منتدى الأصدقاء
{وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }يونس25
And God calls to the House of Peace and guides whom He wills to a Straight Path} Younis 25
نحن سعداء للمشاركة في (منتدى الأصدقاء)
We are pleased to join in ( Forum Friends )
يشرفنا تسجيلك
We are honored register you
إدارة المنتدى
Management of Forum



منتدى الأصدقاء
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالمجموعاتالتسجيلدخول

( أهلا وسهلا بكم في منتدى الأصدقاء Welcome to the forum Friends >> الرجاء تسجيل الدخول للتعرف على فضائل الأعمال التي يحبها الله Please log in to learn about the virtues of Business loved by God

المواضيع الأخيرة
» (من شهد له خزيمة فهو حسبه). وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} [هود: 1].
الإثنين نوفمبر 28, 2016 7:52 pm من طرف abubaker

» (مَنْ شهد له خزيمة فحَسْبه). قال: يا رسول الله أَأُصدِّقُك في خبر السماء، وأُكذِّبك في عِدّة دراهم؟ --- وقوله تعالى: {أَن يَرْحَمَكُمْ..} [الإسراء: 8].
الإثنين نوفمبر 28, 2016 7:38 pm من طرف abubaker

» إزالة الظل الأزرق الذي يظهر تحت أيقونات سطح المكتب
السبت نوفمبر 26, 2016 7:22 pm من طرف abubaker

» لأن الاسم إذا أُطلِق عَلَماً على الغير انحلَّ عن معناه الأصلي ولزم العَلَمية فقط، لكن أسماء الله بقيتْ على معناها الأصلي حتى بعد أنْ أصبحتْ عَلَماً على الله تعالى، فهي إذن أسماء حُسْنى.
الإثنين نوفمبر 21, 2016 2:51 pm من طرف abubaker

»  إننا نجد أن بعضا من أسماء الله سبحانه وتعالى له مقابل، ومن أسماء الله الحسنى ما لا تجد له مقابلا. فإذا قيل “المحيي” تجد “المميت” لكن الصفة إن لم يوجد لها مقابل نسميها صفة ذات، فهو “حي” ولا نأتي بالمقابل
الإثنين نوفمبر 21, 2016 2:34 pm من طرف abubaker

» تابع / إننا نجد أن بعضا من أسماء الله سبحانه وتعالى له مقابل، ومن أسماء الله الحسنى ما لا تجد له مقابلا. فإذا قيل “المحيي” تجد “المميت” لكن الصفة إن لم يوجد لها مقابل نسميها صفة ذات، فهو “حي” ولا نأتي بالمقابل
الإثنين نوفمبر 21, 2016 2:27 pm من طرف abubaker

»  فالاسم هو العَلَم الذي وُضِع للدلالة على هذا اللفظ. / الذكْر: له معانٍ متعددة، فالذكْر هو الإخبار بشيء / والرحمة: هي تجليّات الراحم على المرحوم بما يُديم له صلاحه لمهمته - من سورة مريم
الأحد نوفمبر 20, 2016 5:38 pm من طرف abubaker

»  فالاسم هو العَلَم الذي وُضِع للدلالة على هذا اللفظ. / {كهيعص(1)}
الأحد نوفمبر 20, 2016 5:01 pm من طرف abubaker

» إدارة Google Voice والسجل الصوتي
الإثنين نوفمبر 14, 2016 2:10 pm من طرف abubaker

ازرار التصفُّح
 البوابة
 الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث
التبادل الاعلاني

شاطر | 
 

 تفسير سورة المائدة - من آية 67 - إلى نهاية الآية 86

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
abubaker



ذكر
عدد المساهمات : 18466
تاريخ التسجيل : 23/12/2010
العمر : 66
الدولـة : jordan

مُساهمةموضوع: تفسير سورة المائدة - من آية 67 - إلى نهاية الآية 86   الجمعة مارس 15, 2013 10:54 pm

يَـَأَيّهَا الرّسُولُ بَلّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رّبّكَ وَإِن لّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ إِنّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ



يقول تعالى مخاطباً عبده ورسوله محمداً صلى الله عليه وسلم باسم الرسالة، وآمراً له بإبلاغ جميع ما أرسله الله به، وقد امتثل عليه أفضل الصلاة والسلام ذلك، وقام به أتم القيام، قال البخاري عند تفسير هذه الاَية: حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان عن إسماعيل، عن الشعبي عن مسروق، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: من حدثك أن محمداً كتم شيئاً مما أنزل الله عليه فقد كذب، الله يقول {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} الاَية، هكذا رواه هاهنا مختصراً وقد أخرجه في مواضع من صحيحه مطولاً، وكذا رواه مسلم في كتابي الإيمان، والترمذي والنسائي في كتاب التفسير من سننهما من طرق عن عامر الشعبي، عن مسروق بن الأجدع، عنها رضي الله عنها، وفي الصحيحين عنها أيضاً أنها قالت: لو كان محمداً صلى الله عليه وسلم كاتماً شيئاً من القرآن لكتم هذه الاَية {وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه}

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور الرمادي: حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عباد عن هارون بن عنترة، عن أبيه قال: كنا عند ابن عباس، فجاء رجل فقال له: إن ناساً يأتونا فيخبروننا أن عندكم شيئاً لم يبده رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس فقال ابن عباس: ألم تعلم أن الله تعالى قال: {يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربك} والله ما ورثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم سوداء في بيضاء، وهذا إسناد جيد، وهكذا في صحيح البخاري من رواية أبي جحيفة وهب بن عبد الله السوائي قال: قلت لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: هل عندكم شيء من الوحي مما ليس في القرآن ؟ فقال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فهماً يعطيه الله رجلاً في القرآن وما في هذه الصحيفة، قلت: وما في هذه الصحيفة ؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر

وقال البخاري: قال الزهري: من الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ وعلينا التسليم، وقد شهدت له أمته بإبلاغ الرسالة وأداء الأمانة، واستنطقهم بذلك في أعظم المحافل في خطبته يوم حجة الوداع، وقد كان هناك من أصحابه نحو من أربعين ألفاً، كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته يومئذ «أيها الناس إنكم مسؤولون عني، فما أنتم قائلون ؟» قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فجعل يرفع أصبعه إلى السماء وينكسها إليهم ويقول «اللهم هل بلغت» ؟. قال الإمام أحمد: حدثنا ابن نمير، حدثنا فضيل يعني ابن غزوان، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع. «يا أيها الناس» أي يوم هذا ؟ قالوا: يوم حرام، قال أي بلد هذا ؟ قالوا: بلد حرام، قال أي شهر هذا ؟ قالوا: شهر حرام، قال: «فإن أموالكم ودماءكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا» ثم أعادها مراراً، ثم رفع أصبعه إلى السماء فقال «اللهم هل بلغت ؟» مراراً. قال: يقول ابن عباس: والله لوصية إلى ربه عز وجل، ثم قال «ألا فليبلغ الشاهد الغائب: لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض» وقد روى البخاري عن علي بن المديني، عن يحيى بن سعيد، عن فضيل بن غزوان به نحوه

وقوله تعالى: {وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} يعني وإن لم تؤد إلى الناس ما أرسلتك به، فما بلغت رسالته، أي وقد علم ما يترتب على ذلك لو وقع وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} يعني إن كتمت آية مما أنزل إليك من ربك لم تبلغ رسالته، قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا قبيصة بن عقبة، حدثنا سفيان عن رجل، عن مجاهد قال: لما نزلت {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} قال: يا رب، كيف أصنع وأنا وحدي يجتمعون عليّ ؟ فنزلت {وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} ورواه ابن جرير من طريق سفيان وهو الثوري به

وقوله تعالى: {والله يعصمك من الناس} أي بلغ أنت رسالتي وأنا حافظك وناصرك ومؤيدك على أعدائك ومظفرك بهم، فلا تخف ولا تحزن فلن يصل أحد منهم إليك بسوء يؤذيك، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قبل نزول هذه الاَية يحرس، كما قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا يحيى قال: سمعت عبد الله بن عامر بن ربيعة يحدث أن عائشة رضي الله عنها كانت تحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سهر ذات ليلة وهي إلى جنبه قالت: فقلت ما شأنك يا رسول الله ؟ قال «ليت رجلاً صالحاً من أصحابي يحرسني الليلة» قالت: فبينا أنا على ذلك، إذ سمعت صوت السلاح، فقال «من هذا ؟» فقال: أنا سعد بن مالك. فقال: «ما جاء بك ؟» قال: جئت لأحرسك يا رسول الله. قالتSmileفسمعت غطيط رسول الله صلى الله عليه وسلم في نومه، أخرجاه في الصحيحين من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري به، وفي لفظ: سهر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة مقدمه المدينة يعني على أثر هجرته بعد دخوله بعائشة رضي الله عنها، وكان ذلك في سنة ثنتين منها

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا إبراهيم بن مرزوق البصري، نزيل مصر، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا الحارث بن عبيد يعني أبا قدامة عن الجريري، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرس حتى نزلت هذه الاَية {والله يعصمك من الناس} قالت: فأخرج النبي صلى الله عليه وسلم رأسه من القبة وقال «يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله عز وجل» وهكذا رواه الترمذي عن عبد بن حميد، وعن نصر بن علي الجهضمي، كلاهما عن مسلم بن إبراهيم به، ثم قال: وهذا حديث غريب، وهكذا رواه ابن جرير والحاكم في مستدركه من طريق مسلم بن إبراهيم به، قال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وكذا رواه سعيد بن منصور عن الحارث بن عبيد أبي قدامة عن الجريري، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة به، ثم قال الترمذي: وقد روى بعضهم هذا عن الجريري عن ابن شقيق، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرس حتى نزلت هذه الاَية، ولم يذكر عائشة. قلت: هكذا رواه ابن جرير من طريق إسماعيل بن علية، وابن مردويه من طريق وهيب، كلاهما عن الجريري عن عبد الله بن شقيق مرسلاً، وقد روى هذا مرسلا عن سعيد بن جبير ومحمد بن كعب القرظي، رواهما ابن جرير، والربيع بن أنس، رواه ابن مردويه، ثم قال: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا أحمد بن رشدين المصري، حدثنا خالد بن عبد السلام الصدفي، حدثنا الفضل بن المختار عن عبد الله بن موهب، عن عصمة بن مالك الخظمي قال: كنا نحرس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل. حتى نزلت {والله يعصمك من الناس} فترك الحرس، حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا حمد بن محمد بن حمد أبو نصر الكاتب البغدادي، حدثنا كردوس بن محمد الواسطي، حدثنا يعلى بن عبد الرحمن عن فضيل بن مرزوق عن عطية، عن أبي سعيد الخدري، قال: كان العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن يحرسه، فلما نزلت هذه الاَية {والله يعصمك من الناس} ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الحرس. حدثنا علي بن أبي حامد المديني، حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد، حدثنا محمد بن مفضل بن إبراهيم الأشعري، حدثنا أبي، حدثنا محمد بن معاوية بن عمار، حدثنا أبي قال: سمعت أبا الزبير المكي يحدث عن جابر بن عبد الله، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج بعث معه أبو طالب من يكلؤه حتى نزلت {والله يعصمك من الناس} فذهب ليبعث معه، فقال «يا عم إن الله قد عصمني لا حاجة لي إلى من تبعث» وهذا حديث غريب وفيه نكارة، فإن هذه الاَية مدنية، وهذا الحديث يقتضي أنها مكية، ثم قال: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا أبو كريب، حدثنا عبد الحميد الحماني عن النضر، عن عكرمة عن ابن عباس، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرس فكان أبو طالب يرسل إليه كل يوم رجالاً من بني هاشم يحرسونه حتى نزلت عليه هذه الاَية {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس} قال: فأراد عمه أن يرسل معه من يحرسه، فقال: «إن الله قد عصمني من الجن والإنس»، ورواه الطبراني عن يعقوب بن غيلان العماني، عن أبي كريب به،

وهذا أيضاً حديث غريب، والصحيح أن هذه الاَية مدنية بل هي من أواخر ما نزل بها، والله أعلم، ومن عصمة الله لرسوله، حفظه له من أهل مكة وصناديدها وحسادها ومعانديها ومترفيها، مع شدة العداوة والبغضة، ونصب المحاربة له ليلاً ونهاراً، بما يخلقه الله من الأسباب العظيمة بقدرته وحكمته العظيمة، فصانه في ابتداء الرسالة بعمه أبي طالب إذ كان رئيساً مطاعاً كبيراً في قريش، وخلق الله في قلبه محبة طبيعية لرسول الله صلى الله عليه وسلم لا شرعية، ولو كان أسلم لاجترأ عليه كفارها وكبارها، ولكن لما كان بينه وبينهم قدر مشترك في الكفر هابوه واحترموه، فلما مات عمه أبو طالب، نال منه المشركون أذي يسيراً، ثم قيض الله له الأنصار فبايعوه على الإسلام وعلى أن يتحول إلى دارهم وهي المدينة، فلما صار إليها، منعوه من الأحمر والأسود، وكلما هم أحد من المشركين وأهل الكتاب بسوء كاده الله، ورد كيده عليه، كما كاده اليهود بالسحر فحماه الله منهم، وأنزل عليه سورتي المعوذتين دواء لذلك الداء، ولما سمه اليهود في ذراع تلك الشاة بخيبر، أعلمه الله به وحماه منه، ولهذا أشباه كثيرة جداً يطول ذكرها، فمن ذلك ماذكره المفسرون عند هذه الاَية الكريمة

فقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا أبو معشر عن محمد بن كعب القرظي، وغيره، قالوا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل منزلاً اختار له أصحابه شجرة ظليلة فيقيل تحتها، فأتاه أعرابي فاخترط سيفه، ثم قال: من يمنعك مني ؟ فقال « الله عز وجل» فرعدت يد الأعرابي وسقط السيف منه، وضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دماغه، فأنزل الله عز وجل: {والله يعصمك من الناس}. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا موسى بن عبيدة، حدثني زيد بن أسلم عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بني أنمار، نزل ذات الرقاع بأعلى نخل، فبينا هو جالس على رأس بئر قد دلى رجليه، فقال غورث بن الحارث من بني النجار: لأقتلن محمداً، فقال له أصحابه: كيف تقتله ؟ قال: أقول له: أعطني سيفك، فإذا أعطانيه، قتلته به، قال: فأتاه. فقال: يا محمد، أعطني سيفك أشيمه، فأعطاه إياه، فرعدت يده حتى سقط السيف من يده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حال الله بينك وبين ما تريد»، فأنزل الله عز وجل: {يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس} وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وقصة غورث بن الحارث مشهورة في الصحيح

وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا أبو عمرو بن أحمد بن محمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن عبد الوهاب، حدثنا آدم، حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: كنا إذا صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر تركنا له أعظم شجرة وأظلها، فينزل تحتها، فنزل ذات يوم تحت شجرة وعلق سيفه فيها، فجاء رجل فأخذه، فقال: يا محمد من يمنعك مني ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « الله يمنعني منك ضع السيف» فوضعه، فأنزل الله عز وجل: {والله يعصمك من الناس} وكذا رواه أبو حاتم بن حبان في صحيحه عن عبد الله بن محمد، عن إسحاق بن إبراهيم، عن المؤمل بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة به

وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت أبا إسرائيل، يعني الجشمي، سمعت جعدة هو ابن خالد بن الصمة الجشمي رضي الله عنه، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ورأى رجلاً سميناً، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يومىء إلى بطنه بيده ويقول «لو كان هذا في غير هذا، لكان خيراً لك» قال: وأتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل، فقيل: هذا أراد أن يقتلك، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : «لم ترع ولو أردت ذلك لم يسلطك الله علي». وقوله {إن الله لا يهدي القوم الكافرين} أي بلغ أنت والله هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء، كما قال تعالى: {ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء} وقال {فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب}





قُلْ يَـَأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىَ شَيْءٍ حَتّىَ تُقِيمُواْ التّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مّن رّبّكُمْ وَلَيَزِيدَنّ كَثِيراً مّنْهُمْ مّآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رّبّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * إِنّ الّذِينَ آمَنُواْ وَالّذِينَ هَادُواْ وَالصّابِئُونَ وَالنّصَارَىَ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وعَمِلَ صَالِحاً فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ



يقول تعالى: قل يا محمد «يا أهل الكتاب لستم على شيء} أي من الدين حتى تقيموا التوراة والإنجيل، أي حتى تؤمنوا بجميع ما بأيديكم من الكتب المنزلة من الله على الأنبياء، وتعملوا بما فيها، ومما فيها الأمر باتباع محمد صلى الله عليه وسلم والإيمان بمبعثه، والاقتداء بشريعته، ولهذا قال ليث بن أبي سليم عن مجاهد: في قوله {وما أنزل إليكم من ربكم}: يعني القرآن العظيم، وقوله {وليزيدن كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغياناً وكفراً} تقدم تفسيره، {فلا تأس على القوم الكافرين} أي فلا تحزن عليهم، ولا يهيدنّك ذلك منهم، ثم قال {إن الذين آمنوا} وهم المسلمون، {والذين هادوا} وهم حملة التوراة، {والصابئون} لما طال الفصل حسن العطف بالرفع، والصابئون طائفة من النصارى و المجوس ليس لهم دين، قاله مجاهد، وعنه: من اليهود والمجوس، وقال سعيد بن جبير: من اليهود والنصارى، وعن الحسن والحكم: إنهم كالمجوس، وقال قتادة: هم قوم يعبدون الملائكة، ويصلون إلى غير القبلة، ويقرءون الزبور

وقال وهب بن منبه: هم قوم يعرفون الله وحده، وليست لهم شريعة يعملون بها، ولم يحدثوا كفراً، وقال ابن وهب: أخبرني ابن أبي الزناد عن أبيه، قال: الصابئون هم قوم مما يلي العراق، وهم بكوثى، وهم يؤمنون بالنبيين كلهم، ويصومون كل سنة ثلاثين يوماً، ويصلون إلى اليمن كل يوم خمس صلوات، وقيل غير ذلك، وأما النصارى فمعروفون وهم حملة الإنجيل، والمقصود أن كل فرقة آمنت بالله واليوم الاَخر وهو الميعاد والجزاء يوم الدين، وعملت عملاً صالحاً، ولا يكون ذلك كذلك حتى يكون موافقاً للشريعة المحمدية بعد إرسال صاحبها المبعوث إلى جميع الثقلين فمن اتصف بذلك فلا خوف عليهم فيما يستقبلونه، ولا على ما تركوا وراء ظهورهم، ولا هم يحزنون، وقد تقدم الكلام على نظيرتها في سورة البقرة بما أغنى عن إعادته ههنا





لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيَ إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَىَ أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ * وَحَسِبُوَاْ أَلاّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُواْ وَصَمّواْ ثُمّ تَابَ اللّهُ عَلَيْهِمْ ثُمّ عَمُواْ وَصَمّواْ كَثِيرٌ مّنْهُمْ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ



يذكر تعالى أنه أخذ العهود والمواثيق على بني إسرائيل على السمع والطاعة لله ولرسوله، فنقضوا تلك العهود والمواثيق واتبعوا آراءهم وأهواءهم، وقدموها على الشرائع، فما وافقهم منها قبلوه وما خالفهم ردوه، ولهذا قال تعالى: {كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقاً كذبوا وفريقاً يقتلون وحسبوا أن لا تكون فتنة} أي وحسبوا أن لايترتب لهم شر على ما صنعوا، فترتب، وهو أنهم عموا عن الحق وصموا فلا يسمعون حقاً ولا يهتدون إليه، ثم تاب الله عليهم، أي مما كانوا فيه، ثم {عموا وصموا} أي بعد ذلك، {كثير منهم والله بصير بما يعملون} أي مطلع عليهم وعليم بمن يستحق ا لهداية ممن يستحق الغواية منهم





لَقَدْ كَفَرَ الّذِينَ قَالُوَاْ إِنّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِيَ إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبّي وَرَبّكُمْ إِنّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنّةَ وَمَأْوَاهُ النّارُ وَمَا لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ * لّقَدْ كَفَرَ الّذِينَ قَالُوَاْ إِنّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَـَهٍ إِلاّ إِلَـَهٌ وَاحِدٌ وَإِن لّمْ يَنتَهُواْ عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسّنّ الّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَىَ اللّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللّهُ غَفُورٌ رّحِيمٌ * مّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرّسُلُ وَأُمّهُ صِدّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيّنُ لَهُمُ الاَيَاتِ ثُمّ انْظُرْ أَنّىَ يُؤْفَكُونَ



يقول تعالى حاكماً بتكفير فرق النصارى من الملكية واليعقوبية والنسطورية، ممن قال منهم: بأن المسيح هو الله، تعالى الله عن قولهم وتنزه وتقدس علواً كبيراً، هذا وقد تقدم لهم أن المسيح عبد الله ورسوله، وكان أول كلمة نطق وهو صغير في المهد أن قال: إني عبد الله، ولم يقل أنا الله ولا ابن الله، بل قال {إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً} إلى أن قال {وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم} وكذلك قال لهم في حال كهولته ونبوته آمراً لهم بعبادة ربه وربهم، وحده لا شريك له، ولهذا قال تعالى: {وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله} أي فيعبد معه غيره {فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار} أي فقد أوجب له النار وحرم عليه الجنة كما قال تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}. وقال تعالى: {ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين}، وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث منادياً ينادي في الناس: إن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة، وفي لفظ: مؤمنة، وتقدم في أول سورة النساء عند قوله: إن الله لا يغفر أن يشرك به، حديث يزيد بن بابنوس عن عائشة: الدواوين ثلاثة، فذكر منه ديواناً لا يغفره الله، وهو الشرك بالله، قال الله تعالى: {ومن يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة}، والحديث في مسند أحمد، ولهذا قال تعالى إخباراً عن المسيح أنه قال لبني إسرائيل {إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار} أي وما له عند الله ناصر ولا معين ولا منقذ مما هو فيه

وقوله {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة} قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسن الهسنجاني، حدثنا سعيد بن الحكم بن أبي مريم، حدثنا الفضل، حدثني أبو صخر في قول الله تعالى {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة} قال: هو قول اليهود عزير ابن الله، وقول النصارى: المسيح ابن الله، فجعلوا الله ثالث ثلاثة، وهذا قول غريب في تفسير الاَية أن المراد بذلك طائفتا اليهود والنصارى، والصحيح أنها نزلت في النصارى خاصة، قاله مجاهد وغير واحد، ثم اختلفوا في ذلك فقيل: المراد بذلك كفارهم في قولهم بالأقانيم الثلاثة: وهو أقنوم الأب، وأقنوم الابن، وأقنوم الكلمة المنبثقة من الأب إلى الابن، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً، قال ابن جرير وغيره: و الطوائف الثلاثة من الملكية واليعقوبية والنسطورية تقول بهذه الأقانيم، وهم مختلفون فيها اختلافاً متبايناً ليس هذا موضع بسطه، وكل فرقة منهم تكفر الأخرى، والحق أن الثلاثة كافرة

وقال السدي وغيره: نزلت في جعلهم المسيح وأمه إلهين مع الله، فجعلوا الله ثالث ثلاثة بهذا الاعتبار، قال السدي: وهي كقوله تعالى في آخر السورة {وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك} الاَية، وهذا القول هو الأظهر ـ والله أعلم ـ قال الله تعالى: {وما من إله إلا إله واحد} أي ليس متعدداً بل هو وحده لا شريك له، إله جميع الكائنات وسائر الموجودات، ثم قال تعالى متوعداً لهم ومتهدداً {وإن لم ينتهوا عما يقولون} أي من هذا الافتراء والكذب {ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم} أي في الاَخرة من الأغلال والنكال، ثم قال {أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم} وهذا من كرمه تعالى وجوده ولطفه ورحمته بخلقه مع هذا الذنب العظيم، وهذا الافتراء والكذب والإفك، يدعوهم إلى التوبة والمغفرة، فكل من تاب إليه تاب عليه

وقوله تعالى: {ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل} أي له سوية أمثاله من سائر المرسلين المتقدمين عليه، وأنه عبد من عباد الله ورسول من رسله الكرام، كما قال {إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل}. وقوله {وأمه صدّيقة} أي مؤمنة به مصدقة له، وهذا أعلى مقاماتها، فدل على أنها ليست بنبية كما زعمه ابن حزم وغيره ممن ذهب إلى نبوة سارة أم إسحاق، ونبوة أم موسى، ونبوة أم عيسى، استدلالاً منهم بخطاب الملائكة لسارة ومريم، وبقوله {وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه} وهذا معنى النبوة، والذي عليه الجمهور أن الله لم يبعث نبياً إلا من الرجال، قال الله تعالى: {وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى} وقد حكى الشيخ أبو الحسن الأشعري رحمه الله الإجماع على ذلك

وقوله تعالى: {كانا يأكلان الطعام} أي يحتاجان إلى التغذية به، وإلى خروجه منهما، فهما عبدان كسائر الناس، وليسا بإلهين كما زعمت فرق النصارى الجهلة، عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة، ثم قال تعالى: {انظر كيف نبين لهم الاَيات} أي نوضحها ونظهرها {ثم انظر أنى يؤفكون} أي ثم انظر بعد هذا البيان والوضوح والجلاء أين يذهبون، وبأي قول يتمسكون، وإلى أي مذهب من الضلال يذهبون





قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً وَاللّهُ هُوَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ * قُلْ يَـَأَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقّ وَلاَ تَتّبِعُوَاْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلّواْ كَثِيراً وَضَلّواْ عَن سَوَآءِ السّبِيلِ



يقول تعالى منكراً على من عبد غيره من الأصنام والأنداد والأوثان، ومبيناً له أنها لا تستحق شيئاً من الإلهية، فقال تعالى: {قل} أي يا محمد لهؤلاء العابدين غير الله من سائر فرق بني آدم ودخل في ذلك النصارى وغيرهم {أتعبدون من دون الله ما لايملك لكم ضرا ولا نفعاً} أي لا يقدر على دفع ضر عنكم ولا إيصال نفع إليكم، {والله هو السميع العليم} أي السميع لأقوال عباده، العليم بكل شيء، فلم عدلتم عنه إلى عبادة جماد لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم شيئا ولا يملك ضراً ولا نفعاً لغيره ولا لنفسه ؟ ثم قال {قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق} أي لا تجاوزوا الحد في اتباع الحق ولا تطروا من أمرتم بتعظيمه فتبالغوا فيه حتى تخرجوه عن حيز النبوة إلى مقام الإلهية، كما صنعتم في المسيح وهو نبي من الأنبياء فجعلتموه إلهاً من دون الله، وما ذاك إلا لاقتدائكم بشيوخكم، شيوخ الضلال الذين هم سلفكم ممن ضل قديماً، {وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل} أي وخرجوا عن طريق الاستقامة والاعتدال إلى طريق الغواية والضلال

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه، عن الربيع بن أنس، قال: وقد كان قائم قام عليهم فأخذ بالكتاب والسنة زماناً، فأتاه الشيطان فقال: إنما تركت أثراً أو أمراً قد عمل قبلك، فلا تحمد عليه، ولكن ابتدع أمراً من قبل نفسك، وادع إليه وأجبر الناس عليه، ففعل ثم ادّكرَ بعد فعله زماناً، فأراد أن يتوب منه، فخلع سلطانه وملكه، وأراد أن يتعبد، فلبث في عبادته أياماً، فأتي فقيل له: لو أنك تبت من خطيئة عملتها فيما بينك وبين ربك عسى أن يتاب عليك، ولكن ضل فلان وفلان وفلان في سبيلك حتى فارقوا الدنيا وهم على الضلالة، فكيف لك بهداهم فلا توبة لك أبداً، ففيه سمعنا وفي أشباهه هذه الاَية {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل}





لُعِنَ الّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِيَ إِسْرَائِيلَ عَلَىَ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وّكَانُواْ يَعْتَدُونَ * كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ * تَرَىَ كَثِيراً مّنْهُمْ يَتَوَلّوْنَ الّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ * وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنّبِيّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتّخَذُوهُمْ أَوْلِيَآءَ وَلَـَكِنّ كَثِيراً مّنْهُمْ فَاسِقُونَ



يخبر تعالى أنه لعن الكافرين من بني إسرائيل من دهر طويل فيما أنزله على داود نبيه عليه السلام، وعلى لسان عيسى ابن مريم، بسبب عصيانهم لله واعتدائهم على خلقه قال العوفي، عن ابن عباس: لعنوا في التوراة والإنجيل وفي الزبور وفي الفرقان، ثم بين حالهم فيما كانوا يعتمدونه في زمانهم، فقال تعالى {كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون} أي كان لا ينهى أحد منهم أحداً عن ارتكاب المآثم والمحارم، ثم ذمهم على ذلك ليحذر أن يرتكب مثل الذي ارتكبوه، فقال: {لبئس ما كانوا يفعلون}، وقال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا يزيد. حدثنا شريك بن عبد الله عن علي بن بذيمة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي، نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا: فجالسوهم في مجالسهم » قال يزيد: وأحسبه قال: «وأسواقهم، وواكلوهم وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم، {ذلك بما عصوا وكان يعتدون} وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئاً، فجلس فقال «لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطراً»

وقال أبو داود: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، حدثنا يونس بن راشد عن علي بن بذيمة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع، فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ـ ثم قال ـ: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم} إلى قوله {فاسقون} ـ ثم قال ـ: كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطراً، أو تقصرنه على الحق قصراً»، وكذا رواه الترمذي وابن ماجه من طريق علي بن بذيمة به، وقال الترمذي: حسن غريب، ثم رواه هو وابن ماجه عن بندار، عن ابن مهدي، عن سفيان، عن علي بن بذيمة، عن أبي عبيدة مرسلاً

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، وهارون بن إسحاق الهمداني، قالا: حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن العلاء بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو بن مرة، عن سالم الأفطس، عن ابن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الرجل من بني إسرائيل كان إذا رأى أخاه على الذنب نهاه عنه تعذيراً، فإذا كان من الغد لم يمنعه ما رأى منه، أن يكون أكيله وخليطه وشريكه» وفي حديث هارون «وشريبه»، ثم اتفقا في المتن «فلما رأى الله ذلك منهم ضرب قلوب بعضهم على بعض، ولعنهم على لسان نبيهم داود وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون» ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد المسيء، ولتأطرنه على الحق أطراً، أو ليضربن الله قلوب بعضكم على بعض، أو ليلعنكم كما لعنكم» والسياق لأبي سعيد، كذا قال في رواية هذا الحديث، وقد رواه أبو داود أيضاً عن خلف بن هشام، عن أبي شهاب الخياط، عن العلاء بن المسيب، عن عمرو بن مرة، عن سالم وهو ابن عجلان الأفطس، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه، ثم قال أبو داود: كذا رواه خالد عن العلاء، عن عمرو بن مرة به، ورواه المحاربي عن العلاء بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو بن مرة، عن سالم الأفطس، عن أبي عبيدة عن عبد الله، قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي: وقد رواه خالد بن عبد الله الواسطي عن العلاء بن المسيب،عن عمرو بن مرة، عن أبي موسى

والأحاديث في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة جداً، ولنذكر منها ما يناسب هذا المقام، قد تقدم حديث جابر عند قوله {لولا ينهاهم الربانيون والأحبار} وسيأتي عند قوله {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} حديث أبي بكر الصديق وأبي ثعلبة الخشني، فقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان الهاشمي، أنبأنا إسماعيل بن جعفر، أخبرني عمرو بن أبي عمرو عن عبد الله بن عبد الرحمن الأشهلي، عن حذيفة بن اليمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً من عنده، ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم»، ورواه الترمذي عن علي بن حجر عن إسماعيل بن جعفر به، وقال: هذا حديث حسن. وقال أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا معاوية بن هشام عن هشام بن سعد، عن عمرو بن عثمان، عن عاصم بن عمر بن عثمان، عن عروة، عن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، قبل أن تدعوا فلا يستجاب لكم» تفرد به، وعاصم هذا مجهول

وفي الصحيح من طريق الأعمش عن إسماعيل بن رجاء عن أبيه، عن أبي سعيد، وعن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» رواه مسلم. وقال الإمام أحمد: حدثنا ابن نمير، حدثنا سيف هو ابن أبي سليمان، سمعت عدي بن عدي الكندي يحدث عن مجاهد قال: حدثني مولى لنا أنه سمع جدي يعني عدي بن عميرة رضي الله عنه، يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول «إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكرونه، فإذا فعلوا ذلك، عذب الله الخاصة والعامة»، ثم رواه أحمد عن أحمد بن الحجاج، عن عبد الله بن المبارك، عن سيف بن أبي سليمان، عن عيسى بن عدي الكندي، حدثني مولى لنا أنه سمع جدي يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، فذكره، هكذا رواه الإمام أحمد من هذين الوجهين

قال أبو داود: حدثنا أبو العلاء، حدثنا أبو بكر، حدثنا المغيرة بن زياد الموصلي عن عدي بن عدي، عن العرس يعني ابن عميرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها، ـ وقال مرة فأنكرها ـ كان كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها» تفرد به أبو داود، ثم رواه عن أحمد بن يونس، عن ابن شهاب، عن مغيرة بن زياد، عن عدي بن عدي مرسلاً. وقال أبو داود: حدثنا سليمان بن حرب وحفص بن عمر، قالا: حدثنا شعبة وهذا لفظه، عن عمرو بن مرة، عن أبي البحتري قال: أخبرني من سمع النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال سليمان، حدثني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «لن يهلك الناس حتى يعذروا أو يعذروا من أنفسهم». وقال ابن ماجه: حدثنا عمران بن موسى، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا علي بن زيد بن جدعان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام خطيباً، فكان فيما قال «ألا لا يمنعن رجلاً هيبة الناس أن يقول الحق إذا علمه». قال: فبكى أبو سعيد، وقال: قد والله رأينا أشياء فهبنا

وفي حديث إسرائيل عن عطية عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر»و رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه. وقال ابن ماجه: حدثنا راشد بن سعيد الرملي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا حماد بن سلمة عن أبي غالب، عن أبي أمامة: قال: عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجل عند الجمرة الأولى، فقال: يا رسول الله، أي الجهاد أفضل ؟ فسكت عنه، فلما رمى الجمرة الثانية سأله فسكت عنه، فلما رمى جمرة العقبة ووضع رجله في الغرز ليركب قال «أين السائل ؟» قال: أنا يا رسول الله. قال «كلمة حق تقال عند ذي سلطان جائر» تفرد به. وقال ابن ماجه: حدثنا أبو كريب، حدثنا عبد الله بن نمير وأبو معاوية عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي البحتري عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا يحقر أحدكم نفسه» قالوا يا رسول الله: كيف يحقر أحدنا نفسه ؟ قال «يرى أمر الله فيه مقال ثم لا يقول فيه، فيقول الله له يوم القيامة: ما منعك أن تقول في كذا وكذا وكذا ؟ فيقول: خشية الناس، فيقول: فإياي كنت أحق أن تخشى» تفرد به، وقال أيضاً: حدثنا علي بن محمد، حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا عبد الله بن عبدالرحمن أبو طوالة، حدثنا نهار العبدي أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله يسأل العبد يوم القيامة حتى يقول: ما منعك إذا رأيت المنكر أن تنكره ؟ فإذا لقن الله عبداً حجته قال: يا رب رجوتك وفرقت الناس» تفرد به أيضاً ابن ماجه، وإسناده لا بأس به

وقال الإمام أحمد: حدثنا عمرو بن عاصم عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن الحسن، عن جندب، عن حذيفة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «لا ينبغي لمسلم أن يذل نفسه» قيل: وكيف يذل نفسه ؟ قال «يتعرض من البلاء لما لا يطيق»، وكذا رواه الترمذي وابن ماجه جميعاً عن محمد بن بشار، عن عمرو بن عاصم به، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. وقال ابن ماجه: حدثنا العباس بن الوليد الدمشقي، حدثنا زيد بن يحيى بن عبيد الخزاعي، حدثنا الهيثم بن حميد، حدثنا أبو معبد حفص بن غيلان الرعيني عن مكحول، عن أنس بن مالك قال: قيل: يا رسول الله، متى يترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر ؟ قال «إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم قبلكم» قلنا يا رسول الله وما ظهر في الأمم قبلنا ؟ قال «الملك في صغاركم والفاحشة في كباركم والعلم في رذالكم» قال زيد: تفسير معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم والعلم في رذالكم إذا كان العلم في الفساق، تفرد به ابن ماجة، وسيأتي في حديث أبي ثعلبة عند قوله {لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} شاهد لهذا، إن شاء الله تعالى وبه الثقة

وقوله تعالى: {ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا} قال مجاهد: يعني بذلك المنافقين. وقوله {لبئس ما قدمت لهم أنفسهم} يعني بذلك موالاتهم للكافرين، وتركهم موالاة المؤمنين التي أعقبتهم نفاقاً في قلوبهم، وأسخطت الله عليهم سخطاً مستمراً إلى يوم معادهم، ولهذا قال {أن سخط الله عليهم} وفسر بذلك ما ذمهم به، ثم أخبر عنهم أنهم {وفي العذاب هم خالدون} يعني يوم القيامة. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا مسلم بن علي عن الأعمش بإسناد ذكره، قال «يا معشر المسلمين، إياكم والزنا، فإن فيه ست خصال: ثلاثاً في الدنيا، وثلاثاً في الاَخرة، فأما التي في الدنيا فإنه يذهب البهاء، ويورث الفقر، وينقص العمر، وأما التي في الاَخرة فإنه يوجب سخط الرب، وسوء الحساب، والخلود في النار»، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم {لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون} هكذا ذكره ابن أبي حاتم

وقد رواه ابن مردويه من طريق هشام بن عمار عن مسلمة، عن الأعمش، عن شقيق، عن حذيفة، عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره، وساقه أيضاً من طريق سعيد بن غفير عن مسلمة، عن أبي عبد الرحمن الكوفي، عن الأعمش، عن شقيق، عن حذيفة، عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكر مثله، وهذا حديث ضعيف على كل حال، والله أعلم

وقوله تعالى: {ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء} أي لو آمنوا حق الإيمان بالله والرسول والقرآن لما ارتكبوا ما ارتكبوه من موالاة الكافرين في الباطن، ومعاداة المؤمنين بالله والنبي وما أنزل إليه، {ولكن كثيراً منهم فاسقون} أي خارجون عن طاعة الله ورسوله، مخالفون لاَيات وحيه وتنزيله





لَتَجِدَنّ أَشَدّ النّاسِ عَدَاوَةً لّلّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنّ أَقْرَبَهُمْ مّوَدّةً لّلّذِينَ آمَنُواْ الّذِينَ قَالُوَاْ إِنّا نَصَارَىَ ذَلِكَ بِأَنّ مِنْهُمْ قِسّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى الرّسُولِ تَرَىَ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدّمْعِ مِمّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقّ يَقُولُونَ رَبّنَآ آمَنّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشّاهِدِينَ * وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ الْحَقّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصّالِحِينَ * فَأَثَابَهُمُ اللّهُ بِمَا قَالُواْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَآءُ الْمُحْسِنِينَ * وَالّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذّبُواْ بِآيَاتِنَآ أُوْلَـَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ



قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: نزلت هذه الاَيات في النجاشي وأصحابه الذين حين تلا عليهم جعفر بن أبي طالب بالحبشة القرآن، بكوا حتى أخضلوا لحاهم، وهذا القول فيه نظر، لأن هذه الاَية مدنية، وقصة جعفر مع النجاشي قبل الهجرة. وقال سعيد بن جبير والسدي وغيرهما: نزلت في وفد بعثهم النجاشي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليسمعوا كلامه ويروا صفاته، فلما رأوه وقرأ عليهم القرآن أسلموا وبكوا وخشعوا، ثم رجعوا إلى)النجاشي فأخبروه. قال السدي: فهاجر النجاشي فمات بالطريق. وهذا من أفراد السدي، فإن النجاشي مات وهو ملك الحبشة، وصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم يوم مات، وأخبر به أصحابه، وأخبر أنه مات بأرض الحبشة. ثم اختلف في عدة هذا الوفد، فقيل: اثنا عشر: سبعة قساوسة وخمسة رهابين. وقيل: بالعكس. وقيل: خمسون. وقيل: بضع وستون. وقيل: سبعون رجلاً، فالله أعلم وقال عطاء بن أبي رباح: هم قوم من أهل الحبشة أسلموا حين قدم عليهم مهاجرة الحبشة من المسلمين وقال قتادة: هم قوم كانوا على دين عيس ابن مريم، فلما رأوا المسلمين، وسمعوا القرآن أسلموا ولم يتلعثموا، واختار ابن جرير أن هذه الاَيات نزلت في صفة أقوام بهذه المثابة، سواء كانوا من الحبشة أو غيرها

فقوله تعالى: {لتجدنّ أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا} ما ذاك إلا لأن كفر اليهود كفر عناد وجحود ومباهتة للحق وغمط للناس وتنقص بحملة العلم، ولهذا قتلوا كثيراً من الأنبياء حتى هموا بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرة، وسموه وسحروه، وألبوا عليه أشباههم من المشركين عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة. قال الحافظ أبو بكر بن مردويه عند تفسير هذه الاَية: حدثنا أحمد بن محمد بن السري، حدثنا محمد بن علي بن حبيب الرقي، حدثنا علي بن سعيد العلاف، حدثنا أبو النضر عن الأشجعي، عن سفيان، عن يحيى بن عبد الله، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ماخلا يهودي بمسلم قط إلا همّ بقتله»، ثم رواه عن محمد بن أحمد بن إسحاق العسكري، حدثنا أحمد بن أيو ب الأهوازي، حدثنا فرج بن عبيد، حدثنا عباد بن العوام عن يحيى بن عبد الله، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ماخلا يهودي بمسلم إلا حدث نفسه بقتله»، وهذا حديث غريب جداً

وقوله تعالى: {ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى} أي الذين زعموا أنهم نصارى من أتباع المسيح وعلى منهاج إنجيله فيهم مودة للإسلام وأهله في الجملة، وما ذاك إلا لما في قلوبهم إذ كانوا على دين المسيح من الرقة والرأفة، كما قال تعالى {وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية} وفي كتابهم: من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر. وليس القتال مشروعاً في ملتهم، ولهذا قال تعالى: {ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون} أي يوجد فيهم القسيسون وهم خطباؤهم وعلماؤهم، واحدهم قسيس وقس أيضاً، وقد يجمع على قسوس، والرهبان جمع راهب، وهو العابد، مشتق من الرهبة، وهي الخوف، كراكب وركبان، وفرسان. قال ابن جرير: وقد يكون الرهبان واحداً وجمعه رهابين، مثل قربان وقرابين، وجردان وجرادين، وقد يجمع على رهابنة، ومن الدليل على أنه يكون عند العرب واحداً قول الشاعر

لو عاينت رهبان دير في القلل لانحدر الرهبان يمشي ونزل

وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا بشر بن آدم. حدثنا نصير بن أبي الأشعث، حدثني الصلت الدهان عن جاثمة بن رئاب، قال: سألت سلمان عن قول الله تعالى {ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً} فقال: دع القسيسين في البيع والخرب، أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم «ذلك بأن منهم صديقين ورهباناً»، وكذا رواه ابن مردويه من طريق يحيى بن عبد الحميد الخاني عن نضير بن زياد الطائي، عن صلت الدهان، عن جاثمة بن رئاب، عن سلمان به. قال ابن أبي حاتم: ذكره أبي، حدثنا يحيى بن عبد الحميد الخاني، حدثنا نضير بن زياد الطائي، حدثنا صلت الدهان عن جاثمة بن رئاب قال: سمعت سلمان وسئل عن قوله {ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً} فقال هم الرهبان الذين هم في الصوامع والخرب فدعوهم فيها، قال سلمان: وقرأت على النبي صلى الله عليه وسلم {ذلك بأن منهم قسيسين} فأقرأني «ذلك بأن منهم صديقين ورهباناً» فقوله {ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون} تضمن وصفهم بأن فيهم العلم والعبادة والتواضع، ثم وصفهم بالانقياد للحق واتباعه والإنصاف، فقال {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق} أي مما عندهم من البشارة ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم {يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين} أي مع من يشهد بصحة هذا ويؤمن به

وقد روى النسائي عن عمرو بن علي الفلاس، عن عمر بن علي بن مقدم، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير قال: نزلت هذه الاَية في النجاشي وفي أصحابه {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين} وروى ابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم في مستدركه من طريق سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله {فاكتبنا مع الشاهدين} أي مع محمد صلى الله عليه وسلم وأمته هم الشاهدون، يشهدون لنبيهم صلى الله عليه وسلم أنه قد بلغ، وللرسل أنهم قد بلغوا، ثم قال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه

وقال الطبراني، حدثنا أبو شبيل عبد الله بن عبد الرحمن بن واقد، حدثنا أبي، حدثنا العباس بن الفضل عن عبد الجبار بن نافع الضبي، عن قتادة، وجعفر بن إياس عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قول الله تعالى: {وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع} قال: إنهم كانوا كرابين يعني فلاحين، قدموا مع جعفر بن أبي طالب من الحبشة، فلما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم القرآن، آمنوا وفاضت أعينهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لعلكم إذا رجعتم إلى أرضكم انتقلتم إلى دينكم» فقالوا: لن ننتقل عن ديننا، فأنزل الله ذلك من قولهم {ومالنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين} وهذا الصنف من النصارى هم المذكورون في قوله تعالى: {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله} الاَية، وهم الذين قال الله فيهم {الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون * وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين} إلى قوله {لا نبتغي الجاهلين} ولهذا قال تعالى ههنا: {فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار} أي فجزاهم على إيمانهم وتصديقهم واعترافهم بالحق {جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها} أي ماكثين فيها أبداً لا يحولون ولا يزولون {وذلك جزاء المحسنين} أي في اتباعهم الحق وانقيادهم له حيث كان وأين كان ومع من كان، ثم أخبر عن حال الأشقياء فقال {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا} أي جحدوا بها وخالفوها، {أولئك أصحاب الجحيم} أي هم أهلها والداخلو
ن فيها



_________________
الحمدلله
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://abubaker.jordanforum.net
 
تفسير سورة المائدة - من آية 67 - إلى نهاية الآية 86
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الأصدقاء :: هدايات وإرشادات وتوجيهات إسلامية :: تفسير القران الكريم "ابن كثير"-
انتقل الى: