم من الدنس والشرك. قال ابن سيرين: القلب السليم أن يعلم أن الله حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور. وقال ابن عباس {إلا من أتى الله بقلب سليم} حَيِيَ أن يشهد أن لا إله إلا الله. وقال مجاهد والحسن وغيرهما {بقلب سليم} يعني من الشرك. وقال سعيد بن المسيب: القلب السليم هو القلب الصحيح، وهو قلب المؤمن، لأن قلب المنافق مريض، قال الله تعالى: {في قلوبهم مرض}. قال أبو عثمان النيسابوري: هو القلب السالم من البدعة، المطمئن إلى السنة





وَأُزْلِفَتِ الْجَنّةُ لِلْمُتّقِينَ * وَبُرّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ * وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * مِن دُونِ اللّهِ هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنتَصِرُونَ * فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ * قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللّهِ إِن كُنّا لَفِي ضَلاَلٍ مّبِينٍ * إِذْ نُسَوّيكُمْ بِرَبّ الْعَالَمِينَ * وَمَآ أَضَلّنَآ إِلاّ الْمُجْرِمُونَ * فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ * وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ * فَلَوْ أَنّ لَنَا كَرّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * إِنّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مّؤْمِنِينَ * وَإِنّ رَبّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرّحِيمُ



{أزلفت الجنة} أي قربت وأدنيت من أهلها مزخرفة مزينة لناظريها، وهم المتقون الذين رغبوا فيها على ما في الدنيا، وعملوا لها في الدنيا {وبرزت الجحيم للغاوين} أي أظهرت وكشف عنها، وبدت منها عنق فزفرت زفرة بلغت منها القلوب الحناجر، وقيل لأهلها تقريعاً وتوبيخاً {أين ما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون} أي ليست الاَلهة التي عبدتموها من دون الله من تلك الأصنام والأنداد تغني عنكم اليوم شيئاً، ولا تدفع عن أنفسها، فإنكم وإياها اليوم حصب جهنم أنتم لها واردون

وقوله {فكبكبوا فيها هم والغاوون} قال مجاهد: يعني فَدُهْوِرُوا فيها. وقال غيره: كبوا فيها، والكاف مكررة، كما يقال صرصر، والمراد أنه ألقى بعضهم على بعض من الكفار وقادتهم الذين دعوهم إلى الشرك {وجنود إبليس أجمعون} أي ألقوا فيها عن آخرهم {قالوا وهم فيها يختصمون تالله إن كنا لفي ضلال مبين * إذ نسويكم برب العالمين} أي يقول الضعفاء للذين استكبروا: إنا كنا لكم تبعاً، فهل أنتم مغنون عنا نصيباً من النار ؟ ويقولون وقد عادوا على أنفسهم بالملامة {تالله إن كنا لفي ضلال مبين * إذ نسويكم برب العالمين} أي نجعل أمركم مطاعاً كما يطاع أمر رب العالمين، وعبدناكم مع رب العالمين {وما أضلنا إلا المجرمون} أي ما دعانا إلى ذلك إلا المجرمون {فما لنا من شافعين} قال بعضهم: يعني من الملائكة كما يقولون {فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل} وكذا قالوا {فما لنا من شافعين * ولا صديق حميم} أي قريب

قال قتادة: يعلمون والله أن الصديق إذا كان صالحاً نفع، وأن الحميم إذا كان صالحاً شفع {فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين} وذلك أنهم يتمنون أن يردوا إلى دار الدنيا ليعملوا بطاعة ربهم فيما يزعمون، والله تعالى يعلم أنهم لو ردّهم إلى دار الدنيا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون، وقد أخبر الله تعالى عن تخاصم أهل النار في سورة (ص) ثم قال تعالى: {إن ذلك لحق تخاصم أهل النار} ثم قال تعالى: {إن في ذلك لاَية وما كان أكثرهم مؤمنين} أي إن في محاجة إبراهيم لقومه وإقامة الحجج عليهم في التوحيد لاَية، أي لدلالة واضحة جلية على أن لا إله إلا الله {وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم}





كَذّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلاَ تَتّقُونَ * إِنّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَىَ رَبّ الْعَالَمِينَ * فَاتّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ



هذا إخبار من الله عز وجل عن عبده ورسوله نوح عليه السلام، وهو أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض بعد ما عبدت الأصنام والأنداد، فبعثه الله ناهياً عن ذلك ومحذراً من وبيل عقابه، فكذبه قومه، فاستمروا على ما هم عليه من الفعال الخبيثة في عبادتهم أصنامهم مع الله تعالى: ونزل الله تعالى تكذيبهم له منزلة تكذيبهم جميع الرسل، فلهذا قال تعالى: {كذبت قوم نوح المرسلين * إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون} أي ألا تخافون الله في عبادتكم غيره {إني لكم رسول أمين} أي إني رسول من الله إليكم، أمين فيما بعثني الله به، أبلغكم رسالات ربي ولا أزيد فيها ولا أنقص منها {فاتقوا الله وأطيعون وما أسألكم عليه من أجر} الاَية، أي لا أطلب منكم جزاء على نصحي لكم، بل أدّخر ثواب ذلك عند الله {فاتقوا الله وأطيعون} فقد وضح لكم وبان صدقي ونصحي وأمانتي فيما بعثني الله به وائتمنني عليه





قَالُوَاْ أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتّبَعَكَ الأرْذَلُونَ * قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاّ عَلَىَ رَبّي لَوْ تَشْعُرُونَ * وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ * إِنْ أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ مّبِينٌ



يقولون: لا نؤمن لك، ولا نتبعك ونتساوى في ذلك بهؤلاء الأراذل، الذين اتبعوك وصدقوك وهم أراذلنا، ولهذا {قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون * قال وما علمي بما كانوا يعملون} أي وأي شيء يلزمني من اتباع هؤلاء لي ؟ ولو كانوا على أي شيء كانوا عليه، لا يلزمني التنقيب عنهم والبحث والفحص، إنما علي أن أقبل منهم تصديقهم إياي، وأكل سرائرهم إلى الله عز وجل {إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون * وما أنا بطارد المؤمنين} كأنهم سألوا منه أن يبعدهم عنه ويتابعوه، فأبى عليهم ذلك وقال {وما أنا بطارد المؤمنين * إن أنا إلا نذير مبين} أي إنما بعثت نذيراً، فمن أطاعني واتبعني وصدقني كان مني وأنا منه، سواء كان شريفاً أو وضيعاً، أو جليلاً أو حقيراً





قَالُواْ لَئِنْ لّمْ تَنْتَهِ يَنُوحُ لَتَكُونَنّ مِنَ الْمُجْرِمِينَ * قَالَ رَبّ إِنّ قَوْمِي كَذّبُونِ * فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجّنِي وَمَن مّعِي مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَأَنجَيْنَاهُ وَمَن مّعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * ثُمّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ * إِنّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مّؤْمِنِينَ * وَإِنّ رَبّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرّحِيمُ



لما طال مقام نبي الله بين أظهرهم، يدعوهم إلى الله تعالى ليلاً ونهاراً، وسراً وجهاراً، وكلما كرر عليهم الدعوة صمموا على الكفر الغليظ والامتناع الشديد، وقالوا في الاَخر {لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين} أي لئن لم تنته من دعوتك إيانا إلى دينك، {لتكونن من المرجومين} أي لنرجمنك، فعند ذلك دعا عليهم دعوة استجاب الله منه، فقال {رب إن قومي كذبون * فافتح بيني وبينهم فتحاً} الاَية، كما قال في الاَية الأخرى {فدعا ربه أني مغلوب فانتصر} إلى آخر الاَية. وقال ههنا {فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون * ثم أغرقنا بعد الباقين} والمشحون هو المملوء بالأمتعة والأزواج التي حمل فيها من كل زوجين اثنين، أي أنجينا نوحاً ومن اتبعه كلهم، وأغرقنا من كفر به وخالف أمره كلهم أجمعين {إن في ذلك لاَية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم}





كَذّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلاَ تَتّقُونَ * إِنّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَىَ رَبّ الْعَالَمِينَ * أَتَبْنُونَ بِكُلّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ * فَاتّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ * وَاتّقُواْ الّذِيَ أَمَدّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنّاتٍ وَعُيُونٍ * إِنّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ



وهذا إخبار من الله تعالى عن عبده ورسوله هود عليه السلام، أنه دعا قومه عاداً، وكان قومه يسكنون الأحقاف، وهي جبال الرمل قريباً من حضرموت، من جهة بلاد اليمن، وكان زمانهم بعد قوم نوح، كما قال في سورة الأعراف {واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بسطة} وذلك أنهم كانوا في غاية من قوة التركيب والقوة والبطش الشديد، والطول المديد، والأرزاق الدارة، والأموال والجنات والأنهار، والأبناء والزروع والثمار، وكانوا مع ذلك يعبدون غير الله معه، فبعث الله هوداً إليهم رجلاً منهم رسولاً وبشيراً ونذيراً، فدعاهم إلى الله وحده، وحذرهم نقمته وعذابه في مخالفته وبطشه، فقال لهم كما قال نوح لقومه إلى أن قال {أتبنون بكل ريع آية تعبثون} اختلف المفسرون في الريع بما حاصله أنه المكان المرتفع عند جواد الطرق المشهورة، يبنون هناك بنياناً محكماً هائلاً باهراً، ولهذا قال {أتبنون بكل ريع آية} أي معلماً بناء مشهوراً {تعبثون} أي وإنما تفعلون ذلك عبثاً لا للاحتياج إليه بل لمجرد اللعب واللهو وإظهار القوة، ولهذا أنكر عليه نبيهم عليهم السلام ذلك، لأنه تضييع للزمان وإتعاب للأبدان في غير فائدة، واشتغال بما لا يجدي في الدنيا ولا في الاَخرة، ولهذا قال {وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون} قال مجاهد: والمصانع البروج المشيدة والبنيان المخلد، وفي رواية عنه: بروج الحمام. وقال قتادة: هي مأخذ الماء

قال قتادة: وقرأ بعض الكوفيين {وتتخذون مصانع كأنكم خالدون}. وفي القراءة المشهورة {وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون} أي لكي تقيموا فيها أبداً وذلك ليس بحاصل لكم بل زائل عنكم، كما زال عمن كان قبلكم. وروى ابن أبي حاتم رحمه الله: حدثنا أبي، حدثنا الحكم بن موسى، حدثنا الوليد، حدثنا ابن عجلان، حدثني عون بن عبد الله بن عتبة أن أبا الدرداء رضي الله عنه لما رأى ما أحدث المسلمون في الغوطة من البنيان ونصب الشجر، قام في مسجدهم فنادى: يا أهل دمشق، فاجتمعوا إليه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ألا تستحيون، ألا تستحيون، تجمعون ما لا تأكلون، وتبنون ما لا تسكنون، وتأملون ما لا تدركون، إنه قد كانت قبلكم قرون يجمعون فيوعون، ويبنون فيوثقون، ويأملون فيطيلون، فأصبح أملهم غروراً، وأصبح جمعهم بوراً، وأصبحت مساكنهم قبوراً، ألا إن عاداً ملكت ما بين عدن وعمان خيلاً وركاباً، فمن يشتري مني ميراث عاد بدرهمين ؟

وقوله {وإذا بطشتم بطشتم جبارين} أي يصفهم بالقوة والغلظة والجبروت {فاتقوا الله وأطيعون} أي اعبدوا ربكم وأطيعوا رسولكم، ثم شرع يذكرهم نعم الله عليهم، فقال {واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون، أمدكم بأنعام وبنين وجنات وعيون * إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم} أي إن كذبتم وخالفتم، فدعاهم إلى الله بالترغيب والترهيب، فما نفع فيهم





قَالُواْ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مّنَ الْوَاعِظِينَ * إِنْ هَـَذَا إِلاّ خُلُقُ الأوّلِينَ * وَمَا نَحْنُ بِمُعَذّبِينَ * فَكَذّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مّؤْمِنِينَ * وَإِنّ رَبّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرّحِيمُ



يقول تعالى مخبراً عن جواب قوم هود له بعد ما حذرهم وأنذرهم، ورغبهم ورهبهم، وبين لهم الحق)ووضحه {قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين} أي لا نرجع عما نحن عليه {وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك، وما نحن لك بمؤمنين} وهكذا الأمر، فإن الله تعالى قال {إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون} وقال تعالى: {إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون} الاَية، وقولهم {إن هذا إلا خلق الأولين} قرأ بعضهم {إن هذا إلا خَلْق الأولين} بفتح الخاء وتسكين اللام. قال ابن مسعود والعوفي عن عبد الله بن عباس وعلقمة ومجاهد: يعنون ما هذا الذي جئتنا به إلاأخلاق الأولين، كما قال المشركون من قريش {وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلاً} وقال {وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون * فقد جاءوا ظلماً وزوراً * وقالوا أساطير الأولين} وقال {وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين} وقرأ آخرون {إن هذا إلا خلق الأولين} بضم الخاء واللام، يعنون دينهم وما هم عليه من الأمر هو دين الأولين من الاَباء والأجداد، ونحن تابعون لهم سالكون وراءهم، نعيش كما عاشوا، ونموت كما ماتوا، ولا بعث ولامعاد، ولهذا قالوا {وما نحن بمعذبين} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {إن هذا إلا خلق الأولين} يقول: دين الأولين. وقاله عكرمة وعطاء الخراساني وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، واختاره ابن جرير

وقوله تعالى: {فكذبوه فأهلكناهم} أي استمروا على تكذيب نبي الله هود ومخالفته وعناده، فأهلكهم الله وقد بين سبب إهلاكه إياهم في غير موضع من القرآن بأنه أرسل عليهم ريحاً صرصراً عاتية، أي ريحاً شديدة الهبوب، ذات برد شديد جداً، فكان سبب إهلاكهم من جنسهم، فإنهم كانوا أعتى شيء وأجبره، فسلط الله عليهم ما هو أعتى منهم وأشد قوة، كما قال تعالى: {ألم ترَ كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد} وهم عاد الأولى، كما قال تعالى: {وأنه أهلك عاداً الأولى} وهم من نسل إرم بن سام بن نوح {ذات العماد} الذين كانو يسكنون العمد، ومن زعم أن إرم مدينة، فإنما أخذ ذلك من الإسرائيليات من كلام كعب ووهب، وليس لذلك أصل أصيل، ولهذا قال {التي لم يخلق مثلها في البلاد} أي لم يخلق مثل هذه القبيلة في قوتهم وشدتهم وجبروتهم، ولو كان المراد بذلك مدينة لقال: التي لم يبن مثلها في البلاد، وقال تعالى: {فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة ؟ أو لم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون} وقد قدمنا أن الله تعالى لم يرسل عليهم من الريح إلا مقدار أنف الثور، عتت على الخزنة، فأذن الله لها في ذلك، فسلكت فحصبت بلادهم، فحصبت كل شيء لهم، كما قال تعالى: {تدمر كل شيء بأمر ربها} الاَية، وقال تعالى: {وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية ـ إلى قوله ـ حسوماً ـ أي كاملة ـ فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية} أي بقوا أبداناً بلا رؤوس، وذلك أن الريح كانت تأتي الرجل منهم فتقتلعه وترفعه في الهواء، ثم تنكسه على أم رأسه، فتشدخ دماغه وتكسر رأسه وتلقيه، كأنهم أعجاز نخل منقعر، وقد كانو تحصنوا في الجبال والكهوف والمغارات، وحفروا لهم في الأرض إلى أنصافهم، فلم يغن عنهم ذلك من أمر الله شيئاً {إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر} ولهذا قال تعالى: {فكذبوه فأهلكناهم} الاَية





كَذّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتّقُونَ * إِنّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَىَ رَبّ الْعَالَمِينَ



وهذا إخبار من الله عز وجل عن عبده ورسوله صالح عليه السلام، أنه بعثه إلى قومه ثمود، وكانوا عرباً يسكنون مدينة الحِجْر التي بين وداي القرى وبلاد الشام، ومساكنهم معروفة مشهورة، وقد قدمنا في سورة الأعراف الأحاديث المروية في مرور رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم حين أراد غزو الشام، فوصل إلى تبوك ثم عاد إلى المدينة ليتأهب لذلك، وكانوا بعد عاد وقبل الخليل عليه السلام. فدعاهم نبيهم صالح إلى الله عز وجل أن يعبدوه وحده لا شريك له، وأن يطيعوه فيما بلغهم من الرسالة، فأبوا عليه وكذبوه وخالفوه، وأخبرهم أنه لا يبتغي بدعوتهم أجراً منهم، وإنما يطلب ثواب ذلك من الله عز وجل، ثم ذكرهم آلاء الله علهيم، فقال





أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَآ آمِنِينَ * فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ * وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً فَارِهِينَ * فَاتّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ * وَلاَ تُطِيعُوَاْ أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ



يقول لهم واعظاً لهم، ومحذرهم نقم الله أن تحل بهم، ومذكراً بأنعم الله عليهم فيما رزقهم من الأرزاق الدارة وجعلهم في أمن من المحذورات، وأنبت لهم من الجنات، وفجر لهم من العيون الجاريات، وأخرج لهم من الزروع والثمرات، ولهذا قال {ونخل طلعها هضيم}. قال العوفي عن ابن عباس: أينع وبلغ، فهو هضيم. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {ونخل طلعها هضيم} يقول: معشبة. وقال إسماعيل بن أبي خالد عن عمرو بن أبي عمرو ـ وقد أدرك الصحابة ـ عن ابن عباس في قوله {ونخل طلعها هضيم} قال: إذا رطب واسترخى، رواه ابن أبي حاتم، ثم قال: وروي عن أبي صالح نحو هذا

وقال أبو إسحاق عن أبي العلاء {ونخل طلعها هضيم} قال: هو المذنب من الرطب، وقال مجاهد: هو الذي إذا يبس تهشم وتفتت وتناثر، وقال ابن جريج: سمعت عبد الكريم، وأبا أمية، سمعت مجاهداً يقول {ونخل طلعها هضيم} قال: حين يطلع تقبض عليه فتهضمه، فهو من الرطب الهضيم، ومن اليابس الهشيم، تقبض عليه فتهشمه. وقال عكرمة وقتادة: الهضيم الرطب اللين. وقال الضحاك: إذا كثر حمل الثمرة وركب بعضها بعضاً، فهو هضيم. وقال مرة: هو الطلع حين يتفرق ويخضر. وقال الحسن البصري: هو الذي لا نوى له، وقال أبو صخر: ما رأيت الطلع حين ينشق عنه الكم ؟ فترى الطلع قد لصق بعضه ببعض، فهو الهضيم

وقوله {وتنحتون من الجبال بيوتاً فارهين} قال ابن عباس وغير واحد: يعني حاذقين. وفي رواية عنه: شرهين أشرين، وهو اختيار مجاهد وجماعة، ولا منافاة بينهما، فإنهم كانوا يتخذون تلك البيوت المنحوتة في الجبال أشراً وبطراً وعبثاً من غير حاجة إلى سكناها، وكانوا حاذقين متقنين لنحتها ونقشها، كما هو المشاهد من حالهم لمن رأى منازلهم، ولهذا قال {فاتقوا الله وأطيعون} أي أقبلوا على ما يعود نفعه عليكم في الدنيا والاَخرة من عبادة ربكم الذي خلقكم ورزقكم لتعبدوه وتوحدوه وتسبحوه بكرة وأصيلا {ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون} يعني رؤساءهم وكبراءهم، الدعاة لهم إلى الشرك والكفر ومخالفة الحق





قَالُوَاْ إِنّمَآ أَنتَ مِنَ الْمُسَحّرِينَ * مَآ أَنتَ إِلاّ بَشَرٌ مّثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصّادِقِينَ * قَالَ هَـَذِهِ نَاقَةٌ لّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مّعْلُومٍ * وَلاَ تَمَسّوهَا بِسُوَءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ * فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُواْ نَادِمِينَ * فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مّؤْمِنِينَ * وَإِنّ رَبّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرّحِيمُ



يقول تعالى مخبراً عن ثمود في جوابهم لنبيهم صالح عليه السلام حين دعاهم إلى عبادة ربهم عز وجل أنهم {قالوا إنما أنت من المسحرين} قال مجاهد وقتادة: يعنون من المسحورين. وروى أبو صالح عن ابن عباس {من المسحرين} يعني من المخلوقين، واستشهد بعضهم على هذا بقول الشاعر

فإن تسألينا: فيم نحن ؟ فإنناعصافير من هذا الأنام المسحر

يعني الذين لهم سحور، والسحر هو الرئة. والأظهر في هذا قول مجاهد وقتادة أنهم يقولون: إنما أنت في قولك هذا مسحور لا عقل لك، ثم قالوا {ما أنت إلا بشر مثلنا} يعني فكيف أوحي إليك دوننا ؟ كما قالوا في الاَية الأخرى {أءلقي الذكر عليه من بيننا ؟ بل هو كذاب أشر * سيعلمون غداً من الكذاب الأشر} ثم إنهم اقترحوا عليه آية يأتيهم بها ليعلموا صدقه بما جاءهم به من ربهم، وقد اجتمع ملؤهم، وطلبوا منه أن يخرج لهم الاَن من هذه الصخرة ناقة عشراء إلى صخرة عندهم ـ من صفتها كذا وكذا، فعند ذلك أخذ عليهم نبي الله صالح. العهود والمواثيق لئن أجابهم إلى ما سألوا ليؤمنن به وليتبعنه، فأعطوه ذلك، فقام نبي الله صالح عليه السلام فصلى، ثم دعا الله عز وجل أن يجيبهم إلى سؤالهم، فانفطرت تلك الصخرة التي أشاروا إليها عن ناقة عشراء على الصفة التي وصفوها، فآمن بعضهم وكفر أكثرهم {قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم} يعني ترد ماءكم يوماً، ويوماً تردونه أنتم {ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم} فحذرهم نقمة الله إن أصابوها بسوء، فمكثت الناقة بين أظهرهم حيناً من الدهر، ترد الماء وتأكل الورق والمرعى ـ وينتفعون بلبنها يحلبون منها ما يكفيهم شرباً ورياً، فلما طال عليهم الأمد وحضر شقاؤهم، تمالؤوا على قتلها وعقرها {فعقروها فأصبحوا نادمين فأخذهم العذاب} وهو أن أرضهم زلزلت زلزالاً شديداً، وجاءتهم صيحة عظيمة اقتلعت القلوب من محالها، وأتاهم من الأمر ما لم يكونوا يحتسبون، وأصبحوا في ديارهم جاثمين {إن في ذلك لاَية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم}





كَذّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتّقُونَ * إِنّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَىَ رَبّ الْعَالَمِينَ



يقول تعالى مخبراً عن عبده ورسوله لوط عليه السلام، وهو لوط بن هاران بن آزار وهو ابن أخي إبراهيم الخليل عليه السلام، وكان الله تعالى قد بعثه إلى أمة عظيمة في حياة إبراهيم عليهما السلام، وكانوا يسكنون سدوم وأعمالها التي أهلكها الله بها، وجعل مكانها بحيرة منتنة خبيثة، وهي مشهورة ببلاد الغور بناحية متاخمة لجبال البيت المقدس، بينها وبين بلاد الكرك والشوبك، فدعاهم إلى الله عز وجل أن يعبدوه وحده لا شريك له، وأن يطيعوا رسولهم الذي بعثه الله إليهم، ونهاهم عن معصية الله وارتكاب ما كانوا قد ابتدعوه في العالم مما لم يسبقهم أحد من الخلائق إلى فعله، من إتيان الذكور دون الإناث، ولهذا قال تعالى





أَتَأْتُونَ الذّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبّكُمْ مّنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ * قَالُواْ لَئِن لّمْ تَنتَهِ يَلُوطُ لَتَكُونَنّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ * قَالَ إِنّي لِعَمَلِكُمْ مّنَ الْقَالِينَ * رَبّ نّجِنِي وَأَهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ * فَنَجّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلاّ عَجُوزاً فِي الْغَابِرِينَ * ثُمّ دَمّرْنَا الاَخَرِينَ * وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مّطَراً فَسَآءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ * إِنّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مّؤْمِنِينَ * وَإِنّ رَبّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرّحِيمُ



لما نهاهم نبي الله عن ارتكاب الفواحش، وغشيانهم الذكور، وأرشدهم إلى إتيان نسائهم اللاتي خلقهن الله لهم، ما كان جوابهم له إلا أن قالوا {لئن لم تنته يا لوط} أي عما جئتنا به {لتكونن من المخرجين} أي ننفيك من بين أظهرنا، كما قال تعالى: {فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون} فلما رأى أنهم لا يرتدعون عما هم فيه وأنهم مستمرون على ضلالتهم، تبرأ منهم وقال {إني لعملكم من القالين} أي المبغضين، لا أحبه ولا أرضى به، وإني بريء منكم، ثم دعا الله عليهم فقال {رب نجني وأهلي مما يعملون} قال الله تعالى: {فنجيناه وأهله أجمعين} أي كلهم {إلا عجوزاً في الغابرين} وهي امرأته، وكانت عجوز سوء بقيت فهلكت مع من بقي من قومها، وذلك كما أخبر الله تعالى عنهم في سورة الأعراف وهود، وكذا في الحجر حين أمره الله أن يسري بأهله إلا امرأته، وأنهم لا يلتفتوا إذا سمعوا الصيحة حين تنزل على قومه، فصبروا لأمر الله واستمروا، وأنزل الله على أولئك العذاب الذي عم جميعهم، وأمطر عليهم حجارة من سجيل منضود، ولهذا قال تعالى: {ثم دمرنا الاَخرين * وأمطرنا عليهم مطراً ـ إلى قوله ـ وإن ربك لهو العزيز الرحيم}





كَذّبَ أَصْحَابُ الأيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلاَ تَتّقُونَ * إِنّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَىَ رَبّ الْعَالَمِينَ



هؤلاء ـ يعني أصحاب الأيكة ـ هم أهل مدين على الصحيح وكان نبي الله شعيب من أنفسهم وإنما لم يقل ههنا أخوهم شعيب لأنهم نسبوا إلى عبادة الأيكة، وهي شجرة، وقيل شجر ملتف كالغيضة كانوا يعبدونها، فلهذا لما قال: كذب أصحاب الاَيكة المرسلين لم يقل: إذ قال لهم أخوهم شعيب، وإنما قال {إذ قال لهم شعيب} فقطع نسب الأخوة بينهم للمعنى الذي نسبوا إليه، وإن كان أخاهم نسباً. ومن الناس من لم يفطن لهذه النكتة، فظن أن أصحاب الاَيكة غير أهل مدين، فزعم أن شعيباً عليه السلام بعثه الله إلى أمتين، ومنهم من قال: ثلاث أمم. وقد روى إسحاق بن بشر الكاهلي ـ وهو ضعيف ـ حدثني ابن السدي عن أبيه، وزكريا بن عمر عن خصيف عن عكرمة، قالا: ما بعث الله نبياً مرتين إلا شعيباً، مرة إلى مدين فأخذهم الله بالصيحة، ومرة إلى أصحاب الأيكة، فأخذهم الله تعالى بعذاب يوم الظلة، وروى أبو القاسم البغوي عن هدبة عن همام عن قتادة في قوله تعالى: {وأصحاب الرس} قوم شعيب

وقوله {وأصحاب الأيكة} قوم شعيب، وقاله إسحاق بن بشر. وقال غير جويبر: أصحاب الأيكة ومدين هما واحد، والله أعلم. وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة شعيب من طريق محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن أبيه عن معاوية بن هشام عن هشام بن سعد، عن سعيد بن أبي هلال عن ربيعة بن سيف عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن قوم مدين وأصحاب الأيكة أمتان، بعث الله إليهما شعيباً النبي عليه السلام» وهذا غريب، وفي رفعه نظر، والأشبه أن يكون موقوفاً، والصحيح أنهم أمة واحدة وصفوا في كل مقام بشيء، ولهذا وعظ هؤلاء وأمرهم بوفاء المكيال والميزان، كما في قصة مدين سواء بسواء، فدل ذلك على أنهما أمة واحدة





أَوْفُواْ الْكَيْلَ وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ الْمُخْسِرِينَ * وَزِنُواْ بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ * وَلاَ تَبْخَسُواْ النّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ * وَاتّقُواْ الّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلّةَ الأوّلِينَ



يأمرهم الله تعالى بإيفاء المكيال والميزان، وينهاهم عن التطفيف فيهما، فقال {أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين} أي إذا دفعتم للناس فكملوا الكيل لهم، ولا تبخسوا الكيل فتعطوه ناقصاً، وتأخذوه إذا كان لكم تاماً وافياً، ولكن خذوا كما تعطون، وأعطوا كما تأخذون {وزنوا بالقسطاس المستقيم} والقسطاس هو الميزان، وقيل هو القبان. قال بعضهم: هو معرب من الرومية. قال مجاهد: القسطاس المستقيم هو العدل بالرومية. وقال قتادة القسطاس العدل. وقوله {ولا تبخسوا الناس أشياءهم} أي لا تنقصوهم أموالهم {ولا تعثوا في الأرض مفسدين} يعني قطع الطريق، كما قال في الاَية الأخرى {ولا تقعدوا بكل صراط توعدون}

وقوله {واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين} يخوفهم بأس الله الذي خلقهم وخلق آباءهم الأوائل، كما قال موسى عليه السلام {ربكم ورب آبائكم الأولين} قال ابن عباس ومجاهد والسدي وسفيان بن عيينة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم {والجبلة الأولين} يقول: خلق الأولين وقرأ ابن زيد {ولقد أضل منكم جبلاً كثيراً}





قَالُوَاْ إِنّمَآ أَنتَ مِنَ الْمُسَحّرِينَ * وَمَآ أَنتَ إِلاّ بَشَرٌ مّثْلُنَا وَإِن نّظُنّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مّنَ السّمَآءِ إِن كُنتَ مِنَ الصّادِقِينَ * قَالَ رَبّيَ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ * فَكَذّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظّلّةِ إِنّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * إِنّ فِي ذَلِكَ لاَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مّؤْمِنِينَ * وَإِنّ رَبّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرّحِيمُ



يخبر تعالى عن جواب قومه له بمثل ما أجابت به ثمود لرسولها، تشابهت قلوبهم حيث قالوا {إنما أنت من المسحرين} يعنون من المسحورين كما تقدم {وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين} أي تتعمد الكذب فيما تقوله لا أن الله أرسلك إلينا {فأسقط علينا كسفاً من السماء} قال الضحاك: جانباً من السماء. وقال قتادة: قطعاً من السماء. وقال السدي: عذاباً من السماء. وهذا شبيه بما قالت قريش فيما أخبر الله عنهم في قوله تعالى: {وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً} إلى أن قالوا {أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً أو تأتي بالله والملائكة قبيلاً} وقوله {وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء} الاَية، وهكذا قال هؤلاء الكفار الجهلة {فأسقط علينا كسفاً من السماء} الاَية، {قال ربي أعلم بما تعملون} يقول: الله أعلم بكم، فإن كنتم تستحقون ذلك جازاكم به، وهو غير ظالم لكم، وهكذا وقع بهم جزاء كما سألوا جزاء وفاقاً، ولهذا قال تعالى: {فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم} وهذا من جنس ما سألوه من إسقاط الكسف عليهم، فإن الله سبحانه وتعالى جعل عقوبتهم أن أصابهم حر عظيم مدة سبعة أيام، لا يكنهم منه شيء، ثم أقبلت إليهم سحابة أظلتهم، فجعلوا ينطلقون إليها يستظلون بظلها من الحر، فلما اجتمعوا كلهم تحتها، أرسل الله تعالى عليهم منها شرراً من نار ولهباً ووهجاً عظيماً، ورجفت بهم الأرض، وجاءتهم صيحة عظيمة أزهقت أرواحهم، ولهذا قال تعالى: {إنه كان عذاب يوم عظيم}

وقد ذكر الله تعالى صفة إهلاكهم في ثلاثة مواطن، كل موطن بصفة تناسب ذلك السياق ففي الأعراف ذكر أنهم أخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين، وذلك لأنهم قالوا {لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا} فأرجفوا نبي الله ومن اتبعه فأخذتهم الرجفة، وفي سورة هود قال {فأخذتهم الصيحة} وذلك لأنهم استهزءوا بنبي الله في قولهم {أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد} قالوا ذلك على سبيل التهكم والازدراء، فناسب أن تأتيهم صيحة تسكتهم، فقال {فأخذتهم الصيحة} الاَية، وههنا قالوا {فأسقط علينا كسفاً من السماء} الاَية، على وجه التعنت والعناد، فناسب أن يحقق عليهم ما استبعدوا وقوعه {فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم}

قال قتادة: قال عبد الله بن عمر رضي الله عنه: إن الله سلط عليهم الحر سبعة أيام حتى ما يظلهم منه شيء، ثم إن الله تعالى أنشأ لهم سحابة، فانطلق إليها أحدهم فاستظل بها فأصاب تحتها برداً وراحة، فأعلم بذلك قومه فأتوها جميعاً فاستظلوا تحتها فأججت عليهم ناراً، وهكذا روي عن عكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وغيرهم. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: بعث الله إليهم الظلة حتى إذا اجتمعوا كلهم كشف الله عنهم الظلة وأحمى عليهم الشمس، فاحترقوا كما يحترق الجراد في المقلى، وقال محمد بن كعب القرظي: إن أهل مدين عذبوا بثلاثة أصناف من العذاب: أخذتهم الرجفة في دارهم حتى خرجوا منها، فلما خرجوا منها أصابهم فزع شديد، ففرقوا أن يدخلوا إلى البيوت فتسقط عليهم، فأرسل الله عليهم الظلة، فدخل تحتها رجل فقال: ما رأيت كاليوم ظلاً أطيب ولا أبرد من هذا، هلموا أيها الناس، فدخلوا جميعاً تحت الظلة، فصاح بهم صيحة واحدة، فماتوا جميعاً، ثم تلا محمد بن كعب {فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم}

وقال محمد بن جرير: حدثني الحارث، حدثني الحسن، حدثني سعيد بن زيد أخو حماد بن زيد، حدثنا حاتم بن أبي صغيرة، حدثني يزيد الباهلي، سألت ابن عباس عن هذه الاَية {فأخذهم عذاب يوم الظلة} الاَية، قال: بعث الله عليهم رعداً وحراً شديداً، فأخذ بأنفاسهم فخرجوا من البيوت هراباً إلى البرية، فبعث الله عليهم سحابة فأظلتهم من الشمس، فوجدوا لها برداً ولذة، فنادى بعضهم بعضاً حتى إذا اجتمعوا تحتها أرسل الله عليهم ناراً. قال ابن عباس: فذلك عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم {إن في ذلك لاَية وما كان أكثرهم مؤمنين، وإن ربك لهو العزيز الرحيم} أي العزيز في انتقامه من الكافرين، الرحيم بعباده المؤمنين





وَإِنّهُ لَتَنزِيلُ رَبّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرّوحُ الأمِينُ * عَلَىَ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيّ مّبِينٍ

_________________
الحمدلله
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://abubaker.jordanforum.net
 
فسير سورة الشعراء، 2
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الأصدقاء :: هدايات وإرشادات وتوجيهات إسلامية :: تفسير القران الكريم "ابن كثير" قراءة وتصفح ومواقع وروابط-
انتقل الى: