منتدى الأصدقاء
{وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }يونس25
And God calls to the House of Peace and guides whom He wills to a Straight Path} Younis 25
نحن سعداء للمشاركة في (منتدى الأصدقاء)
We are pleased to join in ( Forum Friends )
يشرفنا تسجيلك
We are honored register you
إدارة المنتدى
Management of Forum



منتدى الأصدقاء
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالمجموعاتالتسجيلدخول

( أهلا وسهلا بكم في منتدى الأصدقاء Welcome to the forum Friends >> الرجاء تسجيل الدخول للتعرف على فضائل الأعمال التي يحبها الله Please log in to learn about the virtues of Business loved by God

المواضيع الأخيرة
» (من شهد له خزيمة فهو حسبه). وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} [هود: 1].
الإثنين نوفمبر 28, 2016 7:52 pm من طرف abubaker

» (مَنْ شهد له خزيمة فحَسْبه). قال: يا رسول الله أَأُصدِّقُك في خبر السماء، وأُكذِّبك في عِدّة دراهم؟ --- وقوله تعالى: {أَن يَرْحَمَكُمْ..} [الإسراء: 8].
الإثنين نوفمبر 28, 2016 7:38 pm من طرف abubaker

» إزالة الظل الأزرق الذي يظهر تحت أيقونات سطح المكتب
السبت نوفمبر 26, 2016 7:22 pm من طرف abubaker

» لأن الاسم إذا أُطلِق عَلَماً على الغير انحلَّ عن معناه الأصلي ولزم العَلَمية فقط، لكن أسماء الله بقيتْ على معناها الأصلي حتى بعد أنْ أصبحتْ عَلَماً على الله تعالى، فهي إذن أسماء حُسْنى.
الإثنين نوفمبر 21, 2016 2:51 pm من طرف abubaker

»  إننا نجد أن بعضا من أسماء الله سبحانه وتعالى له مقابل، ومن أسماء الله الحسنى ما لا تجد له مقابلا. فإذا قيل “المحيي” تجد “المميت” لكن الصفة إن لم يوجد لها مقابل نسميها صفة ذات، فهو “حي” ولا نأتي بالمقابل
الإثنين نوفمبر 21, 2016 2:34 pm من طرف abubaker

» تابع / إننا نجد أن بعضا من أسماء الله سبحانه وتعالى له مقابل، ومن أسماء الله الحسنى ما لا تجد له مقابلا. فإذا قيل “المحيي” تجد “المميت” لكن الصفة إن لم يوجد لها مقابل نسميها صفة ذات، فهو “حي” ولا نأتي بالمقابل
الإثنين نوفمبر 21, 2016 2:27 pm من طرف abubaker

»  فالاسم هو العَلَم الذي وُضِع للدلالة على هذا اللفظ. / الذكْر: له معانٍ متعددة، فالذكْر هو الإخبار بشيء / والرحمة: هي تجليّات الراحم على المرحوم بما يُديم له صلاحه لمهمته - من سورة مريم
الأحد نوفمبر 20, 2016 5:38 pm من طرف abubaker

»  فالاسم هو العَلَم الذي وُضِع للدلالة على هذا اللفظ. / {كهيعص(1)}
الأحد نوفمبر 20, 2016 5:01 pm من طرف abubaker

» إدارة Google Voice والسجل الصوتي
الإثنين نوفمبر 14, 2016 2:10 pm من طرف abubaker

ازرار التصفُّح
 البوابة
 الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث
التبادل الاعلاني

شاطر | 
 

 تفسير سورة مريم - من آية 1 - نهاية الآية 33

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
abubaker



ذكر
عدد المساهمات : 18466
تاريخ التسجيل : 23/12/2010
العمر : 66
الدولـة : jordan

مُساهمةموضوع: تفسير سورة مريم - من آية 1 - نهاية الآية 33    الجمعة مارس 15, 2013 3:00 am

[color=black][size=24] تفسير سورة مريم



وهي مكية

وقد روى محمد بن إسحاق في السيرة من حديث أم سلمة، وأحمد بن حنبل عن ابن مسعود في قصة الهجرة إلى أرض الحبشة من مكة أن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قرأ صدر هذه السورة على النجاشي وأصحابه

بِسْمِ اللّهِ الرّحْمـَنِ الرّحِيمِ



كَهيعَصَ * ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّآ * إِذْ نَادَىَ رَبّهُ نِدَآءً خَفِيّاً * قَالَ رَبّ إِنّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنّي وَاشْتَعَلَ الرّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبّ شَقِيّاً * وَإِنّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَآئِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لّدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبّ رَضِيّاً



أما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة البقرة، وقوله {ذكر رحمت ربك} أي هذا ذكر رحمة الله بعبده زكريا، وقرأ يحيى بن يعمر {ذكر رحمت ربك عبده زكريا} وزكريا يمد ويقصر، قراءتان مشهورتان وكان نبياً عظيماً من أنبياء بني إسرائيل، وفي صحيح البخاري أنه كان نجاراً يأكل من عمل يده في النجارة. وقوله {إذ نادى ربه نداء خفياً} قال بعض المفسرين: إنما أخفى دعاءه لئلا ينسب في طلب الولد إلى الرعونة لكبره، حكاه الماوردي وقال آخرون: إنما أخفاه لأنه أحب إلى الله، كما قال قتادة في هذه الاَية {إذ نادى ربه نداء خفياً} إن الله يعلم القلب التقي، ويسمع الصوت الخفي، وقال بعض السلف: قام من الليل عليه السلام وقد نام أصحابه، فجعل يهتف بربه يقول خفية: يا رب، يا رب، يا رب، فقال الله له: لبيك لبيك لبيك {قال رب إني وهن العظم مني} أي ضعفت وخارت القوى {واشتعل الرأس شيباً}، أي اضطرم المشيب في السواد، كما قال ابن دريد في مقصورته

أما ترى رأسي حاكى لونه طرة صبح تحت أذيال الدجى

واشتعل المبيض في مسودة مثل اشتعال النار في جمر الغضا

والمراد من هذا الإخبار عن الضعف والكبر ودلائله الظاهرة والباطنة. وقوله {ولم أكن بدعائك رب شقيا} أي ولم أعهد منك إلا الإجابة في الدعاء، ولم تردني قط فيما سألتك وقوله {وإني خفت الموالي من ورائي} قرأ الأكثرون بنصب الياء من الموالي على أنه مفعول، وعن الكسائي أنه سكن الياء، كما قال الشاعر

كأن أيديهن في القاع القرق أيدي جوار يتعاطين الورق

وقال الاَخر

فتى لو يباري الشمس ألقت قناعها أو القمر الساري لألقى المقالدا

ومنه قول أبي تمام حبيب بن أوس الطائي

تغاير الشعر منه إذ سهرت لهحتى ظننت قوافيه ستقتتل

وقال مجاهد وقتادة والسدي: أراد بالموالي العصبة. وقال أبو صالح: الكلالة. وروي عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه كان يقرؤها {وإني خفت الموالي من ورائي} بتشديد الفاء بمعنى قلت عصباتي من بعدي، وعلى القراءة الأولى وجه خوفه أنه خشي أن يتصرفوا من بعده في الناس تصرفاً سيئاً، فسأل الله ولداً يكون نبياً من بعده ليسوسهم بنبوته ما يوحي إليه، فأجيب في ذلك لا أنه خشي من وراثتهم له ماله، فإن النبي أعظم منزلة وأجل قدراً من أن يشفق على ماله إلى ما هذا حده، وأن يأنف من وراثة عصباته له ويسأل أن يكون له ولد ليحوز ميراثه دونهم هذا وجه

الثاني: أنه لم يذكر أنه كان ذا مال بل كان نجاراً يأكل من كسب يديه، ومثل هذا لا يجمع مالاً ولا سيما الأنبياء، فإنهم كانوا أزهد شيء في الدنيا

الثالث: أنه قد ثبت في الصحيحين من غير وجه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «لا نورث، ما تركنا فهو صدقة» وفي رواية عند الترمذي بإسناد صحيح «نحن معشر الأنبياء لا نورث»، وعلى هذا فتعين حمل قوله {فهب لي من لدنك ولياً يرثني} على ميراث النبوة، ولهذا قال {ويرث من آل يعقوب} كقوله {وورث سليمان داود} أي في النبوة إذ لو كان في المال لما خصه من بين إخوته بذلك، ولما كان في الإخبار بذلك كبير فائدة، إذ من المعلوم المستقر في جميع الشرائع والملل أن الولد يرث أباه، فلولا أنها وراثة خاصة لما أخبر بها، وكل هذا يقرره ويثبته ما صح في الحديث «نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا فهو صدقة»

قال مجاهد في قوله {يرثني ويرث من آل يعقوب } كان وراثته علماً، وكان زكريا من ذرية يعقوب، وقال هشيم: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح في قوله {يرثني ويرث من آل يعقوب} قال: يكون نبياً كما كانت آباؤه أنبياء، وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة، عن الحسن يرث نبوته وعلمه، وقال السدي: يرث نبوتي ونبوة آل يعقوب. وعن مالك عن زيد بن أسلم {ويرث من آل يعقوب} قال نبوتهم. وقال جابر بن نوح ويزيد بن هارون كلاهما عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح في قوله {يرثني ويرث من آل يعقوب} قال: يرث مالي ويرث من آل يعقوب النبوة، وهذا اختيار ابن جرير في تفسيره

وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «يرحم الله زكريا وما كان عليه من وراثة ماله، ويرحم الله لوطاً إن كان ليأوي إلى ركن شديد». وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا جابر بن نوح عن مبارك هو ابن فضالة، عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «رحم الله أخي زكريا ما كان عليه من وراثة ماله حين قال: هب لي من لدنك ولياً يرثني ويرث من آل يعقوب» وهذه مرسلات لا تعارض الصحاح، والله أعلم. وقوله {واجعله رب رضيا} أي مرضياً عندك وعند خلقك، تحبه وتحببه إلى خلقك في دينه وخلقه



يَزَكَرِيّآ إِنّا نُبَشّرُكَ بِغُلاَمٍ اسْمُهُ يَحْيَىَ لَمْ نَجْعَل لّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً



هذا الكلام يتضمن محذوفاً وهو أنه أجيب إلى ما سأل في دعائه، فقيل له: {يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى} كما قال تعالى: {هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء * فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقاً بكلمة من الله وسيداً وحصوراً ونبياً من الصالحين} وقوله {لم نجعل له من قبل سميا} قال قتادة وابن جريج وابن زيد: أي لم يسم أحد قبله بهذا الاسم، واختاره ابن جرير رحمه الله

قال مجاهد {لم نجعل له من قبل سميا} أي شبيهاً، وأخذه من معنى قوله {فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا} أي شبيهاً، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أي لم تلد العواقر قبله مثله، وهذا دليل على أن زكريا عليه السلام كان لا يولد له، وكذلك امرأته كانت عاقراً من أول عمرها، بخلاف إبراهيم، وسارة عليهما السلام، فإنهما إنما تعجبا من البشارة بإسحاق لكبرهما لا لعقرهما، ولهذا قال {أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون} مع أنه كان قد ولد له قبله إسماعيل بثلاث عشرة سنة، وقالت امرأته {يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا يعلي شيخاً إن هذا لشيء عجيب * قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد}



قَالَ رَبّ أَنّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيّاً * قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبّكَ هُوَ عَلَيّ هَيّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً



هذا تعجب من زكريا عليه السلام حين أجيب إلى ما سأل وبشر بالولد، ففرح فرحاً شديداً، وسأل عن كيفية ما يولد له والوجه الذي يأتيه منه الولد، مع أن امرأته كانت عاقراً لم تلد من أول عمرها مع كبرها، ومع أنه قد كبر وعتا، أي: عسا عظمه ونحل، ولم يبق فيه لقاح ولا جماع، والعرب تقول للعود إذا يبس: عتا يعتو عتياً وعتواً، وعسا يعسو عسواً وعسياً، وقال مجاهد: عتيا يعني نحول العظم، وقال ابن عباس وغيره: عتيا، يعني الكبر، والظاهر أنه أخص من الكبر

وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب، حدثنا هشيم، أخبرنا حصين عن عكرمة عن ابن عباس قال: لقد علمت السنة كلها غير أني لا أدري أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر والعصر أم لا، ولا أدري كيف كان يقرأ هذا الحرف {وقد بلغت من الكبر عتيا} أو عسيا، ورواه الإمام أحمد عن سُريج بن النعمان وأبو داود عن زياد بن أيوب كلاهما عن هشيم به، {قال} أي الملك مجيباً لزكريا عما استعجب منه {كذلك قال ربك هو علي هين} أي إيجاد الولد منك ومن زوجتك هذه لا من غيرها، {هين} أي يسير سهل على الله، ثم ذكر له ما هو أعجب مما سأل عنه، فقال {وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئاً} كما قال تعالى: {هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً}



قَالَ رَبّ اجْعَل لِيَ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلّمَ النّاسَ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً * فَخَرَجَ عَلَىَ قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَىَ إِلَيْهِمْ أَن سَبّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً



يقول تعالى مخبراً عن زكريا عليه السلام أنه {قال رب اجعل لي آية} أي علامة ودليلاً على وجود ما وعدتني، لتستقر نفسي ويطمئن قلبي بما وعدتني، كما قال إبراهيم عليه السلام {رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي} الاَية {قال آيتك} أي علامتك {أن لا تكلم الناس ثلاث ليال سوياً} أي أن تحبس لسانك عن الكلام ثلاث ليال، وأنت صحيح سوي من غير مرض ولا علة، قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة ووهب والسدي وقتادة وغير واحد: اعتقل لسانه من غير مرض ولا علة. قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كان يقرأ ويسبح ولا يستطيع أن يكلم قومه إلا إشارة

وقال العوفي عن ابن عباس {ثلاث ليالٍ سويا} أي متتابعات، والقول الأول عنه وعن الجمهور أصح، كما قال تعالى في آل عمران {قال رب اجعل لي آية قال آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً واذكر ربك كثيراً وسبح بالعشي والإبكار} وقال مالك عن زيد بن أسلم {ثلاث ليال سويا} من غير خرس، وهذا دليل على أنه لم يكن يكلم الناس في هذه الليالي الثلاث وأيامها {إلا رمزاً} أي إشارة، ولهذا قال في هذه الاَية الكريمة {فخرج على قومه من المحراب} أي الذي بشر فيه بالولد {فأوحى إليهم} أي أشار إشارة خفية سريعة {أن سبحوا بكرة وعشيا} أي موافقة له فيما أمر به في هذه الأيام الثلاثة زيادة على أعماله شكراً لله على ما أولاه. قال مجاهد: «فأوحى إليهم» أي أشار وبه قال وهب وقتادة. وقال مجاهد في رواية عنه: {فأوحى إليهم} أي كتب لهم في الأرض، وكذا قال السدي



يَيَحْيَىَ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً * وَحَنَاناً مّن لّدُنّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيّاً * وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبّاراً عَصِيّاً * وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً



وهذا أيضاً تضمن محذوفاً تقديره أنه وجد هذا الغلام المبشر به وهو يحيى عليه السلام، وأن الله علمه الكتاب وهو التوارة التي كانوا يتدارسونها بينهم، ويحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار، وقد كان سنه إذ ذاك صغيراً فلهذا نوه بذكره وبما أنعم به عليه وعلى والديه فقال: {يا يحيى خذ الكتاب بقوة} أي تعلم الكتاب بقوة أي بجد وحرص واجتهاد {وآتيناه الحكم صبياً} أي الفهم والعلم والجد والعزم والإقبال على الخير والإكباب عليه والاجتهاد فيه وهو صغير حدث، قال عبد الله بن المبارك: قال معمر: قال الصبيان ليحيى بن زكريا: اذهب بنا نلعب، فقال: ما للعب خلقت، فلهذا أنزل الله {وآتيناه الحكم صبياً}

وقوله: {وحناناً من لدناً} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {وحناناً من لدنا} يقول: ورحمة من عندنا، وكذا قال عكرمة وقتادة والضحاك وزاد: لا يقدر عليها غيرنا، وزاد قتادة: رحم الله بها زكريا. وقال مجاهد: {وحناناً من لدنا} وتعطفاً من ربه عليه. وقال عكرمة: {وحناناً من لدنا} قال: محبة عليه. وقال ابن زيد أما الحنان فالمحبة، وقال عطاء بن أبي رباح: {وحناناً من لدنا} قال: تعظيماً من لدنا، وقال ابن جريج: أخبرني عمرو بن دينار أنه سمع عكرمة عن ابن عباس أنه قال: لا والله ما أدري ما حناناً

وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير عن منصور، سألت سعيد بن جبير عن قوله: {وحناناً من لدنا} فقال: سألت عنها ابن عباس فلم يجد فيها شيئاً، والظاهر من السياق أن قوله وحناناً معطوف على قوله {وآتيناه الحكم صبياً} أي وآتيناه الحكم وحناناً وزكاة، أي وجعلناه ذا حنان وزكاة، فالحنان هو المحبة في شفقة وميل، كما تقول العرب: حنت الناقة على ولدها وحنت المرأة على زوجها، ومنه سميت المرأة حنة من الحَنّة، وحن الرجل إلى وطنه، ومنه التعطف والرحمة، كما قال الشاعر

تحنن عليّ هداك المليك فإن لكل مقام مقالا

وفي المسند للإمام أحمد عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «يبقى رجل في النار ينادي ألف سنة: يا حنان يا منان» وقد يثنى، ومنهم من يجعل ما ورد في ذلك لغة بذاتها، كما قال طرفة

أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا حنانيك بعض الشر أهون من بعض

وقوله: {وزكاة} معطوف على وحناناً، فالزكاة الطهارة من الدنس والاَثام والذنوب، وقال قتادة: الزكاة العمل الصالح، وقال الضحاك وابن جريج: العمل الصالح الزكي. وقال العوفي عن ابن عباس {وزكاة} قال: بركة، {وكان تقياً} ذا طهر فلم يهمّ بذنب. وقوله {وبراً بوالديه ولم يكن جباراً عصياً} لما ذكر تعالى طاعته لربه، وأنه خلقه ذا رحمة وزكاة وتقى، عطف بذكر طاعته لوالديه وبره بهما، ومجانبته عقوقهما قولاً وفعلاً، أمراً ونهياً، ولهذا قال: {ولم يكن جباراً عصياً} ثم قال بعد هذه الأوصاف الجميلة جزاء له على ذلك {وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حياً}أي له الأمان في هذه الثلاثة الأحوال. وقال سفيان بن عيينة: أوحش ما يكون المرء في ثلاثة مواطن: يوم يولد فيرى نفسه خارجاً مما كان فيه، ويوم يموت فيرى قوماً لم يكن عاينهم، ويوم يبعث فيرى نفسه في محشر عظيم، قال: فأكرم الله فيها يحيى بن زكريا فخصّه بالسلام عليه، فقال: {وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حياً} رواه ابن جرير عن أحمد بن منصور المروزي عن صدقة بن الفضل عنه

وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله: {جباراً عصياً} قال: كان ابن المسيب يذكر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما من أحد يلقى الله يوم القيامة إلا ذا ذنب إلا يحيى بن زكريا» قال قتادة: ما أذنب ولا هم بامرأة، مرسل، وقال محمد بن إسحاق عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب، حدثني ابن العاص أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل بني آدم يأتي يوم القيامة وله ذنب، إلا ما كان من يحيى بن زكريا بن إسحاق هذا مدلس، وقد عنعن هذا الحديث، فالله أعلم. وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد، أخبرنا علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من أحد من ولد آدمَ إلا وقد أخطأ أو هم بخطيئة، ليس يحيى بن زكريا وما ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى» وهذا أيضاً ضعيف، لأن علي بن زيد بن جدعان له منكرات كثيرة، والله أعلم. وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة أن الحسن قال: إن يحيى وعيسى عليهما السلام التقيا، فقال له عيسى: استغفر لي أنت خير مني، فقال له الاَخر: استغفر لي أنت خير مني، فقال له عيسى: أنت خير مني سلمت على نفسي، وسلم الله عليك فعرف والله فضلهما



وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً * فَاتّخَذَتْ مِن دُونِهِم حِجَاباً فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا فَتَمَثّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً * قَالَتْ إِنّيَ أَعُوذُ بِالرّحْمَـَنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً * قَالَ إِنّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبّكِ لاَِهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً * قَالَتْ أَنّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً * قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبّكَ هُوَ عَلَيّ هَيّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لّلْنّاسِ وَرَحْمَةً مّنّا وَكَانَ أَمْراً مّقْضِيّاً



لما ذكر تعالى قصة زكريا عليه السلام، وأنه أوجد منه في حال كبره وعقم زوجته ولداً زكياً طاهراً مباركاً، عطف بذكر قصة مريم في إيجاده ولدها عيسى عليهما السلام منها من غير أب، فإن بين القصتين مناسبة ومشابهة، ولهذا ذكرهما في آل عمران وههنا، وفي سورة الأنبياء يقرن بين القصتين لتقارب ما بينهما في المعنى، ليدل عباده على قدرته وعظمة سلطانه، وأنه على ما يشاء قادر، فقال {واذكر في الكتاب مريم} وهي مريم بنت عمران من سلالة داود عليه السلام. وكانت من بيت طاهر طيب في بني إسرائيل، وقد ذكر الله تعالى قصة ولادة أمها لها في سورة آل عمران، وأنها نذرتها محررة، أي تخدم مسجد بيت المقدس، وكانوا يتقربون بذلك {فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسناً} ونشأت في بني إسرائيل نشأة عظيمة، فكانت إحدى العابدات الناسكات المشهورات بالعبادة العظيمة والتبتل والدؤوب، وكانت في كفالة زوج أختها زكريا نبي بني إسرائيل إذ ذاك، وعظيمهم الذي يرجعون إليه في دينهم، ورأى لها زكريا من الكرامات الهائلة ما بهره {كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب} فذكر أنه كان يجد عندها ثمر الشتاء في الصيف، وثمر الصيف في الشتاء، كما تقدم بيانه في سورة آل عمران، فلما أراد الله تعالى وله الحكمة والحجة البالغة، أن يوجد منها عبده ورسوله عيسى عليه السلام أحد الرسل أولي العزم الخمسة العظام {انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً} أي اعتزلتهم وتنحت عنهم، وذهبت إلى شرق المسجد المقدس. وقال السدي لحيض أصابها، وقيل لغير ذلك

قال أبو كدينة عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس قال: إن أهل الكتاب كتب عليهم الصلاة إلى البيت والحج إليه، وما صرفهم عنه إلا قيل ربك: {فانتبذت من أهلها مكاناً شرقياً} قال: خرجت مريم مكاناً شرقياً، فصلوا قبل مطلع الشمس، رواه ابن أبي حاتم وابن جرير. وقال ابن جرير أيضاً: حدثنا إسحاق بن شاهين، حدثنا خالد بن عبد الله عن داود عن عامر، عن ابن عباس قال: إني لأعلم خلق الله لأي شيء اتخذت النصارى المشرق قبلة لقول الله تعالى: {فانتبذت من أهلها مكاناً شرقياً} واتخذوا ميلاد عيسى قبلة. وقال قتادة {مكاناً شرقياً} شاسعاً منتحياً، وقال محمد بن إسحاق: ذهبت بقلتها لتستقي الماء. وقال نوف البكالي: اتخذت لها منزلاً تتعبد فيه، فالله أعلم

وقوله: {فاتخذت من دونهم حجاباً} أي استترت منهم وتوارت، فأرسل الله تعالى إليها جبريل عليه السلام {فتمثل لها بشراً سوياً} أي على صورة إنسان تام كامل. قال مجاهد والضحاك وقتادة وابن جريج ووهب بن منبه والسدي في قوله: {فأرسلنا إليها روحنا} يعني جبرائيل عليه السلام، وهذا الذي قالوه هو ظاهر القرآن، فإنه تعالى قد قال في الاَية الأخرى: {نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين} وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب قال: إن روح عيسى عليه السلام من جملة الأرواح التي أخذ عليها العهد في زمان آدم عليه السلام، وهو الذي تمثل لها بشراً سوياً، أي روح عيسى، فحملت الذي خاطبها، وحل في فيها، وهذا في غاية الغرابة والنكارة وكأنه إسرائيلي {قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً} أي لما تبدى لها الملك في صورة بشر وهي في مكان منفرد وبينها وبين قومها حجاب، خافته وظنت أنه يريدها على نفسها، فقالت: {إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً} أي إن كنت تخاف الله تذكيراً له بالله وهذا هو المشروع في الدفع أن يكون بالأسهل فالأسهل، فخوفته أولاً بالله عز وجل

قال ابن جرير: حدثني أبو كريب، حدثنا أبو بكر عن عاصم قال: قال أبو وائل وذكر قصة مريم، فقال: قد علمت أن التقي ذو نهية حين قالت: {إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً * قال إنما أنا رسول ربك} أي فقال لها الملك مجيباً لها ومزيلاً لما حصل عندها من الخوف على نفسها لست مما تظنين ولكني رسول ربك أي بعثني الله إليك، ويقال إنها لما ذكرت الرحمن انتفض جبريل فرقاً وعاد إلى هيئته وقال {إنما أنا رسول ربك ليهب لك غلاماً زكياً} هكذا قرأ أبو عمرو بن العلاء أحد مشهوري القراء، وقرأ الاَخرون {لأهب لك غلاماً زكياً} وكلا القرائتين له وجه حسن ومعنى صحيح، وكل تستلزم الأخرى {قالت أنى يكون لي غلام} أي فتعجبت مريم من هذا وقالت: كيف يكون لي غلام ؟ أي على أي صفة يوجد هذا الغلام مني، ولست بذات زوج، ولا يتصور مني الفجور، ولهذا قالت: {ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا} والبغي هي الزانية، ولهذا جاء في الحديث نهي عن مهر البغي {قال كذلك قال ربك هو علي هين} أي فقال لها الملك مجيباً لها عما سألت: إن الله قد قال إنه سيوجد منك غلاماً وإن لم يكن لك بعل، ولا توجد منك فاحشة، فإنه على ما يشاء قادر، ولهذا قال: {ولنجعله آية للناس} أي دلالة وعلامة للناس على قدرة بارئهم وخالقهم الذي نوع في خلقهم، فخلق أباهم آدم من غير ذكر ولا أنثى وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق بقية الذرية من ذكر وأنثى إلا عيسى، فإنه أوجده من أنثى بلا ذكر، فتمت القسمة الرباعية الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه فلا إله غيره ولا رب سواه

وقوله: {ورحمة منا} أي ونجعل هذا الغلام رحمة من الله ونبياً من الأنبياء، يدعو إلى عبادة الله تعالى وتوحيده، كما قال تعالى في الاَية الأخرى: {إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهاً في الدنيا والاَخرة ومن المقربين ويكلم الناس في المهد وكهلاً ومن الصالحين} أي يدعو إلى عبادة ربه في مهده وكهولته، قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الرحيم بن إبراهيم، حدثنا مروان، حدثنا العلاء بن الحارث الكوفي عن مجاهد: قال: قالت مريم عليها السلام: كنت إذا خلوت حدثني عيسى وكلمني وهو في بطني، وإذا كنت مع الناس سبح في بطني وكبر

وقوله: {وكان أمراً مقضياً} يحتمل أن هذا من تمام كلام جبريل لمريم، يخبرها أن هذا أمر مقدر في علم الله)تعالى وقدرته ومشيئته، ويحتمل أن يكون من خبر الله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم وأنه كنى بهذا عن النفخ في فرجها، كما قال تعالى: {ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا} وقال: {والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا} قال محمد بن إسحاق: {وكان أمراً مقضياً} أي إن الله قد عزم على هذا فليس منه بد، واختار هذا أيضاً ابن جرير في تفسيره ولم يحك غيره، والله أعلم



فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً * فَأَجَآءَهَا الْمَخَاضُ إِلَىَ جِذْعِ النّخْلَةِ قَالَتْ يَلَيْتَنِي مِتّ قَبْلَ هَـَذَا وَكُنتُ نَسْياً مّنسِيّاً



يقول تعالى مخبراً عن مريم أنها لما قال لها جبريل عن الله تعالى ما قال، أنها استسلمت لقضاء الله تعالى، فذكر غير واحد من علماء السلف أن الملك وهو جبرائيل عليه السلام عند ذلك نفخ في جيب درعها، فنزلت النفخة حتى ولجت في الفرج فحملت بالولد بإذن الله تعالى، فلما حملت به ضاقت ذرعاً، ولم تدر ماذا تقول للناس، فإنها تعلم أن الناس لا يصدقونها فيما تخبرهم به، غير أنها أفشت سرها وذكرت أمرها لأختها امرأة زكريا، وذلك أن زكريا عليه السلام كان قد سأل الله الولد فأجيب إلى ذلك، فحملت امرأته، فدخلت عليها مريم، فقامت إليها فاعتنقتها وقالت: أشعرت يا مريم أني حبلى ؟ فقالت لها مريم: وهل علمت أيضاً أني حبلى، وذكرت لها شأنها وما كان من خبرها، وكانوا بيت إيمان وتصديق، ثم كانت امرأة زكريا بعد ذلك إذا واجهت مريم تجد الذي في بطنها يسجد للذي في بطن مريم، أي يعظمه ويخضع له، فإن السجود كان في ملتهم عند السلام مشروعاً، كما سجد ليوسف أبواه وإخوته، وكما أمر الله الملائكة أن يسجدوا لاَدم عليه السلام، ولكن حرم في ملتنا هذه تكميلاً لتعظيم جلال الرب تعالى

قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين قال: قُرىء على الحارث بن مسكين وأنا أسمع، قال أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم قال: قال مالك رحمه الله: بلغني أن عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا عليهما السلام ابنا خالة، وكان حملهما جميعاً معاً، فبلغني أن أم يحيى قالت لمريم: إني أرى أن ما في بطني يسجد لما في بطنك. قال مالك: أرى ذلك لتفضيل عيسى عليه السلام، لأن الله جعله يحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص، ثم اختلف المفسرون في مدة حمل عيسى عليه السلام، فالمشهور عن الجمهور أنها حملت به تسعة أشهر. وقال عكرمة: ثمانية أشهر، قال: ولهذا لا يعيش ولد الثمانية أشهر. وقال ابن جريج: أخبرني المغيرة بن عثمان بن عبد الله الثقفي، سمع ابن عباس وسئل عن حمل مريم قال: لم يكن إلا أن حملت فوضعت، وهذا غريب، وكأنه مأخوذ من ظاهر قوله تعالى: {فحملته فانتبذت به مكاناً قصيا، فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة} فالفاء وإن كانت للتعقيب، لكن تعقيب كل شيء بحسبه، كقوله تعالى: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما} فهذه الفاء للتعقيب بحسبها

وقد ثبت في الصحيحين أن بين كل صفتين أربعين يوماً، وقال تعالى: {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة} فالمشهور الظاهر، والله على كل شيء قدير أنها حملت به كما تحمل النساء بأولادهن. ولهذا لما ظهرت مخايل الحمل عليها، وكان معها في المسجد رجل صالح من قراباتها يخدم معها البيت المقدس يقال له يوسف النجار، فلما رأى ثقل بطنها وكبره، أنكر ذلك من أمرها، ثم صرفه ما يعلم من براءتها ونزاهتها ودينها وعبادتها، ثم تأمل ما هي فيه، فجعل أمرها يجوس في فكره لا يستطيع صرفه عن نفسه، فحمل نفسه على أن عرض لها في القول فقال: يا مريم إني سائلك عن أمر فلا تعجلي علي. قالت: وما هو ؟ قال: هل يكون قط شجر من غير حب، وهل يكون زرع من غير بذر. وهل يكون ولد من غير أب ؟ فقالت: نعم، وفهمت ما أشار إليه

أما قولك: هل يكون شجر من غير حب وزرع من غير بذر، فإن الله قد خلق الشجر والزرع أول ما خلقهما من غير حب ولا بذر، وهل يكون ولد من غير أب ؟ فإن الله تعالى قد خلق آدم من غير أب ولا أم، فصدقها وسلم لها حالها، ولما استشعرت مريم من قومها اتهامها بالريبة، انتبذت منهم مكاناً قصياً، أي قاصياً منهم بعيداً عنهم لئلا تراهم ولا يروها

قال محمد بن إسحاق: فلما حملت به وملأت قلتها ورجعت، استمسك عنها الدم وأصابها ما يصيب الحامل على الولد من الوصب والتوحم وتغير اللون، حتى فطر لسانها فما دخل على أهل بيت ما دخل على آل زكريا، وشاع الحديث في بني إسرائيل فقالوا: إنما صاحبها يوسف ولم يكن معها في الكنيسة غيره، وتوارت من الناس واتخذت من دونهم حجاباً، فلا يراها أحد ولا تراه. وقوله: {فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة} أي فاضطرها وألجأها الطلق إلى جذع النخلة في المكان الذي تنحت إليه، وقد اختلفوا فيه، فقال السدي: كان شرقي محرابها الذي تصلي فيه من بيت المقدس. وقال وهب بن منبه: ذهبت هاربة، فلما كانت بين الشام وبلاد مصر ضربها الطلق. وفي رواية عن وهب: كان ذلك على ثمانية أميال من بيت المقدس في قرية هناك يقال لها بيت لحم، قلت: وقد تقدم في أحاديث الإسراء من رواية النسائي عن أنس رضي الله عنه، والبيهقي عن شداد بن أوس رضي الله عنه أن ذلك ببيت لحم، فا لله أعلم، وهذا هو المشهور الذي تلقاه الناس بعضهم عن بعض، ولا تشك فيه النصارى أنه ببيت لحم، وقد تلقاه الناس، وقد ورد به الحديث إن صح

وقوله تعالى إخباراً عنها: {قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً} فيه دليل على جواز تمني الموت عند الفتنة، فإنها عرفت أنها ستبتلى وتمتحن بهذا المولود الذي لا يحمل الناس أمرها فيه على السداد، ولا يصدقونها في خبرها، وبعد ما كانت عندهم عابدة ناسكة تصبح عندهم فيما يظنون عاهرة زانية، فقالت: {يا ليتني مت قبل هذا} أي قبل هذا الحال، {وكنت نسياً منسياً} أي لم أخلق ولم أك شيئاً، قاله ابن عباس. وقال السدي: قالت وهي تطلق من الحبل استحياء من الناس: ياليتني مت قبل هذا الكرب الذي أنا فيه والحزن بولادتي المولود من غير بعل، {وكنت نسياً منسياً} نسي فترك طلبه كخرق الحيض التي إذا ألقيت وطرحت لم تطلب ولم تذكر، وكذلك كل شيء نسي وترك فهو نسي. وقال قتادة: {وكنت نسياً منسياً} أي شيئاً لا يعرف ولا يذكر ولا يدري من أنا. وقال الربيع بن أنس: {وكنت نسياً منسياً} هو السقط. وقال ابن زيد: لم أكن شيئاً قط، وقد قدمنا الأحاديث الدالة على النهي عن تمني الموت إلا عند الفتنة عند قوله: {توفني مسلماً وألحقني بالصالحين}



فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ أَلاّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً * وَهُزّىَ إِلَيْكِ بِجِذْعِ النّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرّي عَيْناً فَإِمّا تَرَيِنّ مِنَ البَشَرِ أَحَداً فَقُولِيَ إِنّي نَذَرْتُ لِلرّحْمَـَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً



قرأ بعضهم: {من تحتها} بمعنى الذي تحتها، وقرأ الاَخرون: {من تحتها} على أنه حرف جر، واختلف المفسرون في المراد بذلك من هو ؟ فقال العوفي وغيره عن ابن عباس {فناداها من تحتها} جبريل، ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها، وكذا قال سعيد بن جبير والضحاك وعمرو بن ميمون والسدي وقتادة: إنه الملك جبرائيل عليه الصلاة والسلام، أي ناداها من أسفل الوادي. وقال مجاهد: {فناداها من تحتها} قال: عيسى بن مريم، وكذا قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: قال الحسن: هو ابنها، وهو إحدى الروايتين عن سعيد بن جبير أنه ابنها، قال: أو لم تسمع الله يقول: {فأشارت إليه} واختاره ابن زيد وابن جرير في تفسيره

وقوله: {أن لا تحزني} أي ناداها قائلاً لا تحزني {قد جعل ربك تحتك سريا} قال سفيان الثوري وشعبة عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب {قد جعل ربك تحتك سريا} قال: الجدول، وكذا قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: السري النهر، وبه قال عمرو بن ميمون نهر تشرب منه. وقال مجاهد: هو النهر بالسريانية. وقال سعيد بن جبير: السري النهر الصغير بالنبطية. وقال الضحاك: هو النهر الصغير بالسريانية. وقال إبراهيم النخعي: هو النهر الصغير. وقال قتادة: هو الجدول بلغة أهل الحجاز، وقال وهب بن منبه: السري هو ربيع الماء. وقال السدي: هو النهر، واختار هذا القول ابن جرير

وقد ورد في ذلك حديث مرفوع، فقال الطبراني: حدثنا أبو شعيب الحراني، حدثنا يحيى بن عبد الله البابلي، حدثنا أيوب بن نهيك، سمعت عكرمة مولى ابن عباس يقول، سمعت ابن عمر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن السري الذي قال الله لمريم {قد جعل ربك تحتك سريا} نهر أخرجه الله لتشرب منه» وهذا حديث غريب جداً من هذا الوجه. وأيوب بن نهيك هذا هو الحبلى، قال فيه أبو حاتم الرازي: ضعيف. وقال أبو زرعة: منكر الحديث. وقال أبو الفتح الأزدي: متروك الحديث. وقال آخرون المراد بالسري عيسى عليه السلام، وبه قال الحسن والربيع بن أنس ومحمد بن عباد بن جعفر، وهو إحدى الروايتين عن قتادة، وقول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم والقول الأول أظهر. ولهذا قال بعده: {وهزي إليك بجذع النخلة} أي وخذي إليك بجذع النخلة. قيل: كانت يابسة، قاله ابن عباس. وقيل: مثمرة. قال مجاهد: كانت عجوة. وقال الثوري عن أبي داود نفيع الأعمى: كانت صرفانة، والظاهر أنها كانت شجرة، ولكن لم تكن في إبان ثمرها، قاله وهب بن منبه، ولهذا امتن عليها بذلك بأن جعل عندها طعاماً وشراباً فقال: {تساقط عليك رطباً جنباً * فكلي واشربي وقري عيناً} أي طيبي نفساً، ولهذا قال عمرو بن ميمون: ما من شيء خير للنفساء من التمر والرطب، ثم تلا هذه الاَية الكريمة

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا شيبان، حدثنا مسرور بن سعيد التميمي، حدثنا عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي عن عروة بن رويم، عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أكرموا عمتكم النخلة، فإنها خلقت من الطين الذي خلق منه آدم عليه السلام، وليس من الشجر شيء يلقح غيرها» وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أطعموا نساءكم الولد الرطب، فإن لم يكن رطب فتمر، وليس من الشجر شجرة أكرم على الله من شجرة نزلت تحتها مريم بنت عمران» هذا حديث منكر جداً ورواه أبو يعلى عن شيبان به. وقرأ بعضهم {تساقط} بتشديد السين، وآخرون بتخفيفها. وقرأ أبو نهيك {تُسْقط عليك رطباً جنياً} وروى أبو إسحاق عن البراء أنه قرأها {يَسّاقَطُ} أي الجذع، والكل متقارب

وقوله: {فإما ترين من البشر أحداً} أي مهما رأيت من أحد {فقولي إني نذرت للرحمن صوماً فلن أكلم اليوم إنسياً} المراد بهذا القول الإشارة إليه بذلك، لا أن المراد به القول اللفظي لئلا ينافي {فلن أكلم اليوم إنسياً} قال أنس بن مالك في قوله: {إني نذرت للرحمن صوماً} قال: صمتاً، وكذا قال ابن عباس والضحاك، وفي رواية عن أنس: صوماً وصمتاً، وكذا قال قتادة وغيرهما، والمراد أنهم كانوا إذا صاموا في شريعتهم يحرم عليهم الطعام والكلام، نص على ذلك السدي وقتادة وعبد الرحمن بن زيد. وقال أبو إسحاق عن حارثة قال: كنت عند ابن مسعود، فجاء رجلان فسلم أحدهما ولم يسلم الاَخر، فقال: ما شأنك ؟ قال أصحابه: حلف أن لا يكلم الناس اليوم، فقال عبد الله بن مسعود: كلم الناس وسلم عليهم، فإن تلك امرأة علمت أن أحداً لا يصدقها أنها حملت من غير زوج، يعني بذلك مريم عليها السلام، ليكون عذراً لها إذا سئلت. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير رحمها الله. وقال عبد الرحمن بن زيد: لما قال عيسى لمريم: {لا تحزني} قالت: وكيف لا أحزن وأنت معي، لا ذات زوج ولا مملوكة ؟ أي شيء عذري عند الناس ؟ يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً، قال لها عيسى: أنا أكفيك الكلام {فإما ترين من البشر أحداً فقولي إني نذرت للرحمن صوماً فلن أكلم اليوم إنسياً} قال هذا كله من كلام عيسى لأمه، وكذا قال وهب



فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُواْ يَمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً * يَأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمّكِ بَغِيّاً * فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُواْ كَيْفَ نُكَلّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً * قَالَ إِنّي عَبْدُ اللّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصّلاَةِ وَالزّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً * وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبّاراً شَقِيّاً * وَالسّلاَمُ عَلَيّ يَوْمَ وُلِدْتّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً



يقول تعالى مخبراً عن مريم حين أمرت أن تصوم يومها ذلك وأن لا تكلم أحداً من البشر، فإنها ستكفى أمرها ويقام بحجتها، فسلمت لأمر الله عز وجل واستسلمت لقضائه، فأخذت ولدها فأتت به قومها تحمله، فلما رأوها كذلك أعظموا أمرها واستنكروه جداً، و{قالوا يا مريم لقد جئت شيئاً فريا}، أي أمراً عظيماً، قاله مجاهد وقتادة والسدي وغير واحد. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي زياد، حدثنا سيّار، حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا أبو عمران الجوني عن نوف البكالي قال: وخرج قومها في طلبها، قال: وكانت من أهل بيت نبوة وشرف فلم يحسوا منها شيئاً، فلقوا راعي بقر فقالوا: رأيت فتاة كذا وكذا نعتها ؟ قال: لا ولكني رأيت الليلة من بقري مالم أره منها قط، قالوا: وما رأيت ؟ قال: رأيتها الليلة تسجد نحو هذا الوادي

قال عبد الله بن زياد: وأحفظ عن سيّار أنه قال: رأيت نوراً ساطعاً فتوجهوا حيث قال لهم، فاستقبلتهم مريم، فلما رأتهم قعدت وحملت ابنها في حجرها فجاؤوا حتى قاموا عليها {وقالوا يا مريم لقد جئت شيئاً فريا} أمراً عظيماً {يا أخت هارون} أي يا شبيهة هارون في العبادة {ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغياً} أي أنت من بيت طيب طاهر معروف بالصلاح والعبادة والزهادة، فكيف صدر هذا منك ؟ قال علي بن أبي طلحة والسدي: قيل لها: {يا أخت هارون} أي أخي موسى، وكانت من نسله كما يقال للتميمي: يا أخا تميم، وللمضري يا أخا مضر، وقيل: نسبت إلى رجل صالح كان فيهم اسمه هارون، فكانت تقاس به في الزهادة والعبادة، وحكى ابن جرير عن بعضهم أنهم شبهوها برجل فاجر كان فيهم يقال له هارون

ورواه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير، وأغرب من هذا كله ما رواه ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين الهجستاني، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا المفضل بن فضالة، حدثنا أبو صخر عن القرظي في قوله الله عز وجل: {يا أخت هارون} قال: هي أخت هارون لأبيه وأمه، وهي أخت موسى أخي هارون التي قصت أثر موسى {فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون} وهذا القول خطأ محض، فإن الله تعالى قد ذكر في كتابه أنه قفى بعيسى بعد الرسل، فدل على أنه آخر الأنبياء بعثاً، وليس بعده إلا محمد صلوات الله وسلامه عليهما، ولهذا ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أنا أولى الناس بابن مريم إلا أنه ليس بيني وبينه نبي» ولو كان الأمر كما زعم محمد بن كعب القرظي، لم يكن متأخراً عن الرسل سوى محمد، ولكان قبل سليمان وداود، فإن الله قد ذكر أن داود بعد موسى عليهما السلام في قوله تعالى: {ألم تر إلى الملإِ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله} وذكر القصة إلى أن قال: {وقتل داود جالوت} الاَية، والذي جرأ القرظي على هذه المقالة ما في التوراة بعد خروج موسى وبني إسرائيل من البحر وإغراق فرعون وقومه، قال: وكانت مريم بنت عمران أخت موسى وهارون النبيين تضرب بالدف هي والنساء معها يسبحن الله ويشكرنه على ما أنعم به على بني إسرائيل، فاعتقد القرظي أن هذه هي أم عيسى وهذه هفوة وغلطة شديدة، بل هي باسم هذه، وقد كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم وصالحيهم، كما قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن إدريس، سمعت أبي يذكره عن سماك عن علقمة بن وائل عن المغيرة بن شعبة قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نجران فقالوا: أرأيت ما تقرؤون {يا أخت هارون} وموسى قبل عيسى بكذا وكذا ؟ قال: فرجعت فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ألا أخبرتهم أنهم كانوا يتسمون بالأنبياء والصالحين قبلهم» انفرد بإخراجه مسلم والترمذي والنسائي من حديث عبد الله بن إدريس عن أبيه عن سماك به، وقال الترمذي حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن إدريس، وقال ابن جرير: حدثني يعقوب حدثنا ابن علية عن سعيد بن أبي صدقة عن محمد بن سيرين قال أنبئت أن كعباً قال إن قوله: {يا أخت هارون} ليس بهارون أخي موسى قال فقالت له عائشة كذبت قال يا أم المؤمنين إن كان النبي صلى الله عليه وسلم قاله فهو أعلم وأخبر وإلا فإني أجد بينهما ستمائة سنة قال فسكتت وفي هذا التاريخ نظر

وقال ابن جرير أيضاً: حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد عن قتادة قوله: {يا أخت هارون} الاَية، قال: كانت من أهل بيت يعرفون بالصلاح ولا يعرفون بالفساد، ومن الناس من يعرفون بالصلاح ويتوالدون به، وآخرون يعرفون بالفساد ويتوالدون به، وكان هارون مصلحاً محبباً في عشيرته وليس بهارون أخي موسى ولكنه هارون آخر، قال: وذكر لنا أنه شيع جنازته يوم مات أربعون ألفاً كلهم يسمى هارون من بني إسرائيل. وقوله: {فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبياً} أي إنهم لما استرابوا في أمرها واستنكروا قضيتها وقالوا لها ما قالوا معرضين بقذفها ورميها بالفرية، وقد كانت يومها ذلك صائمة صامتة، فأحالت الكلام عليه، وأشارت لهم إلى خطابه وكلامه، فقالوا متهكمين بها ظانين أنها تزدري بهم وتلعب بهم {كيف نكلم من كان في المهد صبياً} قال ميمون بن مهران: {فأشارت إليه} قالت كلموه، فقالوا: على ما جاءت به من الداهية تأمرنا أن نكلم من كان في المهد صبياً، وقال السدي لما «أشارت إليه» غضبوا وقالوا: لسخريتها بنا حتى تأمرنا أن نكلم هذا الصبي أشد علينا من زناها {قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبياً} أي من هو موجود في مهده في حال صباه وصغره، كيف يتكلم ؟ قال: {إني عبد الله}، أول شيء تكلم به أن نزه جناب ربه تعالى وبرأه عن الولد، وأثبت لنفسه العبودية لربه

وقوله: {آتاني الكتاب وجعلني نبياً} تبرئة لأمه مما نسبت إليه من الفاحشة، قال نوف البكالي: لما قالو لأمه ما قالوا، كان يرتضع ثديه، فنزع الثدي من فمه واتكأ على جنبه الأيسر وقال {إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً ـ إلى قوله ـ ما دمت حياً} وقال حماد بن سلمة عن ثابت البناني: رفع أصبعه السبابة فوق منكبه وهو يقول: {إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً} الاَية، وقال عكرمة: {آتاني الكتاب} أي قضى أنه يؤتيني الكتاب فيما قضى، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن المصفى، حدثنا يحيى بن سعيد هو العطار عن عبد العزيز بن زياد، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان عيسى بن مريم قد درس التوارة وأحكمها وهو في بطن أمه، فذلك قوله: {إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً} يحيى بن سعيد العطار الحمصي متروك

وقوله: {وجعلني مباركاً أينما كنت} قال مجاهد وعمرو بن قيس والثوري: وجعلني معلماً للخير. وفي رواية عن مجاهد: نفاعاً. وقال ابن جرير: حدثني سليمان بن عبد الجبار، حدثنا محمد بن يزيد بن خنيس المخزومي، سمعت وهيب بن الورد مولى بني مخزوم قال: لقي عالم عالماً هو فوقه في العلم، فقال له: يرحمك الله ما الذي أعلن من عملي ؟ قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنه دين الله الذي بعث به أنبياءه إلى عباده، وقد أجمع الفقهاء على قول الله: {وجعلني مباركاً أينما كنت} وقيل: ما بركته ؟ قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أينما كان. وقوله: {وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً} كقوله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم : {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين}. وقال عبد الرحمن بن القاسم عن مالك بن أنس في قوله { وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً} قال: أخبره بما هو كائن من أمره إلى أن يموت، ماأبينها لأهل القدر

وقوله: {وبراً بوالدتي} أي وأمرني ببر والدتي، ذكره بعد طاعة الله ربه، لأن الله تعالى كثيراً ما يقرن بين الأمر بعبادته وطاعة الوالدين، كما قال تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً} وقال {أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير}. وقوله: {ولم يجعلني جباراً شقياً} أي ولم يجعلني جباراً مستكبراً عن عبادته وطاعته وبر والدتي، فأشقى بذلك. قال سفيان الثوري: الجبار الشقي الذي يقتل على الغضب. وقال بعض السلف: لا تجد أحداً عاقاً لوالديه إلا وجدته جباراً شقياً، ثم قرأ: {وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً} قال: ولا تجد سيء الملكة إلا وجدته مختالاً فخوراً، ثم قرأ: {وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً}

قال قتادة: ذكر لنا أن امرأة رأت ابن مريم يحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص في آيات سلطه الله عليهن وأذن له فيهن، فقالت: طوبى للبطن الذي حملك، وطوبى للثدي الذي أرضعت به، فقال نبي الله عيسى عليه السلام يجيبها: طوبى لمن تلا كتاب الله فاتبع ما فيه، ولم يكن جباراً شقياً. وقوله: {والسلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حياً} إثبات منه لعبوديته لله عز وجل، وأنه مخلوق من خلق الله يحيى ويموت ويبعث كسائر الخلائق، ولكن له السلامة في هذه الأحوال التي هي أشق ما يكون على العباد، صلوات الله وسلام
ه عليه



_________________
الحمدلله
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://abubaker.jordanforum.net
 
تفسير سورة مريم - من آية 1 - نهاية الآية 33
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الأصدقاء :: هدايات وإرشادات وتوجيهات إسلامية :: تفسير القران الكريم "ابن كثير"-
انتقل الى: