منتدى الأصدقاء
{وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }يونس25
And God calls to the House of Peace and guides whom He wills to a Straight Path} Younis 25
نحن سعداء للمشاركة في (منتدى الأصدقاء)
We are pleased to join in ( Forum Friends )
يشرفنا تسجيلك
We are honored register you
إدارة المنتدى
Management of Forum



منتدى الأصدقاء
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالمجموعاتالتسجيلدخول

( أهلا وسهلا بكم في منتدى الأصدقاء Welcome to the forum Friends >> الرجاء تسجيل الدخول للتعرف على فضائل الأعمال التي يحبها الله Please log in to learn about the virtues of Business loved by God

المواضيع الأخيرة
» (من شهد له خزيمة فهو حسبه). وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} [هود: 1].
الإثنين نوفمبر 28, 2016 7:52 pm من طرف abubaker

» (مَنْ شهد له خزيمة فحَسْبه). قال: يا رسول الله أَأُصدِّقُك في خبر السماء، وأُكذِّبك في عِدّة دراهم؟ --- وقوله تعالى: {أَن يَرْحَمَكُمْ..} [الإسراء: 8].
الإثنين نوفمبر 28, 2016 7:38 pm من طرف abubaker

» إزالة الظل الأزرق الذي يظهر تحت أيقونات سطح المكتب
السبت نوفمبر 26, 2016 7:22 pm من طرف abubaker

» لأن الاسم إذا أُطلِق عَلَماً على الغير انحلَّ عن معناه الأصلي ولزم العَلَمية فقط، لكن أسماء الله بقيتْ على معناها الأصلي حتى بعد أنْ أصبحتْ عَلَماً على الله تعالى، فهي إذن أسماء حُسْنى.
الإثنين نوفمبر 21, 2016 2:51 pm من طرف abubaker

»  إننا نجد أن بعضا من أسماء الله سبحانه وتعالى له مقابل، ومن أسماء الله الحسنى ما لا تجد له مقابلا. فإذا قيل “المحيي” تجد “المميت” لكن الصفة إن لم يوجد لها مقابل نسميها صفة ذات، فهو “حي” ولا نأتي بالمقابل
الإثنين نوفمبر 21, 2016 2:34 pm من طرف abubaker

» تابع / إننا نجد أن بعضا من أسماء الله سبحانه وتعالى له مقابل، ومن أسماء الله الحسنى ما لا تجد له مقابلا. فإذا قيل “المحيي” تجد “المميت” لكن الصفة إن لم يوجد لها مقابل نسميها صفة ذات، فهو “حي” ولا نأتي بالمقابل
الإثنين نوفمبر 21, 2016 2:27 pm من طرف abubaker

»  فالاسم هو العَلَم الذي وُضِع للدلالة على هذا اللفظ. / الذكْر: له معانٍ متعددة، فالذكْر هو الإخبار بشيء / والرحمة: هي تجليّات الراحم على المرحوم بما يُديم له صلاحه لمهمته - من سورة مريم
الأحد نوفمبر 20, 2016 5:38 pm من طرف abubaker

»  فالاسم هو العَلَم الذي وُضِع للدلالة على هذا اللفظ. / {كهيعص(1)}
الأحد نوفمبر 20, 2016 5:01 pm من طرف abubaker

» إدارة Google Voice والسجل الصوتي
الإثنين نوفمبر 14, 2016 2:10 pm من طرف abubaker

ازرار التصفُّح
 البوابة
 الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث
التبادل الاعلاني

شاطر | 
 

 {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً }الفرقان1

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
abubaker



ذكر
عدد المساهمات : 18466
تاريخ التسجيل : 23/12/2010
العمر : 66
الدولـة : jordan

مُساهمةموضوع: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً }الفرقان1   الخميس مارس 19, 2015 7:59 am

{تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا(1)}
{تَبَارَكَ} [الفرقان: 1] مادة الباء والراء والكاف عادةً تدلُّ على البركة، وهي أن يعطيك الشيء من الخير فوق ما تظن فيه ويزيد عن تقديرك، كما لو رأيتَ طعام الثلاثة يكفي العشرة، فتقول: إن هذا الطعام مُبَاركٌ أو فيه بركة.
ومن معاني تبارك: تعالى قَدْره و{تَبَارَكَ} [الفرقان: 1] تنزّه عن شبه ما سواه، وتبارك: عَظُم خَيْره وعطاؤه. وهذه الثلاثة تجدها مُكمِّلة لبعضها.
ومن العجيب أن هذا اللفظ {تَبَارَكَ} [الفرقان: 1] مُعجز في رَسْمه ومُعْجز في اشتقاقه، فلو تتعبتَ القرآن لوجدتَ أن هذه الكلمة وردتْ في القرآن تسْع مرات: سبع منها بالألف {تَبَارَكَ} [الفرقان: 1] ومرتان بدون الألف، فلماذا لم تُكتب بالألف في الجميع، أو بدونها في الجميع؟ ذلك ليدلُّك على أن رَسْم القرآن رَسْم توقيفيّ، ليس أمراً(ميكانيكياً)، كما في قوله تعالى في أول سورة العلق: {اقرأ باسم رَبِّكَ الذي خَلَقَ} [العلق: 1] فرَسْم كلمة اسم هنا بالألف، وفي باقي القرآن بدون الألف.
إذن: فالقرآن ليس عادياً في رَسْمه وكتابته، وليس عادياً في قراءته، فأنت تقرأ في أي كتاب آخر على أيِّ حال كنتَ، إلا في القرآن لابد أن تكون على وضوء وتدخل عليه بطُهْر.. الخ ما نعلم من آداب تلاوة القرآن.
ومن حيث الاشتقاق نعلم أن الفعل يُشتَقُّ منه الماضي والمضارع والأمر واسم الفاعل.. إلخ، لكن {تَبَارَكَ} [الفرقان: 1] لم يذكر منها القرآن إلا هذه الصيغة، وكأنه يريد أنّْ يخصَّها بتنزيه الله تعالى، مثلها مثل كلمة سبحان؛ لذلك على كثرة ما مرَّ في التاريخ من الجبابرة أرغموا الناس على مدحهم والخضوع لهم، لكن ما رأينا واحداً مهما كان مجرماً في الدين يقول لأحد هؤلاء: سبحانك.
لذلك نقول في تسبيح الله: سبحانك، ولا تُقال إلا لك. مهما اجترأ الملاحدة فإنهم لا ينطقونها لغير الله.
إذن: {تَبَارَكَ} [الفرقان: 1] تدور حول معَانٍ ثلاثة: تعالى قَدْره، وتنزَّه عن مشابهة ما سواه، وعَظُم خَيْره وعطاؤه، ومَنْ تعاظُم خَيْره سبحانه أنه لا مثيل له: في قَدْره، ولا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في فعله. وهذا كله من مصلحتنا نحن، فلا كبيرَ إلا الله، ولا جبارَ إلا الله، ولا غنيَّ إلا الله.
وسُمِّي القرآن فرقاناً؛ لأنه يُفرِّق بين الحق والباطل، وقد نزل القرآن ليُخرج الناسَ من الظلمات إلى النور، فيسير الناس على هُدىً وعلى بصيرة، فالقرآن إذن فَرَق لهم مواضع الخير عن مواضع العطب، فالفرقان سائر في كل جهات الدين، ففي الدين قمة هي الحق تبارك وتعالى ومُبلِّغ عن القمة هو الرسول صلى الله عليه وسلم، ومُرْسَل إليه هم المؤمنون، فجاء القرآن ليفرُقَ بين الحق والباطل في هذه الثلاثة.
ففي القمة، وُجدِ مَنْ ينكر وجود إله خالق لهذا الكون، وآخرون يقولون بوجود آلهة متعددة، وكلاهما على طرفي نقيض للآخر، ليس هناك سيال فكر يجمعهم، فجاء القرآن ليفرق بين الحق والباطل في هذه المسألة، ويقول: الأمر وسط بين ما قُلْتم: فالإله موجود، لكنه إله واحد لا شريكَ له، ففرقَ في مسألة القمة.
كذلك فَرق في مسألة الرسول وهو بشر من قومه، فلما اعترض بعضهم عليه وحسدوه على هذه المكانة وهو واحد منهم أيَّده الله بالمعجزة التي تُؤيده وتُظهِر صِدْقه في البلاغ عن الله، وكانت معجزته صلى الله عليه وسلم في شيء نبغ فيه القوم، وهي الفصاحة والبلاغة والبيان، والعرب أهل بيان، وهذه بضاعتهم الرائجة وتحدَّاهم بهذه المعجزة فلم يستطيعوا.
وكذلك فَرَق في مسألة الخَلْق من حيث مُقوِّمات حياتهم، فبيَّن لهم الحلال والحرام، وفي استبقاء النوع بيَّن لهم الحلال، وشرع لهم الزواج، ونهاهم عن الزنا ليحفظ سلالة الخليفة لله في الأرض.
إذن: فَرق القرآن في كل شيء: في الإله، وفي الرسول، وفي قِوَام حياة المرسَل إليهم، وما دام قد فَرقَ في كل هذه المسائل فلا يوجد لفظ أفضل من أن نُسمِّيه (الفرقان).
ولا شكَّ أن الألفاظ التي ينطق بها الحق تبارك وتعالى لها إشعاعات، وفي طياتها معَانٍ يعلمها أهل النظر والبصيرة ممَّنْ فتح الله عليهم، وما أشببها بفصوص الماس! والذي جعل الماس ثميناً أن به في كل ذرة من ذراته تكسراتٍ إشعاعية ليست في شيء غيره، فمن أيِّ ناحية نظرتَ إليه قابلك شعاع معكوس يعطي بريقاً ولمعاناً يتلألأ من كل نواحيه، وكذلك ألفاظ القرآن الكريم.
ومن معاني الفرقان التي قال بها بعض العلماء أنه نزل مُفَرَّقاً، كما جاء في قوله تعالى: {وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ} [الإسراء: 106] يعني: أنزلناه مُفرَّقاً لم ينزل مرة واحدة كالكتب السابقة عليه، وللحق تبارك وتعالى حكمة في إنزال القرآن مُفرقاً، حيث يعطي الفرصة لكل نَجْم ينزل من القرآن أنْ يستوعبه الناس؛ لأنه يرتبط بحادثة معينة، كذلك ليحدث التدرّج المطلوب في التشريعات.
يقول تعالى: {وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى الناس على مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً} [الإسراء: 106].
لقد كان المسلمون الأوائل في فترة نزول القرآن كثيري الأسئلة، يستفسرون من رسول الله عن مسائل الدين، كما قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهلة} [البقرة: 189] {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر} [البقرة: 219] {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنفال} [الأنفال: 1] فكان النجم من القرآن ينزل ليُجيب عليهم ويُشرَّع لهم، وما كان يتأتَّى ذلك لو نزل القرآن جملة واحدة.
وكلمة: {نَزَّلَ الفرقان} [الفرقان: 1] تؤيد هذا المعنى وتسانده؛ لأن نزّل تفيد تكرار الفعل غير (أنزل) التي تفيد تعدِّى الفعل مرة واحدة.
وقوله تعالى: {على عَبْدِهِ} [الفرقان: 1] كأن حيثية التنزيل عليه هي العبودية لله تعالى، فهو العبد المأمون أن ينزل القرآن عليه.
وسبق أن قلنا: أن العبودية لفظ بغيض إنِ استُعمِل في غير جانب الحق سبحانه، أمّا العبودية لله فيه عِزٌّ وشرف ولفظ محبوب في عبودية الخَلْق للخالق؛ لأن العبودية للبشر يأخذ السيد خير عبده، أمّا العبودية لله فيأخذ العبد خير سيده.
لذلك جعل الله تعالى العبودية له سبحانه حيثية للارتقاء السماوي في رحلة الإسراء، فقال: {سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ} [الإسراء: 1] فالرِّفْعة هنا جاءتْ من العبودية لله.
ثم يقول سبحانه: {لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً} [الفرقان: 1] العالمين: جمع عَالَم، والعَالَم ما سوى الله تعالى، ومن العوالم: عالم الملائكة، عالم الإنس، وعالم الجن، وعالم الحيوان، وعالم النبات، وعالم الجماد، إلا أن بعض هذه العوالم لم يَأْتِها بشير ولا نذير؛ لأنها ليست مُخيَّرة، والبشارة والنذارة لا تكون إلا للمخيّر.
يقول تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السماوات والأرض والجبال فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسان إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} [الأحزاب: 72].
فإنْ عزلْتَ من هذه العوالم مَنْ ليس له اختيار، فيتبقى منها: الجنّ والإنس، وإليهما أُرسل الرسول صلى الله عليه وسلم بشيراً ونذيراً، لكن لماذا قال هنا {لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً} [الفرقان: 1] ولم يقل: بشيراً ونذيراً؟
قالوا: لأنه سبحانه سيتكلم هنا عن الذين خاضوا في الألوهية، وهؤلاء تناسبهم النَّذَارة لا البشارة؛ لذلك قال في الآية بعدها: {الذي لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض}

{الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا(2)}
في آخر سورة النور قال سبحانه: {ألا إِنَّ للَّهِ مَا فِي السماوات والأرض} [النور: 64] فذكر ملكية المظروف، وهنا قال: {الذي لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض} [الفرقان: 2] فذكر مِلْكية الظرف أي: السماوات والأرض.
ثم تكلّم سبحانه في مسألة القمة التي تجرّأوا عليها، فقال: {وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ} [الفرقان: 2].
وسبق أنْ تكلمنا كثيراً عن مسألة اتخذا الولد والحكمة منها، فالناس تحب الولد، إما ليكون امتداداً للذكْر، وإما ليساند والده حالَ ضَعْفه، وإما للكثرة، والحق تبارك وتعالى هو الحيُّ الباقي الذي لا يموت، ولا يحتاج لمن يُخلِّد ذِكْراه، وهو القويُّ الذي لا يحتاج لغيره، فَلِمَ إذنْ يتخذ ولداً؟
وقوله: {وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ} [الفرقان: 2] وهذا أمر يؤيده الواقع؛ لأن الله تعالى أول ما شَهِد شهد لنفسه، فقال سبحانه: {شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُواْ العلم} [آل عمران: 18].
أي: لما خلقتُ الملائكة شهدوا لله تعالى، ثم شهد أولو العلم بالاستدلال، فشهادة الحق سبحانه لنفسه شهادة الذات للذات، والملائكة شهدتْ شهادةَ المشاهدة، ونحن شهدنا شهادةَ الاستدلال والبرهان.
والحق تبارك وتعالى يُعطينا الدليل على صِدْق هذه الشهادة، فيقول تعالى: {مَا اتخذ الله مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إله بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ} [المؤمنون: 91].
وقال سبحانه: {قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إلى ذِي العرش سَبِيلاً} [الإسراء: 42].
وهذا هو التفصيل المنطقي العاقل الذي نردُّ به على هؤلاء، فلو كان مع الله تعالى آلهة أخرى لَذهبَ كل منهم بجزء من الكون، وجعله إقطاعية خاصة به، وعَلاَ كل منهم على الآخر وحاربه، ولو كان معه سبحانه آلهة أخرى لاجتمعوا على هذا الذي أخذ الملْك منهم ليحاكموه أو ليتوسَّلوا إليه.
وقلنا: إن الدَّعْوى تثبُتُ لصاحبها إذا لم يَدّعِهَا أحد غيره لنفسه، وهذه المسألة لم يدَّعها أحد، فهي إذن ثابتة لله تعالى إلى أنْ يُوجَد مَنْ يدَّعي هذا الخَلْق لنفسه.
وسبق أنْ مثَّلْنا لذلك بجماعة في مجلس فَقَد أحدهم محفظته فيه، ولما انصرفوا وجدها صاحب البيت، فسألهم عنها، فلم يدَّعِها أحد منهم، ثم اتصل به أحدهم يقول: إنها لي، فلا شكّ أنها له حتى يوجد مُدَّعٍ آخر، فنفصل بينهما.
ثم يقول تعالى: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً} [الفرقان: 2] فخَلْق الله تعالى ليس خَلْقاً كما اتفق، إنما خَلْقه سبحانه بقَدَرٍ وحساب وحكمة، فيخلق الشيء على قَدْر مهمته التي يُؤدِّيها؛ لذلك قال في موضع آخر: {الذي خَلَقَ فسوى والذي قَدَّرَ فهدى} [الأعلى: 23].

{وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا(3)}
أي: أتوْا بآلهة غير الله، هذه الآلهة بإقرارهم وبشهادتهم وواقعهم لا تخلق شيئاً، ويا ليتها فقط لا تخلق شيئاً، ولكن هي أنفسها مخلوقة، فاجتمع فيها الأمران.
وهذه من الآيات التي وقف عندها المستشرقون وقالوا: إن فيها شهبة تناقض؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: {فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين} [المؤمنون: 14] فأثبت أن معه آخرين لهم صفة الخَلْق، بدليل أنه جمعهم معه، وهو سبحانه أحسنهم. وفي موضع آخر يقول سبحانه: {وَرَسُولاً إلى بني إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أني أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ الله} [آل عمران: 49].
وللردِّ على هؤلاء نقول: تعالوْا أولاً نفهم معنى الخَلْق، الخَلْق: إيجاد لمعدوم، كما مثّلْنا سابقاً بصناعة كوب الزجاج من صَهْر بعض المواد، فالكوب كان معدوماً وهو أوجده، لكن من شيء موجود، كما أن الكوب يجمد على حالته، لكن الحق سبحانه وتعالى يُوجِد من معدوم: معدوماً من معدوم، ويُوجده على هيئة فيها حياة ونمو وتكاثر من ذاته، كما قال سبحانه: {وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الذاريات: 49].
والذين يصنعون الآن الورد الصناعي، ويحاولون جاهدين مُضَاهاة الورد الطبيعي الذي خلقه، فيضعون عليه رائحة الورد ليتوفر لها الشكل والرائحة، ثم ترى الوردة الصناعية زاهية لا تذبُل، لكن العظمة في الوردة الطبيعية أنها تذبل؛ لأن ذُبولها يدلُّ على أن بها حياة.
لذلك سمَّى اللهُ الإنسانَ خالقاً، فأنصفه واحترم إيجاده للمعدوم، لكنه سبحانه أحسنُ الخالقين، ووَجْه الحُسْن أن الله تعالى خلق من لا شيء، وأنت خلقتَ من موجود، الله خلق خَلْقاً فيه حياة ونمو وتكاثر، وأنت خلقتَ شيئاً جامداً على حالته الأولى، ومع ذلك أنصفك ربك.
ففي قوله تعالى: {أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير} [آل عمران: 49] معلوم أنه في مقدور كل إنسان أنْ يُصوِّر من الطين طَيْراً؟ ويُصمِّمه على شكله، لكن أَيُقال له: إنه خلق بهذا التصوير طَيْراً؟ وهل العظمة في تصويره على هيئة الطير؟ العظمة في أنْ تبعثَ فيه الحياة، وهذه لا تكون إلا من عند الله؛ لذلك قال عيسى عليه السلام: {فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ الله} [آل عمران: 49].
فإنْ سلَّمْنا أنهم يخلقون شيئاً فهم في ذات الوقت مخلوقون، والأدْهَى من هذا أن الذي يتخذونه إلهاً لا يستطيع حتى أن يحمي نفسه أو يقيمها، إنْ أطاحتْ به الريح، وإنْ كُسِر ذراع الإله أخذوه لِيُرمموه، الإله في يد العامل ليصلحه!! شيء عجيب وعقليات حمقاء.
لذلك يقول تعالى عن آلهتهم: {إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ اجتمعوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذباب شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطالب والمطلوب} [الحج: 73].
ثم يقول سبحانه: {وَلاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً} [الفرقان: 3] يعني: لا تنفعهم إنْ عبدوها، ولا تضرّهم إنْ كفروا بها {وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلاَ حَيَاةً وَلاَ نُشُوراً} [الفرقان: 3] أي: موتاً أو حياة لغيرهم، فهم لا يملكون شيئاً من هذا كله، لأنه من صفات الإله الحق الذي يُحيي ويُميت، ثم ينشر الناس في الآخرة. إذن: للإنسان مراحل متعددة، فبعد أنْ كان عَدَماً أوجده الله، ثم يطرأ عليه الموت فيموت، ثم يبعثه الله، ويُحييه حياة الآخرة.
ثم يقول الحق سبحانه: {وَقَالَ الذين كفروا إِنْ هذا إِلاَّ إِفْكٌ}                                                                                                                           ==================================================================={وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا(4)}
بعد أن تكلم الفرقان وفرَق في مسألة القمة والألوهية واتخاذ الولد والشركاء، وبيَّن الإله الحق من الإله الباطل، أراد سبحانه أنْ يتكلّم عن الفرقان في الرسالة، فيحكى ما قاله الكفار عن القرآن {إِنْ هذا} [الفرقان: 4] يعني: ما هذا أي القرآن الذي يقوله محمد {إِلاَّ إِفْكٌ} [الفرقان: 4] الإفك: تعمُّد الكذب الذي يقلب الحقائق، وسبق أن قُلْنا: إن النسبة الكلامية إنْ وافقت الواقع فهي صٍِدْق، وإنْ خالفتْه فهي كذب.
والإفْك قَلْب للواقع يجعل الموجود غير موجود، وغير الموجود موجوداً، كما جاء في حادثة الإفك حين اتهموا عائشة أم المؤمنين بما يخالف الواقع، فالواقع أن صفوان أناخ لها ناقته حتى ركبت دون أن ينظر إليها، وهذا يدل على مُنْتهى العِفَّة والصيانة، وهُمْ بالإفك جعلوا الطُّهْر والعفة عُهْراً.
ومن العجيب أن هؤلاء الذين اتهموا القرآن بأنه إفك هم أنفسهم الذين قالوا عنه: {لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ} [الزخرف: 31].
فهم يعترفون بالقرآن ويشهدون له، لكن يُتعبهم ويُنغِّص عليهم أن يُنزل على محمد بالذات، فلو نزل فرضاً على غير محمد لآمنوا به.
ومن حُمْقهم أن يقولوا: {اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال: 32].
والمنطق أن يقولوا فاهْدنا إليه، لكنه العناد والمكابرة.
وقوله: {افتراه} [الفرقان: 4] أي: ادعاه، وعجيب أمر هؤلاء، يتهمون القرآن بأنه إفك مُفْترى، فلماذا لا يفترون هم أيضاً مِثْله، وهم أمة بلاغة وبيان؟!
وفي موضع آخر يقول تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الذي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وهذا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} [النحل: 103].
وقديماً قالوا: إنْ كنتَ كذوباً فكُنْ ذكوراً، وإلا فكيف تتهمون محمداً أن رجلاً أعجمياً يُعلِّمه القرآن، والقرآن عربي؟
وقوله تعالى: {وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ} [الفرقان: 4] الذي قال هذه المقولة هو النضر بن الحارث، ولما قالها رددها بعده آخرون أمثال: عدَّاس، ويسَّار، وأبي فكيهة الرومي، والقرآن يرد على كل هذه الاتهامات: {فَقَدْ جَآءُوا ظُلْماً وَزُوراً} [الفرقان: 4] أي: حكموا به والظلم هو: الحكم بغير الحق، والزّور هو: عُدَّة الحكم ودليله. والظلم يأتي بعد الزور، لأن القاضي يستمع أولاً إلى الشهادة، ثم يُرتِّب عليها الحكم، فإن كانت الشهادةُ شهادةَ زور كان الحكم حينئذ ظالماً.
لكن الحق تبارك وتعالى يقول {ظُلْماً وَزُوراً} [الفرقان: 4] وهذا دليل على أن الحكم جاء منهم مُسبقاً، ثم التمسوا له دليلاً.
ثم يقول الحق سبحانه: {وقالوا أَسَاطِيرُ الأولين}

{وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا(5)}
الأساطير: جمع أسطورة، مثل أعاجيب جمع أعجوبة، وأحاديث جمعُ أُحْدوثة، والبكرة أو النهار، والأصيل آخره، والمعنى أنهم قالوا عن القرآن: إنه حكايات وأساطير السابقين {اكتتبها} [الفرقان: 5] يعني: أمر بكتابتها. وهذا من ترددهم واضطراب أقوالهم، فالنبي صلى الله عليه وسلم أُميٌّ لا يقرأ ولا يكتب، وقولهم: {فَهِيَ تملى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} [الفرقان: 5] أي: باستمرار ليُكرِّرها ويحفظها.
ويردُّ القرآن عليهم: {قُلْ أَنزَلَهُ الذي يَعْلَمُ السر}

{قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا(6)}
{أَنزَلَهُ} [الفرقان: 6] أي: القرآن مرة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا {الذي يَعْلَمُ السر فِي السماوات والأرض} [الفرقان: 6] فلا تظن أنك بمجرد خَلْقك قدرْتَ أن تكشف أسرار الله في كونه، إنما ستظل إلى قيام الساعة تقف على سر، وتقف عند سر آخر.
لماذا؟ لأن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يبطل هذه المدعيات، ويأتي بأشياء غيبية لم تكن تخطر على بال المعاصرين لمحمد، ثم تتضح هذه الأشياء على مَرَّ القرون، مع أن القرآن نزل في أُمة أمية، والرسول الذي نزل عليه القرآن رجل أمي، ومع ذلك يكشف لنا القرآن كل يوم عن آية جديدة من آيات الله.
كما قال سبحانه: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق} [فصلت: 53].
والحق تبارك وتعالى يكشف لرسوله صلى الله عليه وسلم شيئاً من الغيبيات، ليراها المعاصرون له ليلقم الكفارَ الذين اتهموه حجراً، فيكشف بعض الأسرار كما حدث في بدر حيث وقف النبي صلى الله عليه وسلم في ساحة المعركة بعد أن عرف أن مكة ألقتْ بفلذات أكبادها وسادتها في المعركة، وقف يشير بعصاه إلى مصارع الكفار، ويقول: (هذا مصرع أبي جهل، وهذا مصرع عتبة بن ربيعة..). الخ يخطط على الأرض مصارع القوم.
ومَنِ الذي يستطيع أن يحكم مسبقاً على معركة فيها كَرٌّ وفَرٌّ، وضَرْب وانتقال وحركة، ثم يقول: سيموت فلان في هذا المكان.
والوليد بن المغيرة والذي قال عنه القرآن {سَنَسِمُهُ عَلَى الخرطوم} [القلم: 16] يعني: ستأتيه ضربة على أنفه تَسِمُه بسِمَة تلازمه، وبعد المعركة يتفقده القوم فيجدونه كذلك.
هذه كلها أسرار من أسرار الكون يخبر بها الحق تبارك وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم، والرسول يخبر بها أمته في غير مظنَّة العلم بها.
ومن ذلك ما يُروى من أن ابنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تزوجتا من ولدين لأبي لهب، فلما حدثت العداوة بينه وبين رسول الله أمر ولديْه بتطليق ابنتي رسول الله، وبعدها رأى أحد الولدين رسول الله ماشياً، فبصق ناحيته، ورأى رسول الله ذلك فقال له: (أكلك كلب من كلاب الله). فقال أبو لهب بعد أن علم بهذه الدعوة: أخاف على ولدي من دعوة محمد.
وعجيب أنْ يخاف الكافر من دعوة رسول الله، وهو الذي يتهمه بالسحر وبالكذب ويكفر به وبدعوته.
ولما خرج هذا الولد في رحلة التجارة إلى الشام أوصى به القوم أن يحرسوه، ويجعلوا حوله سياجاً من بضائعهم يحميه خشية أن تنفذ فيه دعوة محمد، وهذا منه كلام غير منطقي، فهو يعلم صدق النبي صلى الله عليه وسلم وأنه مُرْسَل من عند الله، لكن يمنعه من الإيمان حقده على رسول الله وتكبّره على الحق.
وخرج الولد في رحلة التجارة ورغم احتياطهم في حمياته هجم عليه سبع في إحدى الليالي واختطفه من بين أصحابه، فتعجبوا لأن رسول الله قال: (كلب من كلاب الله) وهذا أسد ليس كلباً. قال أهل العلم: ما دام أن رسول الله نسب الكلب إلى الله، فكلب الله لا يكون إلا أسداً.
فالمعنى: قل يا محمد في الرد عليهم ولإبطال دعاواهم: {أَنزَلَهُ الذي يَعْلَمُ السر فِي السماوات والأرض} [الفرقان: 6] وسوف يفضحكم ويُبطِل افتراءكم على رسول الله من قولكم إفك وكذب وافتراء وأساطير الأولين، وسوف يُخْزِيكم أمام أعْينِ الناس جميعاً.
وعلى عهد رسول الله قامتْ معركة بين الفُرْس والروم غُلبت فيها الروم، فحزن رسول الله لهزيمة الروم؛ لأنهم أهل كتاب يؤمنون بالله وبالرسول، أما الفرس فكانوا كفاراً لا يؤمنون بالله ويعبدون النار وغيرها. فمع أنهما يتفقان في تكذيبهم لرسول الله، إلا أن إيمان الروم بالله جعل رسول الله يتعصب لهم مع أنهم كافرون به، فعصبية رسول الله لا تكون إلا لربه عز وجل.
فلما حزن رسول الله لذلك أنزل الله تعالى عليه: {الم غُلِبَتِ الروم في أَدْنَى الأرض وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأمر مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المؤمنون بِنَصْرِ الله يَنصُرُ مَن يَشَآءُ وَهُوَ العزيز الرحيم} [الروم: 15].
فأيُّ عقل يستطيع أنْ يحكم على معركة ستحدث بعد عدة سنوات؟ لو أن المعركة ستحدث غداً لأمكن التنبؤ بنتيجتها، بناءً على حساب العَدد والعُدة والإمكانات العسكرية، لكن مَنْ يحكم على معركة ستدور رحاها بعد سبع سنين؟ ومَنْ يجرؤ أن يقولها قرآناً يُتْلَى ويُتعبَّد به إلى يوم القيامة. فلو أن هذه المدة مرَّت ولم يحدث ما أخبر به رسول الله لكفَر به مَنْ آمن وانفضَّ عنه مَنْ حوله.
إذن: ما قالها رسول الله قرآناً يُتْلَى ويُتعبَّد به إلا وهو واثق من صِدْق ما يخبر به؛ لأن الذي يخبره ربه عز وجل الذي يعلم السرَّ في السموات والأرض؛ لذلك قال هنا الحق سبحانه وتعالى: {قُلْ أَنزَلَهُ الذي يَعْلَمُ السر فِي السماوات والأرض} [الفرقان: 6].
ومن العجيب أن ينتصر الروم على الفُرْس في نفس اليوم الذي انتصر فيه الإيمان على الكفر في غزوة بدر، هذا اليوم الذي قال الله تعالى عنه: {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المؤمنون بِنَصْرِ الله} [الروم: 45].
وما دام أن الذي أنزل القرآن هو سبحانه الذي يعلم السِّر في السماوات والأرض، فلن يحدث تضارب أبداً بين منطوق القرآن ومنطوق الأكوان؛ لأن خالقهما واحد سبحانه وتعالى فمن أين يأتي الاختلاف أو التضارب؟
ثم يقول سبحانه: {إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً} [الفرقان: 6] فما مناسبة الحديث عن المغفرة والرحمة هنا؟ قالوا لأن الله تبارك وتعالى يريد أن يترك لهؤلاء القوم الذين يقرعهم مجالاً للتوبة وطريقاً للعودة إليه عز وجل وإلى ساحة الإيمان.
لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم لمن أشار عليه بقتل الكفار: (لعلَّ الله يُخرِج من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً).
وكان الصحابة يألمون أشد الألم إنْ أفلتَ أحد رءوس الكفر من القتل في المعركة، كما حدث مع خالد بن الوليد وعمرو بن العاص قبل إسلامهما، وهم لا يدرون أن الله تعالى كان يدَّخِرهم للإسلام فيما بعد.
فقوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً} [الفرقان: 6] حتى لا يقطع سبيل العودة إلى الإيمان بمحمد على مَنْ كان كافراً به، فيقول لهم: على رغم ما حدث منكم. إنْ عُدْتم إلى الجادة وإلى حظيرة الإيمان ففي انتظاركم مغفرة الله ورحمته.
والحق تبارك وتعالى يُبيِّن لنا هذه المسألة حتى في النزوع العاطفي عند الخَلْق، فهند بنت عتبة التي أغرتْ وَحْشِياً بقتل حمزة عم رسول الله وأسد الله وأسد رسوله، ولم تكتف بهذا، بل مثَّلتْ به بعد مقتله ولاكَتْ كبده رضي الله عنه، ومع ذلك بعد أنْ أسلمتْ وبايعتْ النبي صلى الله عليه وسلم نُسيت لها هذه الفعلة وكأنها لم تكُنْ.
ولما قال أحدهم لعمر بن الخطاب: هذا قاتل أخيك(يشير إليه) والمراد زيد بن الخطاب، فما كان من عمر إلا أن قال: وماذا أفعل به وقد هداه الله للإسلام؟
ثم يقول الحق سبحانه: {وَقَالُواْ مَالِ هذا الرسول يَأْكُلُ الطعام}.                ==================================================================={وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا(7)}
عجيب أمر هؤلاء المعاندين: يعترضون على رسول الله أنْ يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لكسْب العيش، فهل سبق لهم أنْ رَأَوْا نبياً لا يأكل الطعام، ولا يمشي في الأسواق؟ ولو أن الأمر كذلك لكان لاعتراضهم معنى، إذن: قولهم {مَالِ هذا الرسول يَأْكُلُ الطعام وَيَمْشِي فِي الأسواق} [الفرقان: 7] قولٌ بلا حجة من الواقع، ليستدركوا بهذه المسألة على رسول الله.
فماذا يريدون؟
قالوا: {لولا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً} [الفرقان: 7] صحيح أن الملَك لا يأكل، لكن معنى {لولا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ} [الفرقان: 7] يعني: يسانده، وفي هذه الحالة لن يُغيِّر من الأمر شيئاً، وسيظل كلام محمد هو هو لا يتغير. إذَن: لن يضيف الملَك جديداً إلى الرسالة.. وعليه، فكلامهم هذا سفسطة وجَدَلٌ لا معنى له.
وكلمة {فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً} [الفرقان: 7] لم يقولوا بشيراً، مما يدل على اللدَد واللجاج، وأنهم لن يؤمنوا؛ لذلك لن يفارقهم الإنذار.

{أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا(Cool}
تلحظ أنهم يتنزلون في لَدَدهم وجَدَلهم، فبعد أنْ طلبوا مَلَكاً يقولون {أَوْ يلقى إِلَيْهِ كَنْزٌ} [الفرقان: 8] أي: ينزل عليه ليعيش منه {أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا} [الفرقان: 8] أي: بستان {وَقَالَ الظالمون إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً} [الفرقان: 8].
والمسحور هو الذي ذهب السِّحْر بعقله، والعقل هو الذي يختار بين البدائل ويُرتِّب التصرُّفات، ففاقد العقل لا يمكن أن يكونَ منطقياً في تصرفاته ولا في كلامه، ومحمد صلى الله عليه وسلم ليس كذلك، فأنتم تعرفون خُلقه وأمانته، وتُسمُّونه (الصادق الأمين) وتعترفون بسلامة تصرفاته وحكمته، كيف تقولون عنه مجنون؟
لذلك يقول تعالى ردًّا عليهم: {ن والقلم وَمَا يَسْطُرُونَ ما أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 14].
والخُلُق يسوي تصرُّفات الإنسان فيجعلها مُسْعدة غير مفسدة، فكيف إذن يكون ذو الخُلق مجنوناً؟ إذن: ليس محمد مسحوراً.
وفي موضع آخر قالوا: ساحر، وعلى فرض أنه صلى الله عليه وسلم ساحر، فلماذا لم يسحركم كما سَحَر المؤمنين به؟ إنه لَجَج الباطل وتخبّطه واضطرابه في المجابهة. ثم يقول الحق سبحانه: {انظر كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الأمثال}

{انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا(9)}
{انظر} [الفرقان: 9] خطاب لإيناس رسول الله وتطمينه {كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الأمثال} [الفرقان: 9] أي: اتهموك بشتّى التهم فقالوا ساحر. وقالوا: مسحور. وقالوا: شاعر. وقالوا: كاهن {فَضَلُّواْ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً} [الفرقان: 9] لأنهم يقولون كذباً وهُرَاءً وتناقضاً في القول.
{فَضَلُّواْ} [الفرقان: 9] أي: عن المثل الذي يصدُق فيك ليصرف عنك المؤمنين بك، ويجعل الذين لم يؤمنوا يُصرُّون على كفرهم، فلم يصادفوا ولو مثلاً واحداً، فقالوا: ساحر وكذبوا وقالوا: مسحور وكذبوا {فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً} [الفرقان: 9] أي: إلى ذلك.
ثم يقول الحق سبحانه: {تَبَارَكَ الذي إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً}
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://abubaker.jordanforum.net
 
{تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً }الفرقان1
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الأصدقاء :: هدايات وإرشادات وتوجيهات إسلامية :: خواطر إيمانية - تفسير الشعراوي وأخرى-
انتقل الى: