منتدى الأصدقاء
{وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }يونس25
And God calls to the House of Peace and guides whom He wills to a Straight Path} Younis 25
نحن سعداء للمشاركة في (منتدى الأصدقاء)
We are pleased to join in ( Forum Friends )
يشرفنا تسجيلك
We are honored register you
إدارة المنتدى
Management of Forum



منتدى الأصدقاء
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالمجموعاتالتسجيلدخول

( أهلا وسهلا بكم في منتدى الأصدقاء Welcome to the forum Friends >> الرجاء تسجيل الدخول للتعرف على فضائل الأعمال التي يحبها الله Please log in to learn about the virtues of Business loved by God

المواضيع الأخيرة
» (من شهد له خزيمة فهو حسبه). وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} [هود: 1].
الإثنين نوفمبر 28, 2016 7:52 pm من طرف abubaker

» (مَنْ شهد له خزيمة فحَسْبه). قال: يا رسول الله أَأُصدِّقُك في خبر السماء، وأُكذِّبك في عِدّة دراهم؟ --- وقوله تعالى: {أَن يَرْحَمَكُمْ..} [الإسراء: 8].
الإثنين نوفمبر 28, 2016 7:38 pm من طرف abubaker

» إزالة الظل الأزرق الذي يظهر تحت أيقونات سطح المكتب
السبت نوفمبر 26, 2016 7:22 pm من طرف abubaker

» لأن الاسم إذا أُطلِق عَلَماً على الغير انحلَّ عن معناه الأصلي ولزم العَلَمية فقط، لكن أسماء الله بقيتْ على معناها الأصلي حتى بعد أنْ أصبحتْ عَلَماً على الله تعالى، فهي إذن أسماء حُسْنى.
الإثنين نوفمبر 21, 2016 2:51 pm من طرف abubaker

»  إننا نجد أن بعضا من أسماء الله سبحانه وتعالى له مقابل، ومن أسماء الله الحسنى ما لا تجد له مقابلا. فإذا قيل “المحيي” تجد “المميت” لكن الصفة إن لم يوجد لها مقابل نسميها صفة ذات، فهو “حي” ولا نأتي بالمقابل
الإثنين نوفمبر 21, 2016 2:34 pm من طرف abubaker

» تابع / إننا نجد أن بعضا من أسماء الله سبحانه وتعالى له مقابل، ومن أسماء الله الحسنى ما لا تجد له مقابلا. فإذا قيل “المحيي” تجد “المميت” لكن الصفة إن لم يوجد لها مقابل نسميها صفة ذات، فهو “حي” ولا نأتي بالمقابل
الإثنين نوفمبر 21, 2016 2:27 pm من طرف abubaker

»  فالاسم هو العَلَم الذي وُضِع للدلالة على هذا اللفظ. / الذكْر: له معانٍ متعددة، فالذكْر هو الإخبار بشيء / والرحمة: هي تجليّات الراحم على المرحوم بما يُديم له صلاحه لمهمته - من سورة مريم
الأحد نوفمبر 20, 2016 5:38 pm من طرف abubaker

»  فالاسم هو العَلَم الذي وُضِع للدلالة على هذا اللفظ. / {كهيعص(1)}
الأحد نوفمبر 20, 2016 5:01 pm من طرف abubaker

» إدارة Google Voice والسجل الصوتي
الإثنين نوفمبر 14, 2016 2:10 pm من طرف abubaker

ازرار التصفُّح
 البوابة
 الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث
التبادل الاعلاني

شاطر | 
 

 571 - 574 -

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
abubaker



ذكر
عدد المساهمات : 18466
تاريخ التسجيل : 23/12/2010
العمر : 66
الدولـة : jordan

مُساهمةموضوع: 571 - 574 -   الأربعاء أغسطس 31, 2016 4:30 pm


باب فضل الغني الشاكر وهو من أخذ المال من وجهه وصرفه في وجوهه المأمور بها
قال الله تعالى: { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى } . وقال الله تعالى: { وَسَيُجَنَّبُهَا الأتْقَى، الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى، وَمَا لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى، إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأعْلَى، وَلَسَوْفَ يَرْضَى } . وقال الله تعالى: { إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } وقال تعالى: { لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ } . والآيات في فضل الإنفاق في الطاعات معلومة . قال المؤلف - رحمه الله تعالى - باب فضل الغني الشاكر، وهو الذي يأخذ المال بحقه ويصرفه في حقه . فالغني هو الذي أعطاه الله سبحانه وتعالى ما يستغني به عن غيره من مال أو علم أو جاه أو غير ذلك وإن كان الأكثر استعمالا أن الغني هو الذي أعطاه الله المال الذي يستغني به عن غيره . والله سبحانه وتعالى يبتلي عباده بالمال يعني بالغنى وبالفقر فمن الناس من لو أغناه الله لأفسده الغني ومن الناس من لو أفقره الله لأفسده الفقر، والله عز وجل يعطي كل أحد يحسب ما تقتضيه الحكمة كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ وإذا أعطى الله الإنسان المال فإنه ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: من يعطيه الله المال يكتسبه من طريق حرام: كالمرابي والكذاب والغشاش في البيع والشراء ومن أكل أموال الناس بالباطل وغير ذلك فهذا غناه لا ينفعه لأنه غنى في الدنيا ولكنه فقر - والعياذ بالله - في الدنيا والآخرة . إذ إن هذا الشيء الذي دخل عليه من هذا الوجه سوف يعاقب عليه يوم القيامة وأعظمه الربا، فإن الله عز وجل يقول في كتابه: { الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } ويقول الله تبارك وتعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ، فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ } . القسم الثاني: من أغناه من أغناه الله بمال لكن عن طريق الحلال يبيع بالبيان والنصح والصدق فهذا هو الذي ينفعه غناه لأن من كان كذلك فالغالب أن الله يوفقه لصرفه فيما ينفع . فهذا هو الغني الشاكر الذي يأخذ المال بحقه ويصرفه في حقه على الوجه الذي شرعه الله له . ثم ذكر المؤلف - رحمه الله - آيات في هذا المعنى فذكر قول الله سبحانه وتعالى { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى } . أعطى يعني بذل الماء في وجهه واتقى الله سبحانه وتعالى في بذله وفي جمعه، فهذا ييسر لليسرى . وقال سبحانه: { وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى، وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى، إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى } . وقال تعالى: { وَسَيُجَنَّبُهَا } يعني النار { الأتْقَى، الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى، وَمَا لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى، إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأعْلَى، وَلَسَوْفَ يَرْضَى } يعني سيجنب هذه النار { الأتْقَى، الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى } يعني على وجه يتزكى به، وعلى وجه يقربه إلى الله عز وجل . { وَمَا لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى } يعني ليس يعطي المال من باب المكافآت على قضاء مصالحه الشخصية ولكنه يعطي المال لله ولهذا قال: { إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأعْلَى } فهو يعطي المال ابتغاء وجه ربه الأعلى { وَلَسَوْفَ يَرْضَى } بما يجازيه الله به . فعلى المؤمن إذا أغناه الله عز وجل أن يكون شاكرا لله قائما بما أوجب الله عليه من بذل المال في حقه على الوجه الذي يرضى الله عز وجل


الشَّرْحُ

571 - وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا حسد إلا في اثنتين رجل أتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها متفق عليه وتقدم شرحه قريبا .
572 - وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ورجل آتاه الله مالا . فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار متفق عليه .
573 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى، والنعيم المقيم فقال: وما ذاك ؟ فقالوا يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون ولا نتصدق ويعتقون ولا نعتق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفلا أعلمكم شيئا تدركون به من سبقكم وتسبقون به من بعدكم ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم ؟ قالوا بلى يا رسول الله قال: تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين مرة فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء متفق عليه وهذا لفظ رواية مسلم الدثور الأموال الكثيرة والله أعلم . ذكر المؤلف - رحمه الله - أحاديث في بيان الذين ينفقون أموالهم ويجودون بها في سبيل الله ففي حديث عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما بيان أنه لا حسد إلا في اثنين يعني لا أحد يغبط غبطة حقيقة إلا هذان الصنفان: الأول: من آتاه الله العلم وهو الحكمة فكان يعمل بها ويعلمها الناس فهذا هو الذي يغبط لأنك إذا قارنت بين حال هذا الرجل وحال الجاهل عرفت الفرق بينهما الجاهل يعبد الله على جهل ولا يعرف من شريعة الله إلا ما فعله الناس فتجده يتبع الناس على الصواب والخطأ وهذا نقص كبير في عبادة الرجل لأن الإنسان إذا عبد الله على غير بصيرة صارت عبادته ناقصة . كذلك إذا قارنت بين رجل آتاه الله العلم ولكنه لم يعمل به ورجل آتاه الله العلم فعمل به وعلمه الناس تجد الفرق العظيم بين هذا وهذا فالذي يغبط حقيقة هو الذي آتاه الله العلم فعمل به وعلمه الناس . والثاني: رجل آتاه الله مالا فهو ينفقه في سبيل الله في كل ما يرضي الله ليلا ونهارا فهذا هو الذي يغبط أما من آتاه الله المال ولكنه لم ينفقه في مرضاة الله فلا غبطة فيه ولا يغبط على ما أوتي لأن هذا المال إن انتفع به انتفع به في الدنيا فقط لأنه لا ينفقه لله ولا في سبيل الله . وكذلك إذا كان رجل فقير لم يؤت مالا فهو أيضا لا يغبط فلا يغبط من ذوي المال إلا من آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق، فيما يرضى الله عز وجل . ثم ذكر حديث أبي هريرة رضي الله عنه حين جاء فقراء المهاجرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور جمع أجر بالدرجات العلى والنعيم المقيم قال: وما ذاك ؟ قالوا: يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق يعني فهم أفضل منا لأن الله من عليهم بالمال فبذلوه في طاعة الله وفيما يرضي الله . فقال عليه الصلاة والسلام: أفلا أعلمكم شيئا تدركون به من سبقكم وتسبقون من بعدكم ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم ؟ فقالوا: بلى يا رسول الله قال: تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين مرة . يعني تقولون سبحان الله ثلاثا وثلاثين، والحمد الله ثلاثا وثلاثين، والله أكبر ثلاثا وثلاثين فصاروا يفعلون ذلك ولكن الأغنياء سمعوا بهذا فصاروا يقولون يسبحون ويكبرون ويحمدون ثلاثا وثلاثين دبر كل صلاة . فرجع الفقراء مرة ثانية إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقالوا: يا رسول الله سمع إخواننا أهل الأموال بما صنعنا فصنعوا مثله فقال عليه الصلاة والسلام: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء يعني أن الله سبحانه وتعالى أغناهم وأعطاهم المال فبذلوه في طاعة الله وهذا فضل الله . وفي هذا دليل على أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتسابقون إلى الخير فالأغنياء لما سمعوا بما أرشد إليه النبي عليه الصلاة والسلام الفقراء بادروا إليه وفعلوه والفقراء جاءوا يشكون أنهم لا يستطيعون فعل بعض العبادات المالية لقلة ذات أيديهم فأرشدهم النبي صلى الله عليه وسلم لما يدركون به من سبق ويسبقون به من بعدهم . ففعلوا ذلك إلا أنهم أتوا مرة أخرى يشكون أن إخوانهم الأغنياء لما سمعوا بذلك بادروا بفعله فقال لهم عليه الصلاة والسلام: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والخلاصة أنه يجب على الإنسان إذا آتاه الله المال أن يبذله فيما يرضى الله، فإن هذا هو الذي يحسد يعني يغبط ما آتاه الله من المال .

الشَّرْحُ


باب ذكر الموت وقصر الأمل
قال الله تعالى: { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ } . قال المؤلف النووي - رحمه الله - في رياض الصالحين: باب ذكر الموت وقصر الأمل، هذا الباب يذكر فيه المؤلف - رحمه الله - أنه يجب على العاقل أن يتذكر الموت وأن يقصر الأمل في الدنيا وليس الأمل في ثواب الله عز وجل وما عنده من الثواب الجزيل لمن عمل صالحا . لكن المراد أنك لا تطل الأمل في الدنيا فكم من إنسان أمل أملا بعيدا فإذا الأجل يفجؤه ؟ وكم من إنسان يقدر ويفكر سيفعل ويفعل ويفعل فإذا به قد انتهى أجله وترك ما أمله وانقطع حبل الأمل وحضر الأجل ؟ فالذي ينبغي للإنسان العاقل كلما رأى من نفسه طموحا إلى الدنيا وانشغالا بها واغترارا بها أن يتذكر الموت ويتذكر حال الآخرة لأن هذا هو المآل المتيقن وما يؤمله الإنسان في الدنيا فقد يحصل وقد لا يحصل مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لا ما يشاء هو بل ما يشاء الله عز وجل: { مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاَهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا، وَمَنْ أَرَادَ الآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا } ثم ذكر الآيات ومنها قوله تعالى: { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } فكل نفس منفوسة من بني آدم وغير بني آدم ذائقة الموت لابد أن تذوق الموت، وعبر بقوله: ذائقة لأن الموت يكون له مذاق مر يكرهه كل إنسان . لكن المؤمن إذا حضر أجله وبشر بما عند الله عز وجل أحب لقاء الله ولا يكره الموت حينئذ قال الله تعالى: { وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } أي تعطونها وافية كاملة يوم القيامة . وأن أوتي الإنسان أجره في الدنيا فإنه ليس هذا هو الأجر فقط بل الأجر الوافي الكامل الذي به يستوفي الإنسان كل أجره يكون يوم القيامة وإلا فإن المؤمن قد يثاب على أعماله الصالحة في الدنيا لكن ليس هو الأجر الكامل الذي فيه التوفية الكاملة لأن هذه إنما تكون يوم القيامة { فمن زحزح عن النار } زحزح يعني: أبعد عن النار { وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ } لأنه نجى من المكروه وحصل له المطلوب نجى من المكروه وهو دخول النار وحصل له المطلوب وهو دخول الجنة وهذا هو الفوز العظيم الذي لا فوز مثله . { وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ } صدق الله عز وجل الدنيا متاع الغرور يعني متاع ليس دائما بل كما يكون للمسافر متاع يصل به إلى منتهى سفره، ومع ذلك فهي متاع غرور تغر الإنسان تزدان له وتزدهر وتكتحل وتتحسن وتكون كأحسن شيء ولكنها تغره . كلما كثرت الدنيا وتشبث الإنسان بها بعد من الآخرة ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: والله ما الفقر أخشى عليكم وإنما أخشى عليكم أن تفتح عليكم الدنيا كما فتحت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم . ولهذا نجد أن الإنسان أحيان يكون في حال الضيق أو الوسط خيرا منه في حال الغنى لأنه يغره الغنى ويطغيه والعياذ بالله ولهذا قال: { وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ } يعني فلا تغتروا بها وعليكم بالآخرة التي إذا زحزح فيها الإنسان عن النار وأدخل الجنة، فإنه بذلك يفوز فوزا لا فوز مثله

الشَّرْحُ


وقال تعالى: { وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ } وقال تعالى: { فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } . ذكر المؤلف - رحمه الله تعالى - في باب ذكر الموت وقصر الأمل فيما ساقه من آيات الله عز وجل، ذكر قوله تعالى: وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ وهذه إحدى مفاتح الغيب التي لا يعلمها إلا الله عز وجل . قال الله تعالى: { وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ } ومفاتح الغيب هي الخمس المذكورة في قوله تعالى: { إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ } فهذه الخمس لا يعلمها إلا الله عز وجل فعلم الساعة لا يعلمه أحد، حتى إن جبريل وهو أشرف الملائكة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أعلم البشر فقال: أخبرني عن الساعة قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل فلا يعلمها إلا الله عز وجل . { وينزل الغيث } والمنزل للغيث يعلم متى ينزل فهو سبحانه وتعالى هو الذي يعلم متى ينزل الغيث وهو الذي ينزله والغيث هو المطر الذي يحصل به نبات الأرض وزوال الشدة . وليس كل مطر يسمى غيثا فإن المطر أحيانا لا يجعل الله فيه بركة، فلا تنبت به الأرض كما قال النبي عليه الصلاة والسلام ليس السنة ألا تمطروا يعني ليس الجدب ألا تمطروا بل السنة أن تمطروا ولا تنبت الأرض شيئا وهذا يقع أحيانا فأحيانا تكثر الأمطار ولا يجعل الله تعالى فيها بركة فلا تنبت الأرض ولا تحيا وهذا الحديث الذي سقته في صحيح مسلم: إنما السنة أن تمطروا فلا تنبت الأرض شيئا . فالذي ينزل الغيث هو الله والمنزل له عالم متى ينزل وأما ما نسمعه في الإذاعات من أنه يتوقع مطر في المكان الفلاني وما أشبه ذلك، فهو ظن بحسب ما يتبادر من احتمال المطر بمقياس الجو، وهي مقاييس دقيقة يعرفون بها هل الجو متهيئ للمطر أو لا ومع ذلك فهم يخطئون كثيرا فلا يعلم متى ينزل المطر إلا الله عز وجل . { ويعلم ما في الأرحام } لا يعلم ما في الأرحام إلا الله والأجنة التي في الأرحام لها أحوال، منها ما يعلم إذا وجد ولو كان الإنسان في بطن أمه، ولكنه لا يعلم إلا إذا خلق الله تعالى فيه علامات الذكورة أو علامات الأنوثة . وأما متى يولد وهل يولد حيا أو ميتا وهل يبقى في الدنيا طويلا أو لا يبقى إلا مدة قصيرة وهل يكون عمله صالحا أو عمله سيئا وهل يختم له بالسعادة أو بالشقاوة وهل يبسط له في الرزق أو يقدر عليه رزقه فكل هذا لا يعلمه إلا الله . { وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا } يعني ماذا تكسب في المستقبل ؟ فلا تدري نفس ماذا تكسب هل تكسب خيرا أو تكسب شرا، أو تموت قبل غد أو يأتي غد وفيه ما يمنع العمل وما أشبه ذلك ؟ فالإنسان يظل يقول: سأفعل كذا سأفعل كذا لكنه قد لا يفعل فهو لا يعلم ماذا يكسب غدا علما يقينيا ولكنه يقدر وقد تختلف الأمور . { وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ } لا يدري الإنسان بأي أرض يموت هل يموت بأرضه أو بأرض بعيدة عنها أو قريبة منها أو يموت في البحر أو يموت في الجو ؟ لا يدري ولا يعلم ذلك إلا الله . فإذا كنت لا تدري بأي أرض تموت، وأنت يمكنك أن تذهب يمينا وشمالا فكذلك لا تعلم متى تموت لا تدري في أي وقت تموت هل ستموت في الصباح في المساء في الليل في وسط النهار في الشهر القريب في الشهر البعيد ؟ لا تدري متى تموت ولا بأي أرض تموت . فإذا كنت كذلك فأقصر الأمل، لا تمد الأمل طويلا لا تقل أنا شاب وسوف أبقى زمانا طويلا فكم من شاب مات في شبابه وكم من شيخ عمر، ولا تقل إني صحيح البدن والموت بعيد كم من إنسان مرض بمرض يهلكه بسرعة وكم من إنسان حصل عليه حادث وكم من إنسان مات بغتة لذلك لا ينبغي للإنسان أن يطيل الأمل، بل عليه أن يعمل وللدنيا عملها وللآخرة عملها، فيسعى للآخرة سعيها بإيمان بالله عز وجل واتكال عليه . فقد قال تعالى: { فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } إذا جاء أجل الإنسان لا يمكن أن يتأخر دقيقة واحدة ولا يمكن أن يتقدم بل هو بأجل معدود محدود، لا يتقدم عليه ولا يتأخر فلماذا تجعل الأمل طويلا ؟ فالإنسان لا يعلم متى يموت، ولا يعلم بأي أرض يموت، وقد حدثني أحد إخواني الثقات قال: إنهم كانوا في سفر الحج على الإبل، وكان معهم رجل معه أمه يمرضها فتأخر عن القوم في آخر الليل فارتحل الناس ومشوا وبقى مع أمه يمرضها ولما أصبح وسار خلف القوم لم يدركهم ولم يدر إلى أين اتجهوا لأنهم في مكة . يقول: فسلك طريقا بين هذه الجبال، فإذا هو واقف على بيت من الشعر فيه عدد من الناس قليلين، فسألهم أين طريق نجد ؟ قالوا: أنت بعيد عن الطريق لكن نوخ البعير واجلس استرح ثم نحن نوصلك يقول: فنزل فنوخ البعير وأنزل أمه يقول فما هي إلا أن اضطجعت على هذه الأرض فقبض الله روحها كيف جاء من القصيم إلى مكة مع الحجاج، وأراد الله أن يتيه هذا الرجل حتى ينزل بهذا المكان، لا يعلم هذا إلا الله عز وجل . وكذلك أيضا في الزمن كم بلغنا من أناس تأخروا قليلا فجاءهم حادث فماتوا به، ولو تقدموا قليلا لسلموا منه، كل هذا لأن الله تعالى قد قدر كل شيء بأجل محدود فالإنسان يجب عليه أن يحتاط لنفسه وألا يطيل الأمل، وأن يعمل للآخرة وكأنه يموت قريبا لأجل أن يستعد لها، فهذه الآيات كلها تدل على أن الإنسان يجب عليه أن يقصر الأمل وأن يستعد للآخرة

الشَّرْحُ


قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَمَن يَّفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ، وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلاَ أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ، وَلَن يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } . وقال تعالى: { حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ، فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ، تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ، أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ، قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ، رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ، قَالَ اخْسَؤوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ، إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ، فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ، إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ، قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ، قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ، قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَّوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ } ذكر المؤلف - رحمه الله - في كتابه رياض الصالحين في باب ذكر الموت وقصر الأمل قوله تعالى وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلاَ أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ . أمر الله بالإنفاق مما رزقنا أي مما أعطانا وحذرنا مما لابد منه { مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ } وحينئذ يندم الإنسان على عدم الإنفاق ويقول: { رَبِّ لَوْلاَ أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ } يتمنى أن الله يؤخره إلى أجل قريب { فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ } يعني فبسبب تأخيرك إياي أتصدق وأكن من الصالحين . قال الله عز وجل: { وَلَن يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } إذا جاء الأجل لا يمكن أن يتأخر الإنسان لحظة واحدة بل لابد أن يموت في المدة التي عينها الله عز وجل حسب ما تقتضيه حكمته . فمن الناس من يطول بقاؤه في الدنيا، ومن الناس من يقصر، كما أن من الناس من يكثر رزقه، ومنهم من يقل، ومنهم من يكثر علمه ومنهم من يقل، ومنهم من يقوى فهمه، ومنهم من يضعف، ومنهم من يكون طويلا، ومنهم من يكون قصيرا، فالله عز وجل خلق عباده متفاوتين في كل شيء . وقال الله عز وجل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَمَن يَّفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } نهى الله تعالى أن تلهينا أموالنا وأولادنا عن ذكر الله وبين أن من ألهته هذه الأشياء عن ذكر الله فهو خاسر مهما ربح .. لو ربح أموالا كثيرة، وكان عنده بنون، وكان عنده أهل، ولكنه قد تلهى بهم عن ذكر الله فإنه خاسر . فالرابح من اشتغل بذكر الله عز وجل .. . وذكر الله ليس هو قول لا إله إلا الله فقط، بل كل قول يقرب إلى الله فهو ذكر له، وكل فعل يقرب إلى الله فهو ذكر له، كما قال تعالى: { وَأَقِمِ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ } ولأن الإنسان إذا قال قولا يتقرب به إلى الله أو فعل فعلا يتقرب به إلى الله، فهو حين النية ذاكر الله عز وجل، فذكر الله يشمل كل قول أو فعل يقرب إليه . قال: { حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ } فقوله: { حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ } أي إذا جاء أحد المكذبين للرسل { قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ } ارجعون إلى الدنيا { لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ } ولم يقل لعلي أتمتع في قصورها وحبورها ونسائها وغير ذلك، بل قال: { لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ } أي فيما تركت من المال الذي بخلت به حتى أنفقه في سبيل الله . قال الله تعالى: { كلا } يعني لا رجوع ولا يمكن الرجوع لأنه إذا جاء الأجل { فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } . ثم قال: { إنها كلمة هو قائلها } هذه الكلمة يؤكد الله عز وجل أنه يقولها وهي قوله { رَبِّ ارْجِعُونِ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ } { وَمِن وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } يعني من أمام هؤلاء الذين حضرتهم الوفاة { بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } . والبرزخ هو الفاصل بين الدنيا وبين قيام الساعة سواء كان الإنسان مدفونا في الأرض أو على ظهر الأرض تأكله السباع وتتلفه الرياح، أو كان في قاع البحار، كل هذا يسمى برزخا { إلى يوم يبعثون } يعني يخرجون من القبور لله عز وجل في يوم القيامة . { فإذا نفخ في الصور } وذلك عند قيام الساعة { فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ } والنفخ في الصور مرتان . النفخة الأولى: يكون فيها الفزع والصعق يعني الموت . فينفخ إسرافيل في الصور نفخة يكون لها صوت عظيم مزعج جدا، فيفزع الناس ثم يموتون كلهم إلا ما شاء الله . والنفخة الثانية: ينفخ في الصور فتخرج الأرواح من الصور وتعود إلى أجسادها، وهذه التي يكون بها الحياة الأبدية التي لا موت بعدها . { فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ } يعني بعد أن يبعثوا من قبورهم لا تنفعهم الأنساب والقرابات { وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ } لا يسأل بعضهم عن بعض، بل إن الله تعالى يقول: { يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ } . فالأنساب في ذلك الوقت لا تنفع والقرابات لا يتساءلون عن بعضهم بينما في الدنيا يسأل بعضهم عن بعض ما الذي حصل لهذا ماذا فعل فلان أما في الآخرة فـ { لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ } قال تعالى: { فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } فينقسم الناس في ذلك اليوم إلى قسمين: قسم تثقل موازينه فهذا مفلح فائز بما يحب ناج بما يكره . والموازين: جمع ميزان وقد وردت في الكتاب والسنة مجموعة ومفردة فقال الله تعالى هنا: { فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ } وقال النبي صلى الله عليه وسلم: كلمتان حبيبتان إلى الرحمن خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم فقال في الميزان ولم يقل في الموازين فجمعت مرة وأفردت أخرى وذلك لكثرة ما يوزن فلكثرة ما يوزن جمعت ولكون الميزان واحدا ليس فيه ظلم ولا بخس أفردت . وأما الذي يوزن فقد قال بعض العلماء: إن الذي يوزن هو العمل وقال بعض العلماء: الذي يوزن صحائف العمل وقال بعض العلماء الذي يوزن العامل نفسه، وذلك لأن كلا منها جاءت به أحاديث . أما الذين يقولون إن الذي يوزن هو العمل، فاستدلوا بقوله تعالى: { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ } فجعل الوزن للعمل، ويقول النبي عليه الصلاة والسلام: كلمتان حبيبتان إلى الرحمن خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان فجعل الثقل للكلمتين وهما العمل . والذين قالوا إن الذي يوزن صحائف العمل استدلوا بحديث صاحب البطاقة، الذي يأتي يوم القيامة فيمد له سجل يعني: أوراقا كثيرة مد البصر كلها سيئات حتى إذا رأى أنه قد هلك قال الله له: إن لك عندنا حسنة فيؤتى ببطاقة فيها لا إله إلا الله قالها من قلبه فتوضع البطاقة في كفة وتلك السجلات في كفة فترجح البطاقة بها، فهذا يدل على أن الذي يوزن هو صحائف العمل . وأما الذين قالوا إن الذي يوزن هو العامل نفسه فاستدلوا بقوله تعالى: { فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا } وبأن النبي صلى الله عليه وسلم قال حين ضحك الناس على عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وكان رضي الله عنه نحيفا فقام إلى شجرة أراك في ريح شديدة فجعلت الريح تهزه هزا، فضحك الناس من ذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أتضحكون - أو قال صلى الله عليه وسلم أتعجبون - من دقة ساقيه، والذي نفسي بيده إنهما في الميزان لأثقل من جبل أحد وهذا يدل على أن الذي يوزن هو العامل نفسه . والمهم أنه يوم القيامة توزن الأعمال أو صحائف الأعمال أو العمال { فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ } . وقوله سبحانه وتعالى: { فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ } إنما قال خسروا أنفسهم لأنهم أخرجوا إلى الدنيا وجاءتهم الرسل وبينت لهم الحق، ولكنهم - والعياذ بالله - عاندوا واستكبروا فخسروا أنفسهم ولم يستفيدوا من وجودهم في الدنيا شيئا قال الله تعالى: { قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلاَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ } . ثم قال تعالى مبينا أنهم كما يعذبون بدنيا فإنهم يعذبون قلبيا، فيقرعون ويوبخون فيقال لهم: { أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ } فقد تليت عليهم آيات الله، وبينت لهم، وجاءتهم الرسل بالحق، ولكنهم كفروا - والعياذ بالله - وكذبوا بهذه الآيات . قالوا في الجواب: { رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ، رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا } يعني إن عدنا إلى التكذيب { فَإِنَّا ظَالِمُونَ } فيقرون والعياذ بالله بأن الشقاوة غلبت عليهم وأنهم ضلوا الضلال المبين الذي أوصلهم إلى هذه النار، نسأل الله أن يعيذنا وإياكم منها . قال الله تعالى: { اخْسَؤوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ } أي ابقوا فيها أذلاء صاغرين { وَلاَ تُكَلِّمُونِ } وهذا أشد ما يكون عليهم والعياذ بالله أن يوبخهم الله هذا التوبيخ فيقول: { اخْسَؤوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ } فإنهم لو كلموا الله لن يستجيب لهم، لأنه قضى عليهم الخلود في النار . ثم قال تعالى مبينا حالهم مع أوليائه: { إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ } وهؤلاء المؤمنون بالله ورسله يقولون { رَبَّنَا آمَنَّا } أي آمنا بك وبرسلك وبما جاءوا به من الحق { فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا } اغفر لنا ذنوبنا حتى لا ندخل النار، وارحمنا بالقبول حتى تدخل الجنة . { وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ } فلا أحد أرحم بعباد الله من ربهم عز وجل، قال النبي عليه الصلاة والسلام: لله بعباده أرحم من الوالدة بولدها . { فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ } يعني أنكم تسخرون بهؤلاء المؤمنين الذين يؤمنون بالله ويسألونه المغفرة والرحمة فكنتم تسخرون منهم وتستهزئون بهم { حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي } أي حتى كان سخريتكم واستهزاؤكم بهم منسية لكم ذكرى . { وَكُنْتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ } يعني في الدنيا كانوا يضحكون بالمؤمنين ويستهزئون بهم . ولكن الله قال في سورة المطففين: { فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ } وهذا الضحك الذي لا بكاء بعده أما ضحك الكفار من المسلمين في الدنيا، فإنه سيعقبه البكاء الدائم والعياذ بالله . { إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ } يعني جزى الله تعالى المؤمنين بما صبروا على طاعة الله، وصبروا عن معصيته وصبروا على أقداره { أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ } الذين فازوا بهذا اليوم فأدركوا المطلوب ونجوا من المرهوب وإنما ذكر الله هذا لهؤلاء المكذبين زيادة في حسرتهم وندامتهم كأنه يقول عز وجل: لو كنتم مثلهم لنلتم هذا الثواب فيزدادون بذلك حسرة إلى حسرتهم والعياذ بالله . كيف أصبح حال هؤلاء الذين كانوا يسخرون بهم في الدنيا ويضحكون منهم ؟ كيف كان حالهم وهم في نار جهنم ؟ { قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ، قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ } انظر جاءتهم الرسل وعمروا عمرا يتذكر فيه من تذكر، ولكنهم - والعياذ بالله - لم ينتفعوا بهذا، ورأوا أنهم كأنما لبثوا ساعة أو بعض ساعة { قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ } اسأل العادين منا، فإننا لا نرى أننا لبثنا إلا يوما أو بعض يوم . قال الله تعالى: { قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً } يعني ما لبثتم إلا قليلا في الدنيا وآل بكم الأمر إلى الآخرة التي تبقون فيها أبد الآبدين معذبين { قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَّوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } يعني لو أنكم كنتم من ذوي العلم لعلمتم مقدار تكذيبكم للرسل ومقدار أعمالكم التي خسرتموها . { أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا } يعني أتظنون أننا { خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ } هم ظنوا كذلك ظنوا هذا الظن ولكن الله وبخهم على هذا الظن، هل من حكمة الله أن ينشئ هذه الخليقة، ويرسل إليها الرسل، وينزل عليها الكتب ثم تكون النهاية الموت والفناء بدون بعث أو رجوع ؟ هذا لا يمكن لكن هذا ظن الذين كفروا { فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ } ثم قال تعالى: { فَتَعَالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ } تعالى يعني ترفع عز وجل عن كل نقص وعن كل سوء وعلا بذاته فوق عرشه سبحانه وتعالى { فَتَعَالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ } الملك يعني ذو الملك والسلطان والعظمة الحق الذي كان ملكه وملكوته حقا وليس بباطل . { لا إله إلا هو } أي لا معبود حق إلا الله عز وجل { رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ، وَمَن يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ } إلى آخر السورة . فهذه الآيات تبين أن الإنسان يجب عليه أن ينتهز فرصة العمر وألا يخسر عمره كما خسره هؤلاء لأنه سوف يبعث ويجازى ويحاسب على عمله . وقال تعالى: { أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ } .


الشَّرْحُ


574 - وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل . وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك رواه البخاري ذكر المؤلف - رحمه الله - في باب ذكر الموت وقصر الأمل قوله تعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ يعني ألم يأت الوقت الذي تخشع فيه قلوب المؤمنين لذكر الله عز وجل ؟ والخشوع معناه الخضوع والذل { لذكر الله } يعني عند ذكره، فإن المؤمنين { الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } وقوله: { لذكر الله } أي لتذكر الله وعظمته { وما نزل من الحق } أي ويخشعون لما نزل من الحق، وهو ما كان في كتاب الله سبحانه وتعالى فإن هذا الكتاب جاء بالحق والنبي صلى الله عليه وسلم الذي نزل عليه الكتاب جاء بالحق، فيحق للمؤمن أن يخشع قلبه لذكر الله وما نزل من الحق . قال: { وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ } يعني ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل وهم اليهود والنصارى فاليهود أوتوا التوراة والنصارى أوتوا الإنجيل ومع ذلك فإن اليهود كفروا بالإنجيل والنصارى كفروا بالقرآن فصار الكل كفاراً، ولذلك كان اليهود قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم مغضوبا عليهم لأنهم علموا الحق وهو ما جاء به عيسى ولكنهم استكبروا عنه وأعرضوا عنه أما بعد بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام فكان اليهود والنصارى كلهم مغضوبا عليهم وذلك لأن النصارى علموا الحق فهم يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم ومع ذلك استكبروا عنه، فكانوا كلهم مغضوبا عليهم لأن القاعدة في المغضوب عليهم أنهم الذين علموا الحق ولم يعملوا به كاليهود والنصارى بعد بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام . هؤلاء الذين أوتوا الكتاب طال عليهم الأمد أي الوقت: { فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ } لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث بعد عيسى بستمائة سنة، وهي فترة طويلة انحرف فيها من انحرف من أهل الكتاب، ولهذا قال: { وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ } ولم يقل أكثرهم فاسقون ولم يقل كلهم فاسقون فكثير منهم فاسقون خارجون عن الحق . فحذر الله عز وجل ونهى أن نكون كهؤلاء الذين أوتوا الكتاب { فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ } وإذا نظرت إلى الأمة الإسلامية، وجدت أنها ارتكبت ما ارتكبه الذين أوتوا الكتاب من قبل، فإن الأمة الإسلامية في هذه العصور التي طال فيها الأمد من بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم قست قلوب كثير منهم وفسق كثير منهم، واستولى على المسلمين من ليس أهلا للولاية لفسقه بل ومروقه عن الإسلام فإن الذين لا يحكمون بكتاب الله ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويرون أن الحكم بالقوانين أفضل من حكم الله ورسوله كفار بلا شك ومرتدون عن الإسلام . ولكن الله سبحانه وتعالى يبلو الناس بعضهم ببعض، وإذا صبر المؤمن واحتسب وانتظر الفرج من الله عز وجل، وعمل الأسباب التي توصل إلى المقصود يسر الله له الأمر . فالمهم أن الله نهانا أن نكون كالذين أوتوا الكتاب من قبل فقست قلوبهم، ولكن صار الكثير منا في الوقت الحاضر متشبها بهؤلاء الناس قست قلوبهم، وكثير من هؤلاء أيضا فسقوا عن أمر الله، وخرجوا عن طاعة الله . ثم قال المؤلف والآيات في هذا المعنى كثيرة معلومة . وأما الأحاديث فمنها حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بمنكبي . يعني أمسك به، والمنكب هو أعلى الكتف، أخذ به من أجل أن ينتبه ابن عمر لما سيلقي إليه الرسول عليه الصلاة والسلام من القول . وهذا من حسن تعليم الرسول عليه الصلاة والسلام فإنه عليه الصلاة والسلام كان إذا تكلم اتخذ الأسباب التي توجب انتباه المخاطب، إما بالفعل كما هنا، وإما بالقول كما في قوله: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ قالوا: بلى يا رسول الله . ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عمر: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل سبحان الله أعطى الله نبيه جوامع الكلم، هاتان الكلمتان يمكن أن تكونا نبراسا يسير الإنسان عليه في حياته كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل والفرق بينهما أن عابر السبيل ماش يمر بالقرية وهو ماش منها . وأما الغريب فهو مقيم فيها حتى يرتحل عنها، يقيم فيها يومين أو ثلاثة أو عشرة أو شهرا، وكل منهما لم يتخذ القرية التي هو فيها وطنا وسكنا وقرارا . فيقول الرسول عليه الصلاة والسلام كن في الدنيا كهذا الرجل، إما غريب أو عابر سبيل . فالغريب وعابر السبيل لا يستوطن يريد أن يذهب إلى أهله وإلى بلده، لو أن الإنسان عامل نفسه في هذه الدنيا بهذه المعاملة لكان دائما مشمرا للآخرة، لا يريد إلا الآخرة ولا يكون أمام عينيه إلا الآخرة حتى يسير إليها سيرا يصل به إلى مطلوبه . وكان ابن عمر يقول: إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح المعنى لا تؤمل أنك إذا أصبحت أمسيت وإذا أمسيت أصبحت فكم من إنسان لبس ثوبه ولم يخلعه إلا الغاسل ! وكم من إنسان خرج من أهله قد هيأوا له غداءه أو عشاءه ولم يأكله وكم من إنسان نام ولم يقم من فراشه ! المهم أن الإنسان لا ينبغي له أن يطيل الأمل بل يكون حذرا حاذقا حازما كيسا، هذا معنى قوله: إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح . وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك الإنسان الصحيح منشرح الصدر، منبسط النفس، واسع الفكر، عنده سعة في الوقت والصحة، لكن ما أكثر الذين يضيعون هذا، لأنه يؤمل أن هذه الصحة سوف تبقى وتدوم، وأنه سوف تطول به الدنيا، فتجده قد ضيع هذه الصحة . فابن عمر رضي الله عنهما يقول: خذ من صحتك لمرضك المرض تضيق به النفس، ويتعب به الجسم، وتضيق عليه الدنيا ولا يستطيع أن يعمل العمل الذي يعمله في حال الصحة، فليأخذ من صحته لمرضه، ومن حياته لموته، قس ما بين حياتك وموتك أيهما أطول ؟ لا شك أن الحياة لا تنسب للموت، كم للرسول عليه الصلاة والسلام ميتا . كم لمن قبله ؟ وحياتهم قليلة بالنسبة لموتهم، فكيف إلى الآخرة . ولهذا ينبغي للإنسان أن يأخذ من حياته0 ما دام الله قد أحياه - لموته إذا عجز عن العمل، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له فخذ من حياتك لموتك .


الشَّرْحُ

_________________
الحمدلله
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://abubaker.jordanforum.net
 
571 - 574 -
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الأصدقاء :: هدايات وإرشادات وتوجيهات إسلامية :: شرح أحاديث رياض الصالحين - فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله - وأخرى-
انتقل الى: