منتدى الأصدقاء
{وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }يونس25
And God calls to the House of Peace and guides whom He wills to a Straight Path} Younis 25
نحن سعداء للمشاركة في (منتدى الأصدقاء)
We are pleased to join in ( Forum Friends )
يشرفنا تسجيلك
We are honored register you
إدارة المنتدى
Management of Forum



منتدى الأصدقاء
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالمجموعاتالتسجيلدخول

( أهلا وسهلا بكم في منتدى الأصدقاء Welcome to the forum Friends >> الرجاء تسجيل الدخول للتعرف على فضائل الأعمال التي يحبها الله Please log in to learn about the virtues of Business loved by God

المواضيع الأخيرة
» (من شهد له خزيمة فهو حسبه). وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} [هود: 1].
الإثنين نوفمبر 28, 2016 7:52 pm من طرف abubaker

» (مَنْ شهد له خزيمة فحَسْبه). قال: يا رسول الله أَأُصدِّقُك في خبر السماء، وأُكذِّبك في عِدّة دراهم؟ --- وقوله تعالى: {أَن يَرْحَمَكُمْ..} [الإسراء: 8].
الإثنين نوفمبر 28, 2016 7:38 pm من طرف abubaker

» إزالة الظل الأزرق الذي يظهر تحت أيقونات سطح المكتب
السبت نوفمبر 26, 2016 7:22 pm من طرف abubaker

» لأن الاسم إذا أُطلِق عَلَماً على الغير انحلَّ عن معناه الأصلي ولزم العَلَمية فقط، لكن أسماء الله بقيتْ على معناها الأصلي حتى بعد أنْ أصبحتْ عَلَماً على الله تعالى، فهي إذن أسماء حُسْنى.
الإثنين نوفمبر 21, 2016 2:51 pm من طرف abubaker

»  إننا نجد أن بعضا من أسماء الله سبحانه وتعالى له مقابل، ومن أسماء الله الحسنى ما لا تجد له مقابلا. فإذا قيل “المحيي” تجد “المميت” لكن الصفة إن لم يوجد لها مقابل نسميها صفة ذات، فهو “حي” ولا نأتي بالمقابل
الإثنين نوفمبر 21, 2016 2:34 pm من طرف abubaker

» تابع / إننا نجد أن بعضا من أسماء الله سبحانه وتعالى له مقابل، ومن أسماء الله الحسنى ما لا تجد له مقابلا. فإذا قيل “المحيي” تجد “المميت” لكن الصفة إن لم يوجد لها مقابل نسميها صفة ذات، فهو “حي” ولا نأتي بالمقابل
الإثنين نوفمبر 21, 2016 2:27 pm من طرف abubaker

»  فالاسم هو العَلَم الذي وُضِع للدلالة على هذا اللفظ. / الذكْر: له معانٍ متعددة، فالذكْر هو الإخبار بشيء / والرحمة: هي تجليّات الراحم على المرحوم بما يُديم له صلاحه لمهمته - من سورة مريم
الأحد نوفمبر 20, 2016 5:38 pm من طرف abubaker

»  فالاسم هو العَلَم الذي وُضِع للدلالة على هذا اللفظ. / {كهيعص(1)}
الأحد نوفمبر 20, 2016 5:01 pm من طرف abubaker

» إدارة Google Voice والسجل الصوتي
الإثنين نوفمبر 14, 2016 2:10 pm من طرف abubaker

ازرار التصفُّح
 البوابة
 الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث
التبادل الاعلاني

شاطر | 
 

 تفسير سورة القصص - من آية 56 - إلى نهاية الآية 88

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
abubaker



ذكر
عدد المساهمات : 18466
تاريخ التسجيل : 23/12/2010
العمر : 66
الدولـة : jordan

مُساهمةموضوع: تفسير سورة القصص - من آية 56 - إلى نهاية الآية 88    الخميس مارس 14, 2013 12:19 pm



إِنّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـَكِنّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ * وَقَالُوَاْ إِن نّتّبِعِ الْهُدَىَ مَعَكَ نُتَخَطّفْ مِنْ أَرْضِنَآ أَوَلَمْ نُمَكّن لّهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَىَ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلّ شَيْءٍ رّزْقاً مّن لّدُنّا وَلَـَكِنّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ



يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم إنك يا محمد {لا تهدي من أحببت} أي ليس إليك ذلك، إنما عليك البلاغ، والله يهدي من يشاء، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة، كما قال تعالى: {ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء} وقال تعالى: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} وهذه الاَية أخص من هذا كله، فإنه قال: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهوأعلم بالمهتدين} أي هو أعلم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الغواية، وقد ثبت في الصحيحين أنها نزلت في أبي طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد كان يحوطه وينصره ويقوم في صفه ويحبه حباً شديداً طبعياً لا شرعياً، فلما حضرته الوفاة وحان أجله، دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان والدخول في الإسلام. فسبق القدر فيه واختطف من يده، فاستمر على ما كان عليه من الكفر، ولله الحكمة التامة. قال الزهري: حدثني سعيد بن المسيب عن أبيه، وهو المسيب بن حزن المخزومي رضي الله عنه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «يا عم قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله» فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم : يعرضها عليه ويعودان له بتلك المقالة حتى كان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إله إلا الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك» فأنزل الله تعالى: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى} وأنزل في أبي طالب {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء} أخرجاه من حديث الزهري، وهكذا رواه مسلم في صحيحه، والترمذي من حديث يزيد بن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: لما حضرت وفاة أبي طالب أتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا عماه قل لا إله إلا الله، أشهد لك بها يوم القيامة» فقال: لولا أن تعيرني بها قريش يقولون ما حمله عليه إلا جزع الموت، لأقررت بها عينك، لا أقولها إلا لأقر بها عينك، فأنزل الله تعالى: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين} وقال الترمذي: حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن كيسان، ورواه الإمام أحمد عن يحيى بن سعيد القطان عن يزيد بن كيسان: حدثني أبو حازم عن أبي هريرة فذكره بنحوه، وهكذا قال ابن عباس وابن عمر ومجاهد والشعبي وقتادة: إنها نزلت في أبي طالب حين عرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول لا إله إلا الله، فأبى عليه ذلك، وقال: أي ابن أخي ملة الأشياخ، وكان آخر ما قاله هو على ملة عبد المطلب

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خيثم عن سعيد بن أبي راشد قال: كان رسول قيصر جاء إلي، قال: كتب معي قيصر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاباً، فأتيته فدفعت الكتاب فوضعه في حجره، ثم قال: «ممن الرجل ؟» قلت: من تنوخ. قال: «هل لك في دين أبيك إبراهيم الحنيفية ؟» قلت: إني رسول قوم وعلى دينهم حتى أرجع إليهم، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ونظر إلى أصحابه، وقال: «إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء»

وقوله تعالى: {وقالوا إن نتبع الهدى نتخطف من أرضنا} يقول تعالى مخبراً عن اعتذار بعض الكفار في عدم اتباع الهدى حيث قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم {إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا} أي نخشى إن اتبعنا ما جئت به من الهدى وخالفنا من حولنا من أحياء العرب المشركين، أن يقصدونا بالأذى والمحاربة، ويتخطفونا أينما كنا، قال الله تعالى مجيباً لهم: {أو لم نمكن لهم حرماً آمناً} يعني هذا الذي اعتذروا به كذب وباطل، لأن الله تعالى جعلهم في بلد أمين وحرم معظم آمن منذ وضع، فكيف يكون هذا الحرم آمناً لهم في حال كفرهم وشركهم، ولا يكون آمناً لهم وقد أسلموا وتابعوا الحق ؟ وقوله تعالى: {يجبى إليه ثمرات كل شيء} أي من سائر الثمار مما حوله من الطائف وغيره، وكذلك المتاجر والأمتعة {رزقاً من لدنا} أي من عندنا {ولكن أكثرهم لا يعلمون} ولهذا قالوا ما قالوا، وقد قال النسائي: أنبأنا الحسن بن محمد، حدثنا الحجاج عن ابن جريج، أخبرني ابن أبي مليكة قال: قال عمرو بن شعيب عن ابن عباس، ولم يسمعه منه، إن الحارث بن عامر بن نوفل الذي قال {إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا}





وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مّن بَعْدِهِمْ إِلاّ قَلِيلاً وَكُنّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ * وَمَا كَانَ رَبّكَ مُهْلِكَ الْقُرَىَ حَتّىَ يَبْعَثَ فِيَ أُمّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنّا مُهْلِكِي الْقُرَىَ إِلاّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ



يقول تعالى معرضاً بأهل مكة في قوله تعالى: {وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها} أي طغت وأشرت وكفرت نعمة الله فيما أنعم به عليهم من الأرزاق، كما قال في الاَية الأخرى {وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان ـ إلى قوله ـ فأخذهم العذاب وهم ظالمون} ولهذا قال تعالى: {فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلاً} أي دثرت ديارهم فلا ترى إلا مساكنهم. وقوله تعالى: {وكنا نحن الوارثين} أي رجعت خراباً ليس فيها أحد

وقد ذكر ابن أبي حاتم ههنا عن ابن مسعود أنه سمع كعباً يقول لعمر: إن سليمان عليه السلام قال للهامة ـ يعني البومة ـ: ما لك لا تأكلين الزرع ؟ قالت: لأنه أخرج آدم من الجنة بسببه، قال: فما لك لا تشربين الماء ؟ قالت: لأن الله تعالى أغرق قوم نوح به. قال: فما لك لا تأوين إلا إلى الخراب ؟ قالت لأنه ميراث الله تعالى، ثم تلا {وكنا نحن الوارثين} ثم قال تعالى مخبراً عن عدله وأنه لا يهلك أحداً ظالماً له، وإنما يهلك من أهلك بعد قيام الحجة عليهم، ولهذا قال: {وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها} وهي مكة {رسولاً يتلو عليهم آياتنا} فيه دلالة على أن النبي الأمي وهو محمد صلى الله عليه وسلم المبعوث من أم القرى رسول إلى جميع القرى من عرب وأعجام، كما قال تعالى: {لتنذر أم القرى ومن حولها} وقال تعالى: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً} وقال: {لأنذركم به ومن بلغ} وقال: {ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده} وتمام الدليل قوله تعالى: {وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذاباً شديداً} الاَية، فأخبر تعالى أنه سيهلك كل قرية قبل يوم القيامة، وقد قال تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً} فجعل تعالى بعثة النبي الأمي شاملة لجميع القرى، لأنه رسول إلى أمها وأصلها التي ترجع إليها. وثبت في الصحيحين عنه صلوات الله وسلامه عليه أنه قال: «بعثت إلى الأحمر والأسود» ولهذا ختم به النبوة والرسالة، فلا نبي من بعده ولا رسول، بل شرعه باق بقاء الليل والنهار إلى يوم القيامة، وقيل المراد بقوله: {حتى يبعث في أمها رسولاً} أي أصلها وعظيمتها كأمهات الرساتيق والأقاليم، حكاه الزمخشري وابن الجوزي وغيرهما، وليس ببعيد





وَمَآ أُوتِيتُم مّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ اللّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ * أَفَمَن وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاَقِيهِ كَمَن مّتّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدّنْيَا ثُمّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ



يقول تعالى مخبراً عن حقارة الدنيا، وما فيها من الزينة الدنيئة، والزهرة الفانية بالنسبة إلى ما أعده الله لعباده الصالحين في الدار الاَخرة من النعيم العظيم المقيم، كما قال تعالى: {ما عندكم ينفد وما عند الله باق} وقال: {وما عند الله خير للأبرار} وقال: {وما الحياة الدنيا في الاَخرة إلا متاع} وقال تعالى: {بل تؤثرون الحياة الدنيا والاَخرة خير وأبقى} وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «والله ما الحياة الدنيا في الاَخرة إلا كما يغمس أحدكم أصبعه في اليم، فلينظر ماذا يرجع إليه»

وقوله تعالى: {أفلا تعقلون ؟} أي أفلا يعقل من يقدم الدنيا على الاَخرة. وقوله تعالى: {أفمن وعدناه وعداً حسناً فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم القيامة من المحضرين} يقول تعالى: أفمن هو مؤمن مصدق بما وعده الله على صالح الأعمال من الثواب الذي هو صائر إليه لا محالة، كمن هو كافر مكذب بلقاء الله ووعده ووعيده، فهو ممتع في الحياة الدنيا أياماً قلائل {ثم هو يوم القيامة من المحضرين} قال مجاهد وقتادة: من المعذبين. ثم قد قيل: إنها نزلت في رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي أبي جهل. وقيل في حمزة وعلي وأبي جهل، وكلاهما عن مجاهد، الظاهر أنها عامة، وهذا كقوله تعالى إخباراً عن ذلك المؤمن حين أشرف على صاحبه وهو في الدرجات، وذاك في الدركات، فقال: {ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين} وقال تعالى: {ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون}





وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ الّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ * قَالَ الّذِينَ حَقّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبّنَا هَـَؤُلآءِ الّذِينَ أَغْوَيْنَآ أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرّأْنَآ إِلَيْكَ مَا كَانُوَاْ إِيّانَا يَعْبُدُونَ * وَقِيلَ ادْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ لَوْ أَنّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ * وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَآ أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ * فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنبَـآءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لاَ يَتَسَآءَلُونَ * فَأَمّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَعَسَىَ أَن يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ



يقول تعالى مخبراً عما يوبخ به الكفار المشركين يوم القيامة حيث يناديهم فيقول: {أين شركائي الذين كنتم تزعمون} يعني أين الاَلهة التي كنتم تعبدونها في الدار الدنيا من الأصنام والأنداد، هل ينصرونكم أو ينتصرون ؟ وهذا على سبيل التقريع والتهديد، كما قال تعالى: {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون}

وقوله: {قال الذين حق عليهم القول} يعني الشياطين والمردة والدعاة إلى الكفر {ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون} فشهدوا عليهم أنه أغووهم فاتبعوهم ثم تبرءوا من عبادتهم، كما قال تعالى: {واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزاً كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضداً} وقال تعالى: {ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون * وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين} وقال الخليل عليه السلام لقومه {إنما اتخذتم من دون الله أوثاناً مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً} الاَية، وقال الله تعالى: {إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب ـ إلى قوله ـ وما هم بخارجين من النار} ولهذا قال: {وقيل ادعوا شركاءكم} أي ليخلصوكم مما أنتم فيه كما كنتم ترجون منهم في الدار الدنيا {فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ورأوا العذاب} أي وتيقنوا أنهم صائرون إلى النار لا محالة

وقوله: {لو أنهم كانوا يهتدون} أي فودوا حين عاينوا العذاب لو أنهم كانوا من المهتدين في الدار الدنيا، وهذا كقوله تعالى: {ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وجعلنا بينهم موبقاً * ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفاً}. وقوله: {ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين} النداء الأول عن سؤال التوحيد، وهذا فيه إثبات النبوات، ماذا كان جوابكم للمرسلين إليكم، وكيف كان حالكم معهم ؟ وهذا كما يسأل العبد في قبره: من ربك، ومن نبيك، وما دينك ؟ فأما المؤمن فيشهد أنه لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وأما الكافر فيقول: هاه هاه لا أدري، ولهذا لاجواب له يوم القيامة غير السكوت، لأن من كان في هذه أعمى، فهو في الاَخرة أعمى وأضل سبيلاً، ولهذا قال تعالى: {فعميت عليهم الأنباء يومئذ فهم لا يتساءلون} قال مجاهد: فعميت عليهم الحجج، فهم لا يتساءلون بالأنساب. وقوله {فأما من تاب وآمن وعمل صالحاً} أي في الدنيا {فعسى أن يكون من المفلحين} أي يوم القيامة وعسى من الله موجبة، فإن هذا واقع بفضل الله ومنته لا محالة





وَرَبّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللّهِ وَتَعَالَىَ عَمّا يُشْرِكُونَ * وَرَبّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ * وَهُوَ اللّهُ لآ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الاُولَىَ وَالاَخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ



يخبر تعالى أنه المنفرد بالخلق والاختيار، وأنه ليس له في ذلك منازع ولا معقب، قال تعالى: {وربك يخلق ما يشاء ويختار} أي ما يشاء، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فالأمور كلها خيرها وشرها بيده، ومرجعها إليه، وقوله: {ما كان لهم الخيرة} نفي على أصح القولين، كقوله تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} وقد اختار ابن جرير أن {ما} ههنا بمعنى الذي تقديره: ويختار الذي لهم فيه خيرة، وقد احتج بهذا المسلك طائفة المعتزلة على وجوب مراعاة الأصلح، والصحيح أنها نافية، كما نقله ابن أبي حاتم عن ابن عباس وغيره أيضاً. فإن المقام في بيان انفراده تعالى بالخلق والتقدير والاختيار، وأنه لا نظير له في ذلك، ولهذا قال {سبحان الله وتعالى عما يشركون} أي من الأصنام والأنداد التي لا تخلق ولا تختار شيئاً

ثم قال تعالى: {وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون} أي يعلم ما تكن الضمائر، وما تنطوي عليه السرائر، كما يعلم ما تبديه الظواهر من سائر الخلائق {سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار}. وقوله {وهو الله لا إله إلا هو} أي هو المنفرد بالإلهية، فلا معبود سواه، كما لا رب يخلق ما يشاء ويختار سواه {له الحمد في الأولى والاَخرة} أي في جميع ما يفعله هو المحمود عليه بعدله وحكمته {وله الحكم} أي الذي لا معقب له لقهره وغلبته وحكمته ورحمته {وإليه ترجعون} أي جميعكم يوم القيامة، فيجزي كل عامل بعمله من خير وشر، ولايخفى عليه منهم خافية في سائر الأعمال





قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللّهُ عَلَيْكُمُ الْلّيْلَ سَرْمَداً إِلَىَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـَهٌ غَيْرُ اللّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللّهُ عَلَيْكُمُ النّهَارَ سَرْمَداً إِلَىَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـَهٌ غَيْرُ اللّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفلاَ تُبْصِرُونَ * وَمِن رّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ الْلّيْلَ وَالنّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ



يقول تعالى ممتناً على عباده بما سخر لهم من الليل والنهار اللذين لا قوام لهم بدونهما وبيّن أنه لو جعل الليل دائماً عليهم سرمداً إلى يوم القيامة، لأضر ذلك بهم، ولسئمته النفوس وانحصرت منه، ولهذا قال تعالى: {من إله غير الله يأتيكم بضياء} أي تبصرون به وتستأنسون بسببه {أفلا تسمعون ؟} ثم أخبر تعالى أنه لو جعل النهار سرمداً، أي دائماً مستمراً إلى يوم القيامة، لأضر ذلك بهم، ولتعبت الأبدان وكلت من كثرة الحركات والأشغال، ولهذا قال تعالى: {من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه} أي تستريحون من حركاتكم وأشغالكم {أفلا تبصرون * ومن رحمته} أي بكم {جعل لكم الليل والنهار} أي خلق هذا وهذا {لتسكنوا فيه} أي في الليل {ولتبتغوا من فضله} أي في النهار بالأسفار والترحال، والحركات والأشغال، وهذا من باب اللف والنشر. وقوله: {ولعلكم تشكرون} أي تشكرون الله بأنواع العبادات في الليل والنهار، ومن فاته شيء بالليل استدركه بالنهار، أو بالنهار استدركه بالليل، كما قال تعالى: {وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً} والاَيات في هذا كثيرة





وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ الّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ * وَنَزَعْنَا مِن كُلّ أُمّةٍ شَهِيداً فَقُلْنَا هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوَاْ أَنّ الْحَقّ لِلّهِ وَضَلّ عَنْهُمْ مّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ



وهذا أيضاً نداء ثان على سبيل التوبيخ والتقريع لمن عبد مع الله إلهاً آخر، يناديهم الرب تعالى على رؤوس الأشهاد فيقول: {أين شركائي الذين كنتم تزعمون} أي في دار الدنيا {ونزعنا من كل أمة شهيداً} قال مجاهد: يعني رسولاً {فقلنا هاتوا برهانكم} أي على صحة ما ادعيتموه من أن لله شركاء {فعلموا أن الحق لله} أي لا إله غيره، فلم ينطقوا ولم يحيروا جواباً {وضل عنهم ما كانوا يفترون} أي ذهبوا فلم ينفعوهم





إِنّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىَ فَبَغَىَ عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَآ إِنّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُوْلِي الْقُوّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَآ آتَاكَ اللّهُ الدّارَ الاَخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدّنْيَا وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ اللّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأرْضِ إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ الْمُفْسِدِينَ



قال الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال {إن قارون كان من قوم موسى} قال: كان ابن عمه، وهكذا قال إبراهيم النخعي وعبد الله بن الحارث بن نوفل وسماك بن حرب وقتادة ومالك بن دينار وابن جريج وغيرهم أنه كان ابن عم موسى عليه السلام. قال ابن جريج: هو قارون بن يصهر بن قاهث وموسى بن عمران بن قاهث. وزعم محمد بن إسحاق بن يسار أن قارون كان عم موسى بن عمران عليه السلام، قال ابن جريج: وأكثر أهل العلم على أنه كان ابن عمه، والله أعلم. وقال قتادة بن دعامة: كنا نحدث أنه كان ابن عم موسى، وكان يسمى المنور لحسن صوته بالتوراة، ولكن عدو الله نافق كما نافق السامري، فأهلكه البغي لكثرة ماله. وقال شهر بن حوشب: زاد في ثيابه شبراً طولاً ترفعاً على قومه

وقوله: {وآتيناه من الكنوز} أي الأموال {ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة} أي ليثقل حملها الفئام من الناس لكثرتها. قال الأعمش عن خيثمة: كانت مفاتيح كنوز قارون من جلود، كل مفتاح مثل الإصبع، كل مفتاح على خزانة على حدته، فإذا ركب حملت على ستين بغلاً أغر محجلاً، وقيل غير ذلك، والله أعلم. وقوله: {إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين} أي وعظه فيما هو فيه صالحو قومه، فقالوا على سبيل النصح والإرشاد: لا تفرح بما أنت فيه، يعنون لا تبطر بما أنت فيه من المال، {إن الله لا يحب الفرحين} قال ابن عباس: يعني المرحين. وقال مجاهد: يعني الأشرين البطرين الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم

وقوله: {وابتغ فيما آتاك الله الدار الاَخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا} أي استعمل ما وهبك الله من هذا المال الجزيل والنعمة الطائلة في طاعة ربك والتقرب إليه بأنواع القربات، التي يحصل لك بها الثواب في الدنيا والاَخرة {ولا تنس نصيبك من الدنيا} أي مما أباح الله فيها من المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمناكح، فإن لربك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، ولزورك عليك حقاً، فآت كل ذي حق حقه {وأحسن كما أحسن الله إليك} أي أحسن إلى خلقه، كما أحسن هو إليك {ولا تبغ الفساد في الأرض} أي لا تكن همتك بما أنت فيه أن تفسد به في الأرض، وتسيء إلى خلق الله {إن الله لا يحب المفسدين}





قَالَ إِنّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىَ عِلْمٍ عِندِيَ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنّ اللّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدّ مِنْهُ قُوّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ



يقول تعالى مخبراً عن جواب قارون لقومه حين نصحوه، وأرشدوه إلى الخير {قال إنما أوتيته على علم عندي} أي لا أفتقر إلى ما تقولون، فإن الله تعالى إنما أعطاني هذا المال لعلمه بأني أستحقه ولمحبته لي، فتقديره إنما أعطيته لعلم الله فيّ أني أهل له، وهذا كقوله تعالى: {وإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم} أي على علم من الله بي، وكقوله تعالى: {ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي} أي هذا أستحقه

وقد روي عن بعضهم أنه أراد {إنما أوتيته على علم عندي} أي أنه كان يعاني علم الكيمياء، وهذا القول ضعيف، لأن علم الكيمياء في نفسه علم باطل، لأن قلب الأعيان لا يقدر أحد عليها إلا الله عز وجل، قال الله تعالى: {يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له}. وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة، فليخلقوا شعيرة» وهذا ورد في المصورين الذين يشبهون بخلق الله في مجرد الصورة الظاهرة أو الشكل، فكيف بمن يدعي أنه يحيل ماهية هذه الذات إلى ماهية ذات أخرى ؟ هذا زور ومحال، وجهل وضلال، وإنما يقدرون على الصبغ في الصور الظاهرة، وهي كذب وزغل وتمويه وترويج أنه صحيح في نفس الأمر وليس كذلك قطعاً لا محالة، ولم يثبت بطريق شرعي أنه صح مع أحد من الناس من هذه الطريقة التي يتعاطاها هؤلاء الجهلة الفسقة الأفاكون، فأما ما يجريه الله سبحانه من خرق العوائد على يدي بعض الأولياء من قلب بعض الأعيان ذهباً أو فضة أو نحو ذلك، فهذا أمر لا ينكره مسلم، ولا يرده مؤمن، ولكن هذا ليس من قبيل الصناعات، وإنما هذا عن مشيئة رب الأرض والسموات واختياره وفعله، كما روي عن حيوة بن شريح المصري رحمه الله تعالى أنه سأله سائل، فلم يكن عنده ما يعطيه، ورأى ضرورته، فأخذ حصاة من الأرض فأجالها في كفه، ثم ألقاها إلى ذلك السائل، فإذا هي ذهب أحمر، والأحاديث والاَثار في هذا كثيرة جداً يطول ذكرها

وقال بعضهم: إن قارون كان يعرف الاسم الأعظم، فدعا الله به فتمول بسببه. والصحيح المعنى الأول، ولهذا قال الله تعالى راداً عليه فيما ادعاه من اعتناء الله به فيما أعطاه من المال {أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعاً} أي قد كان من هو أكثر منه مالاً، وما كان ذلك عن محبة منّاله، وقد أهلكهم الله مع ذلك بكفرهم وعدم شكرهم، ولهذا قال: {ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون} أي لكثرة ذنوبهم قال قتادة {على علم عندي} على خير عندي. وقال السدي: على علم أني أهل لذلك

وقد أجاد في تفسير هذه الاَية الإمام عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، فإنه قال في قوله: {قال إنما أوتيته على علم عندي} قال: لولا رضا الله عني ومعرفته بفضلي ما أعطاني هذا المال، وقرأ {أو لم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعاً} الاَية، وهكذا يقول من قل علمه إذا رأى من وسع الله عليه لولا أن يستحق ذلك لما أعطي





فَخَرَجَ عَلَىَ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدّنْيَا يَلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِيَ قَارُونُ إِنّهُ لَذُو حَظّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللّهِ خَيْرٌ لّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلاَ يُلَقّاهَآ إِلاّ الصّابِرُونَ



يقول تعالى مخبراً عن قارون أنه خرج ذات يوم على قومه في زينة عظيمة، وتجمل باهر، من مراكب وملابس عليه وعلى خدمه وحشمه، فلما رآه من يريد الحياة الدنيا ويميل إلى زخارفها وزينتها، تمنوا أن لو كان لهممثل الذي أعطي {قالوا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم} أي ذو حظ وافر من الدنيا، فلما سمع مقالتهم أهل العلم النافع قالوا لهم {ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحاً} أي جزاء الله لعباده المؤمنين الصالحين في الدار الاَخرة خير مما ترون. كما في الحديث الصحيح «يقول الله تعالى أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر واقرءوا إن شئتم {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون}. وقوله: {ولا يلقاها إلا الصابرون} قال السدي: ولا يلقى الجنة إلا الصابرون، كأنه جعل ذلك من تمام الكلام الذين أوتوا العلم. قال ابن جرير: ولا يلقى هذه الكلمة إلا الصابرون عن محبة الدنيا الراغبون في الدار الاَخرة وكأنه جعل ذلك مقطوعاً من كلام أولئك، وجعله من كلام الله عز وجل وإخباره بذلك





فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ * وَأَصْبَحَ الّذِينَ تَمَنّوْاْ مَكَانَهُ بِالأمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنّ اللّهَ يَبْسُطُ الرّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلآ أَن مّنّ اللّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ



لما ذكر تعالى اختيال قارون في زينته وفخره على قومه وبغيه عليهم عقب ذلك بأنه خسف به وبداره الأرض، كما ثبت في الصحيح عند البخاري من حديث الزهري عن سالم أن أباه حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بينما رجل يجر إزاره إذ خسف به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة». ثم رواه من حديث جرير بن زيد عن سالم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه. وقال الإمام أحمد: حدثنا النضر بن إسماعيل أبو المغيرة القاص، حدثنا الأعمش عن عطية عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «بينما رجل فيمن كان قبلكم خرج في بردين أخضرين يختال فيهما، أمر الله الأرض فأخذته، فإنه ليتجلجل فيها إلى يوم القيامة» تفرد به أحمد، وإسناده حسن

وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي، حدثنا أبو خيثمة، حدثنا أبو يعلى بن منصور، أخبرني محمد بن مسلم، سمعت زياد النميري يحدث عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «بينما رجل فيمن كان قبلكم خرج في بردين فاختال فيهما، فأمر الله الأرض فأخذته، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة». وقد ذكر الحافظ محمد بن المنذر في كتاب العجائب الغريبة بسنده عن نوفل بن مساحق قال: رأيت شاباً في مسجد نجران، فجعلت أنظر إليه وأتعجب من طوله وتمامه وجماله، فقال: ما لك تنظر إلي ؟ فقلت: أعجب من جمالك وكمالك. فقال: إن الله ليعجب مني، قال فما زال ينقص وينقص حتى صار بطول الشبر، فأخذه بعض قرابته في كمه وذهب به

وقد ذكر أن هلاك قارون كان من دعوة موسى نبي الله عليه السلام، واختلف في سببه فعن ابن عباس والسدي أن قارون أعطى امرأة بغياً مالاً على أن تبهت موسى بحضرة الملأ من بني إسرائيل وهو قائم فيهم يتلو عليهم كتاب الله تعالى، فتقول يا موسى إنك فعلت بي كذا وكذا، فلما قالت ذلك في الملأ لموسى عليه السلام أرعد من الفرق، وأقبل عليها بعد ما صلى ركعتين ثم قال: أنشدك بالله الذي فرق البحر وأنجاكم من فرعون، وفعل كذا وكذا لما أخبرتني بالذي حملك على ما قلت ؟ فقالت: أما إذ نشدتني فإن قارون أعطاني كذا وكذا على أن أقول ذلك لك، وأنا أستغفر الله وأتوب إليه، فعند ذلك خر موسى لله عز وجل ساجداً، وسأل الله في قارون، فأوحى الله إليه أن قد أمرت الأرض أن تطيعك فيه، فأمر موسى الأرض أن تبتلعه وداره، فكان ذلك، وقيل إن قارون لما خرج على قومه في زينته تلك وهو راكب على البغال الشهب، وعليه وعلى خدمه ثياب الأرجوان المصبغة، فمر في محفله ذلك على مجلس نبي الله موسى عليه السلام وهو يذكرهم بأيام الله، فلما رأى الناس قارون انصرفت وجوههم نحوه ينظرون إلى ما هو فيه، فدعاه موسى عليه السلام وقال: ما حملك على ما صنعت ؟ فقال: يا موسى أما لئن كنت فضلت علي بالنبوة فلقد فضلت عليك بالدنيا، ولئن شئت لنخرجن فلتدعون علي وأدعو عليك، فخرج موسى وخرج قارون في قومه، فقال موسى عليه السلام: تدعو أو أدعو أنا، فقال: بل أدعو أنا، فدعا قارون فلم يجب له، ثم قال موسى: أدعو ؟ قال: نعم، فقال موسى: اللهم مر الأرض أن تطيعني اليوم، فأوحى الله إِليه أني قد فعلت، فقال موسى: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إِلى أقدامهم ثم قال: خذيهم، فأخذتهم إِلى ركبهم، ثم إِلى مناكبهم، ثم قال: أقبلي بكنوزهم وأموالهم. قال: فأقبلت بها حتى نظروا إليها، ثم أشار موسى بيده، ثم قال: اذهبوا بني لاوي فاستوت بهم الأرض، وعن ابن عباس قال: خسف بهم إِلى الأرض السابعة. وقال قتادة: ذكر لنا أنه يخسف بهم كل يوم قامة، فهم يتجلجلون فيها إلى يوم القيامة، وقد ذكر ههنا إسرائيليات غريبة أضربنا عنها صفحاً. وقوله تعالى: {فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين} أي ما أغنى عنه ماله ولا جمعه ولا خدمه وحشمه، ولا دفعوا عنه نقمة الله وعذابه ونكاله، ولا كان هو في نفسه منتصراً لنفسه، فلا ناصر له من نفسه ولا من غيره

وقوله تعالى: {وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس} أي الذين لما رأوه في زينته {قالوا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم} فلما خسف به أصبحو يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر، أي ليس المال بدال على رضا الله عن صاحبه، فإن الله يعطي ويمنع ويضيق ويوسع ويخفض ويرفع، وله الحكمة التامة والحجة البالغة، وهذا كما في الحديث المرفوع عن ابن مسعود «إِن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم أرزاقكم، وإن الله يعطي المال من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب» {لولا أن منّ الله علينا لخسف بنا} أي لولا لطف الله بنا وإِحسانه إِلينا لخسف بنا كما خسف به لأنا وددنا أن نكون مثله {ويكأنه لا يفلح الكافرون} يعنون أنه كان كافراً، ولا يفلح الكافرون عند الله لا في الدنيا ولا في الاَخرة، وقد اختلف النحاة في معنى قوله ههنا ويكأن، فقال بعضهم: معناه ويلك اعلم أن، ولكن خفف فقيل ويك ودل فتح أن على حذف اعلم، وهذا القول ضعفه ابن جرير، والظاهر أنه قوي ولا يشكل على ذلك إلا كتابتها في المصاحف متصلة ويكأن، والكتابة أمر وضعي اصطلاحي، والمرجع إلى اللفظ العربي، والله أعلم، وقيل معناها ويكأن أي ألم تر أن، قاله قتادة. وقيل معناها وي كأن ففصلها وجعل حرف وي للتعجب أو للتنبيه، وكأن بمعنى أظن وأحتسب. قال ابن جرير: وأقوى الأقوال في هذا قول قتادة إنها بمعنى ألم تر أن، واستشهد بقول الشاعر

سألتاني الطلاق إذ رأتاني قلّ مالي قد جئتماني بنكر

ويكأن من يكن له نشب يحبب ومن يفتقر يعش عيش ضر





تِلْكَ الدّارُ الاَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتّقِينَ * مَن جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مّنْهَا وَمَن جَآءَ بِالسّيّئَةِ فَلاَ يُجْزَى الّذِينَ عَمِلُواْ السّيّئَاتِ إِلاّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ



يخبر تعالى أن الدار الاَخرة ونعيمها المقيم الذي لا يحول ولا يزول، جعلها لعباده المؤمنين المتواضعين الذين لا يريدون علواً في الأرض أي ترفعاً على خلق الله وتعاظماً عليهم وتجبراً بهم ولا فساداً فيهم، كما قال عكرمة العلو: التجبر. وقال سعيد بن جبير: العلو البغي. وقال سفيان بن سعيد الثوري عن منصور عن مسلم البطين: العلو في الأرض التكبر بغير حق، والفساد أخذ المال بغير حق. وقال ابن جريج {لا يريدون علواً في الأرض} تعظماً وتجبراً {ولا فساداً} عملاً بالمعاصي. وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبي عن أشعث السمان عن أبي سلام الأعرج عن علي قال: إن الرجل ليعجبه من شراك نعله أن يكون أجود من شراك نعل صاحبه، فيدخل في قوله تعالى: {تلك الدار الاَخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين} وهذا محمول على ما إذا أراد بذلك الفخر والتطاول على غيره، فإن ذلك مذموم، كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنه أوحي إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد» وأما إذا أحب ذلك لمجرد التجمل، فهذا لا بأس به، فقد ثبت أن رجلاً قال: يا رسول الله إني أحب أن يكون ردائي حسناً ونعلي حسنة، أفمن الكبر ذلك ؟ فقال: «لا، إن الله جميل يحب الجمال». وقال تعالى: {من جاء بالحسنة} أي يوم القيامة {فله خير منها} أي ثواب الله خير من حسنة العبد، فكيف والله يضاعفه أضعافاً كثيرة، وهذا مقام الفضل ثم قال: {ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون} كما قال في الاَية الأخرى: {ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار، هل تجزون إلا ما كنتم تعملون} وهذا مقام الفضل والعدل





إِنّ الّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَآدّكَ إِلَىَ مَعَادٍ قُل رّبّيَ أَعْلَمُ مَن جَآءَ بِالْهُدَىَ وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مّبِينٍ * وَمَا كُنتَ تَرْجُوَ أَن يُلْقَىَ إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلاّ رَحْمَةً مّن رّبّكَ فَلاَ تَكُونَنّ ظَهيراً لّلْكَافِرِينَ * وَلاَ يَصُدّنّكَ عَنْ آيَاتِ اللّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَىَ رَبّكَ وَلاَ تَكُونَنّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللّهِ إِلَـَهاً آخَرَ لاَ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ كُلّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ



يقول تعالى آمراً رسوله صلوات الله وسلامه عليه ببلاغ الرسالة وتلاوة القرآن على الناس، ومخبراً له بأنه سيرده إلى معاد وهو يوم القيامة، فيسأله عما استرعاه من أعباء النبوة، ولهذا قال تعالى: {إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد} أي افترض عليك أداءه إلى الناس {لرادك إلى معاد} أي إلى يوم القيامة فيسألك عن ذلك، كما قال تعالى: {فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين} وقال تعالى: {يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم} وقال: {وجيء بالنبيين والشهداء}

وقال السدي عن أبي صالح عن ابن عباس {إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد} يقول لرادك إلى الجنة ثم سائلك عن القرآن. قاله السدي، وقال أبو سيعد مثلها، وقال الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما {لرادك إلى معاد} قال: إلى يوم القيامة، ورواه مالك عن الزهري، وقال الثوري عن الأعمش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس {لرادك إلى معاد} إلى الموت، ولهذا طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما، وفي بعضها لرادك إلى معدنك من الجنة. وقال مجاهد: يحييك يوم القيامة، وكذا روي عن عكرمة وعطاء وسعيد بن جبير وأبي قزعة وأبي مالك وأبي صالح. وقال الحسن البصري: إي والله إن له لمعاداً فيبعثه الله يوم القيامة ثم يدخله الجنة. وقد روي عن ابن عباس غير ذلك

كما قال البخاري في التفسير من صحيحه: حدثنا محمد بن مقاتل، أنبأنا يعلى، حدثنا سفيان العصفري عن عكرمة عن ابن عباس {لرادك إلى معاد} قال: إلى مكة، وهكذا رواه النسائي في تفسير سننه، وابن جرير من حديث يعلى وهو ابن عبيد الطنافسي به، وهكذا رواه العوفي عن ابن عباس {لرادك إلى معاد} أي لرادك إلى مكة كما أخرجك منها. وقال محمد بن إسحاق عن مجاهد في قوله: {لرادك إلى معاد} إلى مولدك بمكة. وقال ابن أبي حاتم: وقد روي عن ابن عباس ويحيى بن الجراز وسعيد بن جبير وعطية والضحاك نحو ذلك

وحدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر قال: قال سفيان فسمعناه من مقاتل منذ سبعين سنة عن الضحاك قال: لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة، فبلغ الجحفة، اشتاق إلى مكة، فأنزل الله عليه {إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد} إلى مكة، وهذا من كلام الضحاك يقتضي أن هذه الاَية مدنية وإن كان مجموع السورة مكياً، والله أعلم. وقد قال عبد الرزاق: حدثنا معمر عن قتادة في قوله تعالى: {لرادك إلى معاد} قال: هذه مما كان ابن عباس يكتمها

وقد روى ابن أبي حاتم بسنده عن نعيم القارىء أنه قال في قوله: {لرادك إلى معاد} قال إلى بيت المقدس، وهذا ـ والله أعلم ـ يرجع إلى قول من فسر ذلك بيوم القيامة، لأن بيت المقدس هو أرض المحشر والمنشر والله الموفق للصواب. ووجه الجمع بين هذه الأقوال أن ابن عباس فسر ذلك تارة برجوعه إلى مكة، وهو الفتح الذي هو عند ابن عباس أمارة على اقتراب أجل النبي صلى الله عليه وسلم ، كما فسر ابن عباس سورة {إذا جاء نصر الله والفتح} إلى آخر السورة، أنه أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم نعي إليه، وكان ذلك بحضرة عمر بن الخطاب، ووافقه عمر على ذلك وقال: لا أعلم منها غير الذي تعلم، ولهذا فسر ابن عباس تارة أخرى قوله: {لرادك إلى معاد} بالموت، وتارة بيوم القيامة الذي هو بعد الموت، وتارة بالجنة التي هي جزاؤه ومصيره على أداء رسالة الله وإبلاغها إلى الثقلين: الإنس والجن، ولأنه أكمل خلق الله وأفصح خلق الله وأشرف خلق الله على الإطلاق

وقوله تعالى: {قل ربي أعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال مبين} أي قل لمن خالفك وكذبك يا محمد من قومك من المشركين ومن تبعهم على كفرهم قل: ربي أعلم بالمهتدي منكم ومني، وستعلمون لمن تكون له عاقبة الدار، ولمن تكون العاقبة والنصرة في الدنيا والاَخرة. ثم قال تعالى مذكراً لنبيه نعمته العظيمة عليه وعلى العباد إذ أرسله إليهم {وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب} أي ما كنت تظن قبل إنزال الوحي إليك أن الوحي ينزل عليك {ولكن رحمة من ربك} أي إنما أنزل الوحي عليك من الله من رحمته بك وبالعباد بسببك، فإذا منحك بهذه النعمة العظيمة {فلا تكونن ظهيراً} أي معيناً {للكافرين} ولكن فارقهم ونابذهم وخالفهم {ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك} أي لا تتأثر لمخالفتهم لك وصدهم الناس عن طريقك لا تلوي على ذلك ولا تباله، فإن الله معلٍ كلمتك ومؤيد دينك ومظهر ما أرسلك به على سائر الأديان، ولهذا قال: {وادع إلى ربك} أي إلى عبادة ربك وحده لا شريك له {ولا تكونن من المشركين}

وقوله: {ولا تدع مع الله إلهاً آخر لا إله إلا هو} أي لا تليق العبادة إلا له، ولا تنبغي الإلهية إلا لعظمته، وقوله: {كل شيء هالك إلا وجهه} إخبار بأنه الدائم الباقي الحي القيوم، الذي تموت الخلائق ولا يموت، كما قال تعالى: {كل من عليها فان * ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} فعبر بالوجه عن الذات، وهكذا قوله ههنا: {كل شيء هالك إلا وجهه} أي إلا إياه. وقد ثبت في الصحيح من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أصدق كلمة قالها الشاعر لبيد ـ ألا كل شيء ما خلا الله باطل ـ». وقال مجاهد والثوري في قوله {كل شيء هالك إلا وجهه} أي إلا ما أريد به وجهه، وحكاه البخاري في صحيحه كالمقرر له، قال ابن جرير: ويستشهد من قال ذلك بقول الشاعر

أستغفر الله ذنباً لست محصيه رب العباد إليه الوجه والعمل

وهذا القول لا ينافي القول الأول، فإن هذا إخبار عن كل الأعمال بأنها باطلة إلا ما أريد به وجه الله تعالى من الأعمال الصالحة المطابقة للشريعة، والقول الأول مقتضاه أن كل الذوات فانية وزائلة إلا ذاته تعالى وتقدس، فإنه الأول الاَخر الذي هو قبل كل شيء وبعد كل شيء. قال أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا في كتاب التفكر والاعتبار: حدثنا أحمد بن محمد بن أبي بكر، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا عمر بن سليم الباهلي، حدثنا أبو الوليد قال: كان ابن عمر إذا أراد أن يتعاهد قلبه يأتي الخربة، فيقف على بابها فينادي بصوت حزين، فيقول أين أهلك ؟ ثم يرجع إلى نفسه فيقول: {كل شيء هالك إلا وجهه} وقوله: {له الحكم} أي الملك والتصرف ولا معقب لحكمه {وإليه ترجعون} أي يوم معادكم، فيجزيكم بأعمالكم إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.

آخر تفسير سورة القصص ولله الحم
د والمنة

_________________
الحمدلله
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://abubaker.jordanforum.net
 
تفسير سورة القصص - من آية 56 - إلى نهاية الآية 88
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الأصدقاء :: هدايات وإرشادات وتوجيهات إسلامية :: تفسير القران الكريم "ابن كثير"-
انتقل الى: