منتدى الأصدقاء
{وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }يونس25
And God calls to the House of Peace and guides whom He wills to a Straight Path} Younis 25
نحن سعداء للمشاركة في (منتدى الأصدقاء)
We are pleased to join in ( Forum Friends )
يشرفنا تسجيلك
We are honored register you
إدارة المنتدى
Management of Forum



منتدى الأصدقاء
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالمجموعاتالتسجيلدخول

( أهلا وسهلا بكم في منتدى الأصدقاء Welcome to the forum Friends >> الرجاء تسجيل الدخول للتعرف على فضائل الأعمال التي يحبها الله Please log in to learn about the virtues of Business loved by God

المواضيع الأخيرة
» (من شهد له خزيمة فهو حسبه). وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} [هود: 1].
الإثنين نوفمبر 28, 2016 7:52 pm من طرف abubaker

» (مَنْ شهد له خزيمة فحَسْبه). قال: يا رسول الله أَأُصدِّقُك في خبر السماء، وأُكذِّبك في عِدّة دراهم؟ --- وقوله تعالى: {أَن يَرْحَمَكُمْ..} [الإسراء: 8].
الإثنين نوفمبر 28, 2016 7:38 pm من طرف abubaker

» إزالة الظل الأزرق الذي يظهر تحت أيقونات سطح المكتب
السبت نوفمبر 26, 2016 7:22 pm من طرف abubaker

» لأن الاسم إذا أُطلِق عَلَماً على الغير انحلَّ عن معناه الأصلي ولزم العَلَمية فقط، لكن أسماء الله بقيتْ على معناها الأصلي حتى بعد أنْ أصبحتْ عَلَماً على الله تعالى، فهي إذن أسماء حُسْنى.
الإثنين نوفمبر 21, 2016 2:51 pm من طرف abubaker

»  إننا نجد أن بعضا من أسماء الله سبحانه وتعالى له مقابل، ومن أسماء الله الحسنى ما لا تجد له مقابلا. فإذا قيل “المحيي” تجد “المميت” لكن الصفة إن لم يوجد لها مقابل نسميها صفة ذات، فهو “حي” ولا نأتي بالمقابل
الإثنين نوفمبر 21, 2016 2:34 pm من طرف abubaker

» تابع / إننا نجد أن بعضا من أسماء الله سبحانه وتعالى له مقابل، ومن أسماء الله الحسنى ما لا تجد له مقابلا. فإذا قيل “المحيي” تجد “المميت” لكن الصفة إن لم يوجد لها مقابل نسميها صفة ذات، فهو “حي” ولا نأتي بالمقابل
الإثنين نوفمبر 21, 2016 2:27 pm من طرف abubaker

»  فالاسم هو العَلَم الذي وُضِع للدلالة على هذا اللفظ. / الذكْر: له معانٍ متعددة، فالذكْر هو الإخبار بشيء / والرحمة: هي تجليّات الراحم على المرحوم بما يُديم له صلاحه لمهمته - من سورة مريم
الأحد نوفمبر 20, 2016 5:38 pm من طرف abubaker

»  فالاسم هو العَلَم الذي وُضِع للدلالة على هذا اللفظ. / {كهيعص(1)}
الأحد نوفمبر 20, 2016 5:01 pm من طرف abubaker

» إدارة Google Voice والسجل الصوتي
الإثنين نوفمبر 14, 2016 2:10 pm من طرف abubaker

ازرار التصفُّح
 البوابة
 الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث
التبادل الاعلاني

شاطر | 
 

  تفسير سورة الحج 4

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
abubaker



ذكر
عدد المساهمات : 18466
تاريخ التسجيل : 23/12/2010
العمر : 66
الدولـة : jordan

مُساهمةموضوع: تفسير سورة الحج 4    الثلاثاء سبتمبر 27, 2016 3:35 pm

ذَلِكَ وَمَن يُعَظّمْ حُرُمَاتِ اللّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لّهُ عِندَ رَبّهِ وَأُحِلّتْ لَكُمُ الأنْعَامُ إِلاّ مَا يُتْلَىَ عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُواْ الرّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ وَاجْتَنِبُواْ قَوْلَ الزّورِ * حُنَفَآءَ للّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَكَأَنّمَا خَرّ مِنَ السّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ الطّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ



يقول تعالى: هذا الذي أمرنا به من الطاعات في أداء المناسك وما لفاعلها من الثواب الجزيل {ومن يعظم حرمات الله} أي ومن يجتنب معاصيه، ومحارمه ويكون ارتكابها عظيماً في نفسه {فهو خير له عند ربه} أي فله على ذلك خير كثير، وثواب جزيل، فكما على فعل الطاعات ثواب كثير وأجر جزيل، كذلك على تلك المحرمات واجتناب المحظورات، قال ابن جريج: قال مجاهد في قوله: {ذلك ومن يعظم حرمات الله} قال: الحرمة مكة والحج والعمرة وما نهى الله عنه من معاصيه كلها، وكذا قال ابن زيد

وقوله: {وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم} أي أحللنا لكم جميع الأنعام وما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام. وقوله: {إلا ما يتلى عليكم} أي من تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة الاَية، قال ذلك ابن جرير، وحكاه عن قتادة. وقوله: {فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور}من ههنا لبيان الجنس ، أي اجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان، وقرن الشرك بالله بقول الزور، كقوله: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله مالم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} ومنه شهادة الزور. وفي الصحيحين عن أبي بكرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟» قلنا: بلى يا رسول لله قال: «الإشراك بالله وعقوق الوالدين ـ وكان متكئاً فجلس فقال ـ ألا وقول الزور. ألا وشهادة الزور». فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت

وقال الإمام أحمد: حدثنا مروان بن معاوية الفزاري، أنبأنا سفيان بن زياد عن فاتك بن فضالة عن أيمن بن خريم قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً، فقال: «يا أيها الناس عدلت شهادة الزور إشراكاً بالله» ثلاثاً، ثم قرأ {فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور} وهكذا رواه الترمذي عن أحمد بن منيع عن مروان بن معاوية به، ثم قال: غريب إنما نعرفه من حديث سفيان بن زياد، وقد اختلف عنه في رواية هذا الحديث ولا نعرف لأيمن بن خريم سماعاً من النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا سفيان العصفري عن أبيه عن حبيب بن النعمان الأسدي عن خريم بن فاتك الأسدي قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح، فلما انصرف قام قائماً فقال: «عدلت شهادة الزور الإشراك بالله عز وجل» ثم تلا هذه الاَية {فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين به} وقال سفيان الثوري عن عاصم بن أبي النجود عن وائل بن ربيعة عن ابن مسعود أنه قال: تعدل شهادة الزور الإشراك بالله، ثم قرأ هذه الاَية

وقوله: {حنفاء لله} أي مخلصين له الدين منحرفين عن الباطل قصداً إلى الحق، ولهذا قال: {غير مشركين به} ثم ضرب للمشرك مثلاً في ضلاله وهلاكه وبعده عن الهدى، فقال: {ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء} أي سقط منها {فتخطفه الطير} أي تقطعه الطيور في الهواء {أو تهوي به الريح في مكان سحيق} أي بعيد مهلك لمن هوى فيه، ولهذا جاء في حديث البراء: إن الكافر إذا توفته ملائكة الموت وصعدوا بروحه إلى السماء، فلا تفتح له أبواب السماء بل تطرح روحه طرحاً من هناك، ثم قرأ هذه الاَية، وقد تقدم الحديث في سورة إبراهيم بحروفه وألفاظه وطرقه. وقد ضرب تعالى للمشركين مثلاً آخر في سورة الأنعام. وهو قوله: {قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى} الاَية





ذَلِكَ وَمَن يُعَظّمْ شَعَائِرَ اللّهِ فَإِنّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ * لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَىَ أَجَلٍ مّسَمّى ثُمّ مَحِلّهَآ إِلَىَ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ



يقول تعالى هذا {ومن يعظم شعائر الله} أي أوامره {فإنها من تقوى القلوب} ومن ذلك تعظيم الهدايا والبدن، كما قال الحكم عن مقسم عن ابن عباس: تعظيمها استسمانها واستحسانها. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا حفص بن غياث عن ابن أبي ليلى عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد عن ابن عباس {ذلك ومن يعظم شعائر الله} قال: الاستسمان والاستحسان والاستعظام. وقال أبو أمامة بن سهل: كنا نسمن الأضحية بالمدينة، وكان المسلمون يسمنون، رواه البخاري، وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «دم عفراء أحب إلى الله من دم سوداوين» رواه أحمد وابن ماجه، قالوا: والعفراء هي البيضاء بياضاً ليس بناصع، فالبيضاء أفضل من غيرها، وغيرها يجزىء أيضاً لما ثبت في صحيح البخاري عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين أملحين أقرنين، وعن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى بكبش أقرن كحيل، يأكل في سواد، وينظر في سواد، ويمشي في سواد، رواه أهل السنن وصححه الترمذي ـ أي فيه نكتة سوداء في هذه الأماكن

وفي سنن ابن ماجه عن أبي رافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين عظيمين سمينين أقرنين أملحين موجوءين، وكذا روى أبو داود وابن ماجه عن جابر: ضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين أقرنين أملحين موجوءين. قيل: هما الخصيان، وقيل اللذان رض خصياهما ولم يقطعهما، والله أعلم. وعن علي رضي الله عنه قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستشرف العين والأذن، وأن لا نضحي بمقابلة ولا مدابرة ولا شرقاء ولا خرقاء، رواه أحمد وأهل السنن، وصححه الترمذي ولهم عنه، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نضحي بأعضب القرن والأذن، وقال سعيد بن المسيب: العضب النصف فأكثر، وقال بعض أهل اللغة: إن كسر قرنها الأعلى فهي قصماء، فأما العضب فهو كسر الأسفل، وعضب الأذن قطع بعضها. وعند الشافعي أن الأضحية بذلك مجزئة لكن تكره. وقال أحمد: لا تجزىء الأضحية بأعضب القرن والأذن لهذا الحديث. وقال مالك: إن كان الدم يسيل من القرن لم يجزىء وإلا أجزأ، والله أعلم

وأما المقابلة فهي التي قطع مقدم أذنها، والمدابرة من مؤخر أذنها، والشرقاء هي التي قطعت أذنها طولاً، قاله الشافعي، وأما الخرقاء فهي التي خرقت السمة أذنها خرقاً مدوراً، والله أعلم. وعن البراء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أربع لاتجوز في الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ظَلعَها، والكسيرة التي لاتنقى» رواه أحمد وأهل السنن، وصححه الترمذي، وهذه العيوب تنقص اللحم لضعفها وعجزها عن استكمال الرعي لأن الشاء يسبقونها إلى المرعى، فلهذا لا تجزيء التضحية بها عند الشافعي وغيره من الأئمة، كما هو ظاهر الحديث، واختلف قول الشافعي في المريضة مرضاً يسيراً على قولين، وروى أبو داود عن عتبة بن عبد السلمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المصفرة والمستأصلة والبخقاء والمشيعة والكسراء، فالمصفرة قيل الهزيلة، وقيل المستأصلة الأذن، والمستأصلة مكسورة القرن، والبخقاء هي العوراء، والمشيعة هي التي لا تزال تشيع خلف الغنم ولا تتبع لضعفها، والكسراء العرجاء، فهذه العيوب كلها مانعة من الإجزاء، فأما إن طرأ العيب بعد تعيين الأضحية فإنه لا يضر عند الشافعي خلافاً لأبي حنيفة، وقد روى الإمام أحمد عن أبي سعيد قال: اشتريت كبشاً أضحي به، فعدا الذئب فأخذ الألية، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ضح به» ولهذا جاء في الحديث أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نستشرف العين والأذن، أي أن تكون الهدية أو الأضحية سمينة حسنة ثمينة، كما رواه الإمام أحمد وأبو داود عن عبد الله بن عمر قال: أهدى عمر نجيباً فأعطي بها ثلثمائة دينار، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني أهديت نجيباً فأعطيت بها ثلثمائة دينار، أفأبيعها وأشتري بثمنها بدناً ؟ قال: لا «انحرها إياها» وقال الضحاك عن ابن عباس البدن من شعائر الله. وقال محمد بن أبي موسى: الوقوف ومزدلفة والجمار والرمي والحلق والبدن من شعائر الله. وقال ابن عمر: أعظم الشعائر البيت

وقوله: «لكم فيها منافع» أي لكم في البدن منافع من لبنها وصوفها وأوبارها وأشعارها وركوبها إلى أجل مسمى. قال مقسم عن ابن عباس في قوله: {لكم فيها منافع إلى أجل مسمى} قال: ما لم تسم بدناً. وقال مجاهد في قوله: {لكم فيها منافع إلى أجل مسمى} قال: الركوب واللبن والولد، فإذا سميت بدنة أو هدياً ذهب ذلك كله، وكذا قال عطاء والضحاك وقتادة وعطاء الخراساني وغيرهم. وقال آخرون: بل له أن ينتفع بها وإن كانت هدياً إذا احتاج إلى ذلك، كما ثبت في الصحيحين عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يسوق بدنة قال «اركبها» قال: إنها بدنة. قال «اركبها ويحك» في الثانية أو الثالثة. وفي رواية لمسلم عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها» وقال شعبة عن زهير عن أبي ثابت الأعمى عن المغيرة بن عن علي أنه رأى رجلاً يسوق بدنة ومعها ولدها فقال: لا تشرب من لبنها إلا ما فضل عن ولدها، فإذا كان يوم النحر فاذبحها وولدها

وقوله: {ثم محلها إلى البيت العتيق} أي محل الهدي وانتهاؤه إلى البيت العتيق، وهو الكعبة، كما قال تعالى: {هدياً بالغ الكعبة} وقال: {والهدي معكوفاً أن يبلغ محله} وقد تقدم الكلام على معنى البيت العتيق قريباً، ولله الحمد. وقال ابن جريج عن عطاء قال: كان ابن عباس يقول: كل من طاف بالبيت فقد حل، قال الله تعالى: {ثم محلها إلى البيت العتيق}





وَلِكُلّ أُمّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً لّيَذْكُرُواْ اسْمَ اللّهِ عَلَىَ مَا رَزَقَهُمْ مّن بَهِيمَةِ الأنْعَامِ فَإِلَـَهُكُمْ إِلَـَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُواْ وَبَشّرِ الْمُخْبِتِينَ * الّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصّابِرِينَ عَلَىَ مَآ أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصّلاَةِ وَمِمّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ



يخبر تعالى أنه لم يزل ذبح المناسك وإراقة الدماء على اسم الله مشروعاً في جميع الملل. وقال ابن أبي طلحة عن ابن عباس {ولكل أمة جعلنا منسكاً} قال: عيداً. وقال عكرمة: ذبحاً. وقال زيد بن أسلم في قوله: {ولكل أمة جعلنا منسكاً} إنها مكة، لم يجعل الله لأمة قط منسكاً غيرها. وقوله: {ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام} كما ثبت في الصحيحين عن أنس قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين، فسمى وكبر ووضع رجله على صفاحهما. وقال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا سلام بن مسكين عن عائذ الله المجاشعي عن أبي داود ـ وهو نفيع بن الحارث ـ عن زيد بن أرقم قال: قلت أو قالوا: يا رسول الله ما هذه الأضاحي ؟ قال: «سنة أبيكم إبراهيم» قالوا: ما لنا منها ؟ قال: «بكل شعرة حسنة قال فالصوف ؟ قال «بكل شعرة من الصوف حسنة» وأخرجه الإمام أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه في سننه من حديث سلام بن مسكين به

وقوله: {فإلهكم إله واحد فله أسلموا} أي معبودكم واحد وإن تنوعت شرائع الأنبياء ونسخ بعضها بعضاً، فالجميع يدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} ولهذا قال: {فله أسلموا} أي أخلصوا واستسلموا لحكمه وطاعته {وبشر المخبتين} قال مجاهد: المطمئنين. وقال الضحاك وقتادة: المتواضعين. وقال السدي: الوجلين. وقال عمرو بن أوس: المخبتين الذين لا يظلمون وإذا ظلموا لم ينتصروا. وقال الثوري {وبشر المخبتين} قال: المطمئنين الراضين بقضاء الله المستسلمين له، وأحسن بما يفسر بما بعده وهو قوله: {الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} أي خافت منه قلوبهم {والصابرين على ما أصابهم} أي من المصائب. قال الحسن البصري: والله لنصبرن أو لنهلكن {والمقيمي الصلاة} قرأ الجمهور بالإضافة السبعة وبقية العشرة أيضاً وقرأ ابن السميفع {والمقيمن الصلاة} بالنصب وعن الحسن البصري {والمقيمي الصلاة} وإنما حذفت النون ههنا تخفيفاً، ولو حذفت للإضافة لوجب خفض الصلاة ولكن على سبيل التخفيف، فنصبت، أي المؤدين حق الله فيما أوجب عليهم من أداء فرائضه {ومما رزقناهم ينفقون} أي وينفقون ما آتاهم الله من طيب الرزق على أهليهم وأرقائهم وفقرائهم ومحاويجهم، ويحسنون إلى الخلق مع محافظتهم على حدود الله، وهذه بخلاف صفات المنافقين، فإنهم بالعكس من هذا كله كما تقدم تفسيره في سورة براءة





وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مّن شَعَائِرِ اللّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُواْ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهَا صَوَآفّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرّ كَذَلِكَ سَخّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ



يقول تعالى ممتناً على عباده فيما خلق لهم من البدن وجعلها من شعائره، وهو أنه جعلها تهدى إلى بيته الحرام، بل هي أفضل ما يهدى إليه، كما قال تعالى: {لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام} الاَية، قال ابن جريج، قال عطاء في قوله: {والبدن جعلناها لكم من شعائر الله} قال البقرة والبعير، وكذا روي عن ابن عمر وسعيد بن المسيب والحسن البصري، وقال مجاهد: وإنما البدن من الإبل {قلت} أما إطلاق البدنة على البعير فمتفق عليه، واختلفوا في صحة إطلاق البدنة على البقرة على قولين، أصحهما أنه يطلق عليها ذلك شرعاً كما صح الحديث، ثم جمهور العلماء على أنه تجزىء البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة، كما ثبت به الحديث عند مسلم من رواية جابر بن عبد الله قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشترك في الأضاحي البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة. وقال إسحاق بن راهويه وغيره: بل تجزىء البقرة والبعير عن عشرة، وقد ورد به حديث في مسند الإمام أحمد وسنن النسائي وغيرهما، فالله أعلم

وقوله: {لكم فيها خير} أي ثواب في الدار الاَخرة، وعن سليمان بن يزيد الكعبي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما عمل ابن آدم يوم النحر عملاً أحب إلى الله من إهراق دم. وإنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض، فطيبوا بها نفساً» رواه ابن ماجه والترمذي وحسنه، وقال سفيان الثوري: كان أبو حازم يستدين ويسوق البدن، فقيل له: تستدين وتسوق البدن ؟ فقال: إني سمعت الله يقول لكم: {لكم فيها خير}. وعن ابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ما أنفقت الورق في شيء أفضل من نحيرة في يوم عيد» رواه الدارقطني في سننه. وقال مجاهد: {لكم فيها خير} قال: أجر ومنافع، وقال إبراهيم النخعي: يركبها ويحلبها إذا احتاج إليها

وقوله: {فاذكروا اسم الله عليها صواف} وعن المطلب بن عبد الله بن حنطب عن جابر بن عبد الله قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عيد الأضحى، فلما انصرف أتى بكبش فذبحه، فقال: «باسم الله والله أكبر، اللهم هذا عني وعمن لم يضح من أمتي» رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن ابن عباس عن جابر قال: ضحّى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين في يوم عيد، فقال حين وجههما: «وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين، اللهم منك ولك عن محمد وأمته» ثم سمى الله وكبّر وذبح. وعن علي بن الحسين عن أبي رافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ضحى اشترى كبشين سمينين أقرنين أملحين فإذا صلى وخطب الناس، أتي بأحدهما وهو قائم في مصلاه، فذبحه بنفسه بالمدية، ثم يقول: «اللهم هذا عن أمتي جميعها: من شهد لك بالتوحيد وشهد لي بالبلاغ» ثم يؤتى بالاَخر فيذبحه بنفسه، ثم يقول «هذا عن محمد وآل محمد» فيطعمهما جميعاً للمساكين ويأكل هو وأهله منهما، رواه أحمد وابن ماجه

وقال الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس في قوله: {فاذكروا اسم الله عليها صواف} قال: قياماً على ثلاث قوائم، معقولة يدها اليسرى، يقول: باسم الله والله أكبر لا إله إلا الله، اللهم منك ولك، وكذلك روي عن مجاهد وعلي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس نحو هذا. وقال ليث عن مجاهد: إذا عقلت رجلها اليسرى قامت على ثلاث، وروى ابن أبي نجيح عنه نحوه. وقال الضحاك: تعقل رجل واحدة فتكون على ثلاث. وفي الصحيحين عن ابن عمر أنه أتى على رجل قد أناخ بدنته وهو ينحرها فقال: ابعثها قياماً مقيدة، سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم ، وعن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا ينحرون البدن معقولة اليسرى قائمة على ما بقي من قوائمها، رواه أبو داود. وقال ابن لهيعة: حدثني عطاء بن دينار أن سالم بن عبد الله قال لسليمان بن عبد الملك: قف من شقها الأيمن وانحر من شقها الأيسر. وفي صحيح مسلم عن جابر في صفة حجة الوداع قال فيه: فنحر رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ثلاثاً وستين بدنة جعل يطعنها بحربة في يده

وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة قال: في حرف ابن مسعود {صوافن} أي معقلة قياماً. وقال سفيان الثوري عن منصور عن مجاهد من قرأها صوافن قال: معقولة، ومن قرأها صواف قال تصف بين يديها، وقال طاوس والحسن وغيرهما {فاذكروا اسم الله عليها صوافي} يعني خالصة لله عز وجل، وكذا رواه مالك عن الزهري. وقال عبد الرحمن بن زيد: صوافي ليس فيها شرك كشرك الجاهلية لأصنامهم

وقوله: {فإذا وجبت جنوبها} قال ابن أبي نجيح عن مجاهد: يعني سقطت إلى الأرض، وهو رواية عن ابن عباس، وكذا قال مقاتل بن حيان وقال العوفي عن ابن عباس: فإذا وجبت جنوبها يعني نحرت. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: فإذ وجبت جنوبها، يعني ماتت، وهذا القول هو مراد ابن عباس ومجاهد، فإنه لا يجوز الأكل من البدنة إذا نحرت حتى تموت وتبرد حركتها. وقد جاء في حديث مرفوع «لا تعجلوا النفوس أن تزهق» وقد رواه الثوري في جامعه عن أيوب عن يحيى بن أبي كثير عن قرافصة الحنفي، عن عمر بن الخطاب أنه قال ذلك، ويؤيده حديث شداد بن أوس في صحيح مسلم «إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته» وعن أبي واقد الليثي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة» رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه

وقوله: {فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر} قال بعض السلف: قوله: {فكلوا منها} أمر إباحة. وقال مالك: يستحب ذلك، وقال غيره: يجب، وهو وجه لبعض الشافعية. واختلفوا في المراد بالقانع والمعتر، فقال العوفي عن ابن عباس: القانع المستغني بما أعطيته وهو في بيته، والمعتر الذي يتعرض لك ويلم بك أن تعطيه من اللحم ولا يسأل، وكذا قال مجاهد ومحمد بن كعب القرظي. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: القانع المتعفف، والمعتر السائل، وهذا قول قتادة وإبراهيم النخعي ومجاهد في رواية عنه. وقال ابن عباس وعكرمة وزيد بن أسلم وابن الكلبي والحسن البصري ومقاتل بن حيان ومالك بن أنس: القانع هو الذي يقنع إليك ويسألك، والمعتر الذي يعتريك يتضرع ولا يسألك، وهذا لفظ الحسن. وقال سعيد بن جبير: القانع هو السائل، قال: أما سمعت قول الشماخ

لمال المرء يصلحه فيغنى مفاقره أعف من القنوع

قال: يغنى من السؤال، وبه قال ابن زيد. وقال بن أسلم: القانع المسكين الذي يطوف، والمعتر الصديق والضعيف الذي يزور، وهو رواية عن ابنه عبد الله بن زيد أيضاً. وعن مجاهد أيضاً: القانع جارك الغني الذي يبصر ما يدخل بيتك، والمعتر الذي يعتريك من الناس، وعنه: أن القانع هو الطامع، والمعتر هو الذي يعتر بالبدن من غني أو فقير، وعن عكرمة نحوه، وعنه: القانع أهل مكة، واختار ابن جرير أن القانع هو السائل، لأنه من أقنع بيده إذا رفعها للسؤال، والمعتر من الاعتراء وهو الذي يتعرض لأكل اللحم. وقد احتج بهذه الاَية الكريمة من ذهب من العلماء إلى أن الأضحية تجزأ ثلاثة أجزاء: فثلث لصاحبها يأكله، وثلث يهديه لأصحابه، وثلث يتصدق به على الفقراء، لأنه تعالى قال: {فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر}

وفي الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للناس: «إني كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فكلوا وادخروا ما بدا لكم». وفي رواية «فكلوا وادخروا وتصدقوا». وفي رواية «فكلوا وأطعموا وتصدقوا». والقول الثاني: أن المضحي يأكل النصف ويتصدق بالنصف، لقوله في الاَية المتقدمة: {فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير} ولقوله في الحديث: فكلوا وادخروا وتصدقوا» فإن أكل الكل، فقيل: لا يضمن شيئاً، وبه قال ابن سريج من الشافعية. وقال بعضهم: يضمنها كلها بمثلها أو قيمتها. وقيل يضمن نصفها وقيل ثلثها. وقيل أدنى جزء منها، وهو المشهور من مذهب الشافعي. وأما الجلود ففي مسند أحمد عن قتادة بن النعمان في حديث الأضاحي «فكلوا وتصدقوا، واستمتعوا بجلودها ولا تبيعوها» ومن العلماء من رخص في بيعها، ومنهم من قال: يقاسم الفقراء ثمنها، والله أعلم

مسألة : عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل الصلاة فإنما هو لحم قدمه لأهله ليس هو من النسك في شيء» أخرجاه، فلهذا قال الشافعي وجماعة من العلماء: إن أول وقت ذبح الأضاحي إذا طلعت الشمس يوم النحر ومضى قدر صلاة العيد والخطبتين، زاد أحمد: وأن يذبح الإمام بعد ذلك لما جاء في صحيح مسلم: وأن لا تذبحوا حتى يذبح الإمام. وقال أبو حنيفة: أما أهل السواد من القرى ونحوهم فلهم أن يذبحوا بعد طلوع الفجر إذ لا صلاة عيد تشرع عنده لهم. وأما أهل الأمصار فلا يذبحوا حتى يصلي الإمام، والله أعلم. ثم قيل: لا يشرع بالذبح إلا يوم النحر وحده. وقيل: يوم النحر لأهل الأمصار لتيسر الأضاحي عندهم، وأما اهل القرى فيوم النحر وأيام التشريق بعده، وبه قال سعيد بن جبير. وقيل: يوم النحر ويوم بعده للجميع، وقيل: ويومان بعده، وبه قال الإمام أحمد. وقيل: يوم النحر وثلاثة أيام التشريق بعده، وبه قال الشافعي لحديث جبير بن مطعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أيام التشريق كلها ذبح» رواه أحمد وابن حبان. وقيل: إن وقت الذبح يمتد إلى آخر ذي الحجة، وبه قال إبراهيم النخعي وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وهو قول غريب. وقوله: {كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون} يقول تعالى من أجل هذا {سخرناها لكم} أي ذللناها لكم، وجعلناها منقادة لكم خاضعة، إن شئتم ركبتم، وإن شئتم حلبتم، وإن شئتم ذبحتم، كما قال تعالى: {أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما علمت أيدينا أنعاماً فهم لها مالكون ـ إلى قوله ـ أفلا يشكرون} وقال في هذه الاَية الكريمة: {كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون}





لَن يَنَالَ اللّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا وَلَـَكِن يَنَالُهُ التّقْوَىَ مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبّرُواْ اللّهَ عَلَىَ مَا هَدَاكُمْ وَبَشّرِ الْمُحْسِنِينَ



يقول تعالى: إنما شرع لكم نحر هذه الهدايا والضحايا لتذكروه عند ذبحها، فإنه الخالق الرزاق لا يناله شيء من لحومها ولا دمائها، فإنه تعالى هو الغني عما سواه وقد كانوا في جاهليتهم إذا ذبحوها لاَلهتهم وضعوا عليها من لحوم قرابينهم، ونضحوا عليها من دمائها، فقال تعالى: {لن ينال الله لحومها ولا دماؤها}. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن أبي حماد، حدثنا إبراهيم بن المختار عن ابن جريج قال: كان أهل الجاهلية ينضحون البيت بلحوم الإبل ودمائها، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : فنحن أحق أن ننضح، فأنزل الله {لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم} أي يتقبل ذلك ويجزي عليه، كما جاء في الصحيح «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى ألوانكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم». وجاء في الحديث «إن الصدقة لتقع في يد الرحمن قبل أن تقع في يد السائل، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض» كما تقدم في الحديث، رواه ابن ماجه والترمذي، وحسنه عن عائشة مرفوعاً، فمعناه أنه سيق لتحقيق القبول من الله لمن أخلص في عمله وليس له معنى يتبادر عند العلماء المحققين سوى هذا، والله أعلم

وقال وكيع عن يحيى بن مسلم أبي الضحاك: سألت عامراً الشعبي عن جلود الأضاحي، فقال: {لن ينال الله لحومُها ولا دماؤها} إن شئت فبع، وإن شئت فأمسك، وإن شئت فتصدق. وقوله: {كذلك سخرها لكم} أي من أجل ذلك سخر لكم البدن {لتكبروا الله على ما هداكم} أي لتعظموه كما هداكم لدينه وشرعه وما يحبه ويرضاه ونهاكم عن فعل ما يكرهه ويأباه. وقوله: {وبشر المحسنين} أي وبشر يا محمد المحسنين أي في عملهم القائمين بحدود الله المتبعين ما شرع لهم المصدقين الرسول فيما أبلغهم وجاءهم به من عند ربه عز وجل

مسألة : وقد ذهب أبو حنيفة ومالك والثوري إلى القول بوجوب الأضحية على من ملك نصاباً، وزاد أبو حنيفة اشتراط الإقامة أيضاً، واحتج لهم بما رواه أحمد وابن ماجه بإسناد رجاله كلهم ثقات، عن أبي هريرة مرفوعاً: «من وجد سعة فلم يضح، فلا يقربن مصلانا» على أن فيه غرابة، واستنكره أحمد بن حنبل، وقال ابن عمر: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين يضحي، رواه الترمذي. وقال الشافعي وأحمد: لا تجب الأضحية بل هي مستحبة لما جاء في الحديث: «ليس في المال حق سوى الزكاة» وقد تقدم أنه عليه الصلاة والسلام ضحى عن أمته، فأسقط ذلك وجوبها عنهم. وقال أبو سريحة: كنت جاراً لأبي بكر وعمر، فكانا لا يضحيان خشية أن يقتدي الناس بهما، وقال بعض الناس: الأضحية سنة كفاية، إذا قام بها واحد من أهل دار أو محلة أو بيت، سقطت عن الباقين لأن المقصود إظهار الشعار. وقد روى الإمام أحمد وأهل السنن وحسنه الترمذي عن محنف بن سليم أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بعرفات: «على كل أهل بيت في كل عام أضحاة وعتيرة، هل تدرون ما العتيرة ؟ هي التي تدعونها الرجبية» وقد تكلم في إسناده. وقال أبو أيوب: كان الرجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحي بالشاة الواحدة عنه وعن أهل بيته، فيأكلون ويطعمون حتى تباهى الناس، فصار كما ترى، رواه الترمذي وصححه وابن ماجه، وكان عبد الله بن هشام يضحي بالشاة الواحدة عن جميع أهله، رواه البخاري. وأما مقدار سن الأضحية فقد روى مسلم عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تذبحوا إلا مسنة، إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن» ومن ههنا ذهب الزهري إلى أن الجذع لا يجزىء، وقابله الأوزاعي فذهب إلى أن الجذع يجزىء من كل جنس، وهما غريبان. والذي عليه الجمهور إنما يجزىء الثني من الإبل والبقر والمعز، أو الجذع من الضأن، فأما الثني من الإبل فهو الذي له خمس سنين ودخل في السادسة، ومن البقر ما له سنتان ودخل في الثالثة، وقيل ما له ثلاث ودخل في الرابعة، ومن المعز ما له سنتان، وأما الجذع من الضأن فقيل ما له سنة، وقيل عشرة أشهر، وقيل ثمانية، وقيل ستة أشهر، وهو أقل ما قيل في سنه، وما دونه فهو حمل، والفرق بينهما أن الحمل شعر ظهره قائم. والجذع شعر ظهره نائم. قد انفرق صدغين والله أعلم





إِنّ اللّهَ يُدَافِعُ عَنِ الّذِينَ آمَنُوَاْ إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ كُلّ خَوّانٍ كَفُورٍ



يخبر تعالى أنه يدفع عن عباده الذين توكلوا عليه وأنابوا إليه شر الأشرار وكيد الفجار ويحفظهم ويكلؤهم وينصرهم، كما قال تعالى: {أليس الله بكاف عبده} وقال: {ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره، قد جعل الله لكل شيء قدراً} وقوله: {إن الله لا يحب كل خوان كفور} أي لا يحب من عباده من اتصف بهذا، وهو الخيانة في العهود والمواثيق لا يفي بما قال، والكفر الجحد للنعم، فلا يعترف بها





أُذِنَ لِلّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنّ اللّهَ عَلَىَ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقّ إِلاّ أَن يَقُولُواْ رَبّنَا اللّهُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لّهُدّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسمُ اللّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنّ اللّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنّ اللّهَ لَقَوِيّ عَزِيزٌ



قال العوفي عن ابن عباس: نزلت في محمد وأصحابه حين أخرجوا من مكة. وقال مجاهد والضحاك، وغير واحد من السلف كابن عباس ومجاهد وعروة بن الزبير وزيد بن أسلم ومقاتل بن حيان وقتادة وغيرهم: هذه أول آية نزلت في الجهاد، واستدل بهذه الاَية بعضهم على أن السورة مدنية. وقال ابن جرير: حدثني يحيى بن داود الواسطي، حدثنا إسحاق بن يوسف عن سفيان عن الأعمش عن مسلم هو البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : لما أخرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم إنا لله وإنا إليه راجعون ليهلكن. قال ابن عباس: فأنزل الله عز وجل {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير} قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: فعرفت أنه سيكون قتال. وقال الإمام أحمد عن إسحاق بن يوسف الأزرق به، وزاد: قال ابن عباس وهي أول آية نزلت في القتال. ورواه الترمذي والنسائي في التفسير من سننيهما وابن أبي حاتم من حديث إسحاق بن يوسف، زاد الترمذي ووكيع كلاهما عن سفيان الثوري به. وقال الترمذي: حديث حسن، وقدرواه غير واحد عن الثوري وليس فيه ابن عباس

وقوله: {وإن الله على نصرهم لقدير} أي هو قادر على نصر عباده المؤمنين من غير قتال، ولكن هو يريد من عباده أن يبذلوا جهدهم في طاعته، كما قال: {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منّاً بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله لا نتصر منهم ولكن ليبلوا بعضكم ببعض، والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم سيهديهم ويصلح بالهم ويدخلهم الجنة عرفها لهم} وقال تعالى: {قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين، ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم} وقال: {أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعلمون} وقال: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} وقال: {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم} والاَيات في هذا كثيرة

ولهذا قال ابن عباس في قوله: {وإن الله على نصرهم لقدير} وقد فعل، وإنما شرع تعالى الجهاد في الوقت الأليق به، لأنهم لما كانوا بمكة كان المشركون أكثر عدداً فلو أمر المسلمين وهم أقل من العشر بقتال الباقين لشق عليهم، ولهذا لما بايع أهل يثرب ليلة العقبة رسول الله صلى الله عليه وسلم . وكانوا نيفاً وثمانين، قالوا: يا رسول الله ألا نميل على أهل الوادي، يعنون أهل منى، ليالي منى فنقتلهم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إني لم أومر بهذا» فلما بغى المشركون وأخرجوا النبي صلى الله عليه وسلم من بين أظهرهم وهموا بقتله، وشردوا أصحابه شذر مذر، فذهب منهم طائفة إلى الحبشة وآخرون إلى المدينة، فلما استقروا بالمدينة ووافاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم واجتمعوا عليه، وقاموا بنصره وصارت لهم دار إسلام ومعقلاً يلجئون إليه، شرع الله جهاد الأعداء، فكانت هذه الاَية أول ما نزل في ذلك، فقال تعالى: {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير * الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق} قال العوفي عن ابن عباس: أخرجوا من مكة إلى المدينة بغير حق، يعني محمداً وأصحابه {إلا أن يقولوا ربنا الله} أي ما كان لهم إلى قومهم إساءة، ولا كان لهم ذنب إلا أنهم وحدوا الله وعبدوه لا شريك له، وهذا استثناء منقطع بالنسبة إلى ما في نفس الأمر، وأما عند المشركين فإنه أكبر الذنوب، كما قال تعالى: {يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم} وقال تعالى في قصة أصحاب الأخدود: {وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيزالحميد} ولهذا لما كان المسلمون يرتجزون في بناء الخندق ويقولون

اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا

فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا

إن الألى قد بغوا علينا إذا أرادوا فتنة أبينا

فيوافقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول معهم آخر كل قافية، فإذا قالوا: * إذا أرادوا فتنة أبينا * يقول: أبينا يمد بها صوته، ثم قال تعالى: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض} أي لولا أنه يدفع بقوم عن قوم، ويكف شرور أناس عن غيرهم بما يخلقه ويقدره من الأسباب، لفسدت الأرض ولأهلك القوي الضعيف {لهدمت صوامع} وهي المعابد الصغار للرهبان، قاله ابن عباس ومجاهد وأبو العالية وعكرمة والضحاك وغيرهم. وقال قتادة: هي معابد الصابئين، وفي رواية عنه: صوامع المجوس، وقال مقاتل بن حيان: هي البيوت التي على الطرق {وبيع} وهي أوسع منها، وأكثر عابدين فيها، وهي للنصارى أيضاً، قاله أبو العالية وقتادة والضحاك وابن صخر ومقاتل بن حيان وخصيف وغيرهم. وحكى ابن جبير عن مجاهد وغيره أنها كنائس اليهود، وحكى السدي عمن حدثه عن ابن عباس أنها كنائس اليهود، ومجاهد إنما قال: هي الكنائس، والله أعلم

وقوله: {وصلوات} قال العوفي عن ابن عباس: الصلوات الكنائس وكذا قال عكرمة والضحاك وقتادة: إنها كنائس اليهود، وهم يسمونها صلوات. وحكى السدي عمن حدثه عن ابن عباس أنها كنائس النصارى. وقال أبو العالية وغيره: الصلوات معابد الصابئين. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: الصوات مساجد لأهل الكتاب ولأهل الإسلام بالطرق، وأما المساجد فهي للمسلمين. وقوله: {يذكر فيها اسم الله كثيراً} فقد قيل: الضمير في قوله يذكر فيها عائد إلى المساجد لأنها أقرب المذكورات. وقال الضحاك: الجميع يذكر فيها اسم الله كثيراً. وقال ابن جرير: الصواب لهدمت صوامع الرهبان وبيع النصارى وصلوات اليهود، وهي كنائسهم، ومساجد المسلمين التي يذكر فيها اسم الله كثيراً، لأن هذا هو المستعمل المعروف في كلام العرب. وقال بعض العلماء: هذا ترق من الأقل إلى الأكثر إلى أن انتهى إلى المساجد وهي أكثر عماراً وأكثر عبادا وهم ذوو القصد الصحيح

وقوله: {ولينصرن الله من ينصره} كقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم والذين كفروا فتعساً لهم وأضل أعمالهم}. وقوله: {إن الله لقوي عزيز} وصف نفسه بالقوة والعزة، فبقوته خلق كل شيء فقدره تقديراً، وبعزته لا يقهره قاهر ولا يغلبه غالب، بل كل شيء ذليل لديه فقير إليه، ومن كان القوي العزيز ناصره فهو المنصور وعدوه هو المقهور، قال الله تعالى: {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون} وقال تعالى: {كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله لقوي عزيز}





الّذِينَ إِنْ مّكّنّاهُمْ فِي الأرْضِ أَقَامُواْ الصّلاَةَ وَآتَوُاْ الزّكَـاةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلّهِ عَاقِبَةُ الاُمُورِ



قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الربيع الزهراني، حدثنا حماد بن زيد عن أيوب وهشام عن محمد قال: قال عثمان بن عفان: فينا نزلت {الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر} فأخرجنا من ديارنا بغير حق إلا أن قلنا: ربنا الله ثم مكنا في الأرض، فأقمنا الصلاة وآتينا الزكاة، وأمرنا بالمعروف، ونهينا عن المنكر، ولله عاقبة الأمور فهي لي ولأصحابي. وقال أبو العالية: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، وقال الصباح بن سوادة الكندي: سمعت عمر بن عبد العزيز يخطب وهو يقول: {الذين إن مكناهم في الأرض} الاَية، ثم قال: ألا إنها ليست على الوالي وحده، ولكنها على الوالي والمولى عليه، ألا أنبئكم بما لكم على الوالي من ذلكم، وبما للوالي عليكم منه ؟ إن لكم على الوالي من ذلكم أن يؤاخذكم بحقوق الله عليكم، وأن يأخذ لبعضكم من بعض، وأن يهديكم للتي هي أقوم ما استطاع، وإن عليكم من ذلك الطاعة غير المبزوزة ولا المستكره بها، ولا المخالف سرها علانيتها. وقال عطية العوفي: هذه الاَية كقوله: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض} وقوله: {ولله عاقبة الأمور} كقوله تعالى: {والعاقبة للمتقين}. وقال زيد بن أسلم {ولله عاقبة الأمور} وعند الله ثواب ما صنعوا





وَإِن يُكَذّبُوكَ فَقَدْ كَذّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ * وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذّبَ مُوسَىَ فَأمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ * فَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىَ عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مّعَطّلَةٍ وَقَصْرٍ مّشِيدٍ * أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنّهَا لاَ تَعْمَى الأبْصَارُ وَلَـَكِن تَعْمَىَ الْقُلُوبُ الّتِي فِي الصّدُورِ



يقول تعالى مسلياً لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم في تكذيب من خالفه من قومه: {وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح ـ إلى أن قال ـ وكذب موسى} أي مع ما جاء به من الاَيات البينات والدلائل الواضحات {فأمليت للكافرين} أي أنظرتهم وأخرتهم، {ثم أخذتهم فكيف كان نكير} أي فيكف كان إنكاري عليهم ومعاقبتي لهم ؟! وذكر بعض السلف أنه كان بين قول فرعون لقومه: أنا ربكم الأعلى، وبين إهلاك الله له أربعون سنة. وفي الصحيحين عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» ثم قرأ {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد} ثم قال تعالى: {فكأين من قرية أهلكناها} أي كم من قرية أهلكتها {وهي ظالمة} أي مكذبة لرسلها {فهي خاوية على عروشها} قال الضحاك: سقوفها، أي قد خربت وتعطلت حواضرها {وبئر معطلة} أي لا يستقى منها، ولا يردها أحد بعد كثرة وارديها والإزدحام عليها {وقصر مشيد} قال عكرمة يعني المبيض بالجص، وروي عن علي بن أبي طالب ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير وأبي المليح والضحاك نحو ذلك. وقال آخرون: هو المنيف المرتفع. وقال آخرون: المشيد المنيع الحصين، وكل هذه الأقوال متقاربة ولا منافاة بينها، فإنه لم يحم أهله شدة بنائه ولا ارتفاعه ولا إحكامه ولا حصانته عن حلول بأس الله بهم كما قال تعالى: {أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة}

وقوله: {أفلم يسيروا في الأرض} أي بأبدانهم وبفكرهم أيضاً، وذلك كاف كما قال ابن أبي الدنيا في كتاب التفكر والاعتبار: حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا سيار، حدثنا جعفر، حدثنا مالك بن دينار قال: أوحى الله تعالى إلى موسى بن عمران عليه السلام أن يا موسى اتخذ نعلين من حديد وعصا، ثم سح في الأرض، ثم اطلب الاَثار والعبر، حتى يتخرق النعلان وتنكسر العصا. وقال ابن أبي الدنيا: قال بعض الحكماء: أحي قلبك بالمواعظ، ونوره بالتفكر، وموته بالزهد، وقوّه باليقين، وذلله بالموت، وقرره بالفناء، وبصره فجائع الدنيا، وحذره صولة الدهر وفحش تقلب الأيام، واعرض عليه أخبار الماضين، وذكره ما أصاب من كان قبله، وسيره في ديارهم وآثارهم، وانظر ما فعلوا وأين حلوا وعم انقلبوا، أي فانظروا ما حل بالأمم المكذبة من النقم والنكال {فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها} أي فيعتبرون بها {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} أي ليس العمى عمى البصر، وإنما العمى عمى البصرة، وإن كانت القوة الباصرة سليمة فإنها لا تنفذ إلى العبر ولا تدري ما الخبر، وما أحسن ما قاله بعض الشعراء في هذا المعنى، وهو أبو محمد عبد الله بن محمد بن سارة الأندلسي الشنتريني، وقد كانت وفاته سنة سبع عشرة وخمسمائة

يا من يصيخ إلى داعي الشقاء وقدنادى به الناعيان الشيب والكبر

إن كنت لا تسمع الذكرى ففيم ترى في رأسك الواعيان السمع والبصر

ليس الأصم ولا الأعمى سوى رجل لم يهده الهاديان العين والأثر

لا الدهر يبقى ولا الدنيا ولا الفلك الأعلى ولا النيّران الشمس والقمر

ليرحلن عن الدنيا وإن كرها فراقها الثاويان البدو والحضر



وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللّهُ وَعْدَهُ وَإِنّ يَوْماً عِندَ رَبّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مّمّا تَعُدّونَ * وَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيّ الْمَصِيرُ

_________________
الحمدلله
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://abubaker.jordanforum.net
 
تفسير سورة الحج 4
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الأصدقاء :: هدايات وإرشادات وتوجيهات إسلامية :: تفسير القران الكريم "ابن كثير" قراءة وتصفح ومواقع وروابط-
انتقل الى: