منتدى الأصدقاء
{وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }يونس25
And God calls to the House of Peace and guides whom He wills to a Straight Path} Younis 25
نحن سعداء للمشاركة في (منتدى الأصدقاء)
We are pleased to join in ( Forum Friends )
يشرفنا تسجيلك
We are honored register you
إدارة المنتدى
Management of Forum



منتدى الأصدقاء
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالمجموعاتالتسجيلدخول

( أهلا وسهلا بكم في منتدى الأصدقاء Welcome to the forum Friends >> الرجاء تسجيل الدخول للتعرف على فضائل الأعمال التي يحبها الله Please log in to learn about the virtues of Business loved by God

المواضيع الأخيرة
» الله لا إله إلا هو الحي القيوم
اليوم في 10:42 am من طرف abubaker

» الله لا إله إلا هو الحي القيوم
اليوم في 10:41 am من طرف abubaker

» الله لا إله إلا هو الحي القيوم -- تابع
اليوم في 10:39 am من طرف abubaker

» اسماء الله الحسني
اليوم في 10:16 am من طرف abubaker

» والخُلُقُ العظيم- كما نعلم- هو استقبال الأحداث بملكات متساوية وليست متعارضة - من سورة الأنعام
اليوم في 10:05 am من طرف abubaker

» (من شهد له خزيمة فهو حسبه). وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} [هود: 1].
الإثنين نوفمبر 28, 2016 7:52 pm من طرف abubaker

» (مَنْ شهد له خزيمة فحَسْبه). قال: يا رسول الله أَأُصدِّقُك في خبر السماء، وأُكذِّبك في عِدّة دراهم؟ --- وقوله تعالى: {أَن يَرْحَمَكُمْ..} [الإسراء: 8].
الإثنين نوفمبر 28, 2016 7:38 pm من طرف abubaker

» إزالة الظل الأزرق الذي يظهر تحت أيقونات سطح المكتب
السبت نوفمبر 26, 2016 7:22 pm من طرف abubaker

» لأن الاسم إذا أُطلِق عَلَماً على الغير انحلَّ عن معناه الأصلي ولزم العَلَمية فقط، لكن أسماء الله بقيتْ على معناها الأصلي حتى بعد أنْ أصبحتْ عَلَماً على الله تعالى، فهي إذن أسماء حُسْنى.
الإثنين نوفمبر 21, 2016 2:51 pm من طرف abubaker

ازرار التصفُّح
 البوابة
 الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث
التبادل الاعلاني

شاطر | 
 

 {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ }إبراهيم

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
abubaker



ذكر
عدد المساهمات : 18471
تاريخ التسجيل : 23/12/2010
العمر : 66
الدولـة : jordan

مُساهمةموضوع: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ }إبراهيم    الأربعاء مارس 18, 2015 1:40 am

{وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(22)}
وهنا نجد تصعيداً للحوار؛ فبعد أنْ كان من المتبوعين والتابعين؛ نجد هذا الارتقاء في الحوار ليكون بين الشيطان وبين البشر. ونلحظ أن الحق سبحانه هنا بالحال الذي يدور فيه الحوار وهو انقضاء الأمر؛ حيث يقرَّر الوَضْع النهائي لكل شيء؛ ولا نقاشَ في أيّ أمر، ولا فرصة للتراجع عما حدثَ.
وقضاءُ الأمر يعني أن يذهب كل إنسان إلى مصيره، فمَنْ كان من أهل الجنة دخلها؛ ومَنْ كان من أهل النار دخلها؛ فقد وصلتْ الأمور الى حَدَّها النهائي الذي لا تتغير من بعده.
ويفضح الشيطان نفسه فيقول: {إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحق وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ} [إبراهيم: 22].
ووَعْد الله حَقٌّ، لأنه وَعْد مِمَّنْ يملك؛ أما وَعْد الشيطان فقد اختلف؛ لأنه وعْد بما لا يملكَ؛ هو وَعْد كاذب؛ لأن الحق سبحانه هو الأمر الثابت الذي لا يتغير.
وحين تَعِد أنت- الإنسان- إنساناً آخر بخير قادم؛ فهل تضمن أنْ تُواتيك ظَروفك على أن تُحقِّق له هذا الأمر؟
ولذلك يوصينا الحق سبحانه أن نقول (إن شاء الله) وبذلك نردّ الوَعْد لله؛ فهو وحده الذي يمكنه أنْ يَعِدَ ويُنفِّذ ما يعِد به.
وعلى الواحد منا أنْ يحميَ نفسه من الكذب، وأن يقول (إن شاء الله) فإنْ لم تستطع أنْ تحققَ ما وعدت به تكون قد حميتَ نفسك من أنْ تُلِقي اتهاماً بالكذب.
ونجد الشيطان وهو يقول في الآخرة: {وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ...} [إبراهيم: 22].
ذلك أن وَعْده باطل؛ والباطل لَجلْج، وحين تحكم به الآن تُثبت لك الوقائع عكسه، وتجعلك لا تصدق ما حكمتَ به.
ولذلك نجد الحق سبحانه يوضح لنا المسافة بين الحق والباطل فيقول: {فَأَمَّا الزبد فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ الناس فَيَمْكُثُ فِي الأرض كذلك يَضْرِبُ الله الأمثال} [الرعد: 17].
وهكذا يحاول الشيطان أن يُبرِّيء نفسه رغم عِلْمه أنه قد وعد، وهو لا يملك إنفاذ ما وعد به؛ ولذلك يحاول أن يلصق التهمة بِمَنْ اتبعوه مثله مثل أولئك الذين قالوا: {لَوْ هَدَانَا الله لَهَدَيْنَاكُمْ...} [إبراهيم: 21].
فيقول الشيطان من بعد ذلك: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِي} [إبراهيم: 22].
والسلطان- كما نعلم- إما سلطانَ قَهْر أو سلطانَ إقناع. وسلطان القَهْر يعني أن يملك أحدٌ من القوة ما يقهر به غيره على أنْ يفعلَ ما يكره، بينما يكون كارهاً للفعل.
أما سلطان الحجة فهو أن يملك منطقاً يجعلك تعمل وفق ما يطلبه منك وتحب ما تفعل، وهكذا يعترف الشيطان للبشر يوم الحشر الأعظم؛ ويقول: أريد أنْ أناقشكم؛ هل كان لي سلطان قَهْريّ أقهركم به؟ هل كان لي سلطان إقناع أقعنكم به على اتباع طريقي؟
لم يكن لي في دنياكم هذه ولا تلك، فلا تتهموني ولا تجعلوني «شماعة» تُعلِّقون عليّ أخطاءكم؛ فقد غويتُ من قبلكم وخالفتُ أمر ربي؛ ولم يكن لي عليكم سلطان سوى أن دعوتُكم فاستجبتم لي.
وكل ما كان لي عندكم أنِّي حرَّكْتُ فيكم نوازع أنفسكم، وتحرَّكت نوازع أنفسكم من بعد ذلك لِتُقبِلوا على المعصية.
إذن: فالشيطان إما أنْ يُحرِّك نوازع النفس؛ أو يترك النفس تتحرك بنوازعها إلى المعصية؛ وهي كافية لذلك.
وسبق أنْ أوضحتُ كيف تُعْرف المعصية، إن كانت من الشيطان تسويلاً استقلالياً أو تسويلاً تبعياً؛ فإنْ وقفتْ النفس عند معصية بعينها؛ وكلما أبعدها الإنسان تُلِح عليه؛ فهذا هو ما تريده النفس من الإنسان حيث تطلب معصية بعَينها.
أما نَزْغ الشيطان فهو أن ينتقل الشيطان من معصية إلى أخرى محاولاً غواية الإنسان؛ إنْ وجده رافضاً لمعصية ما؛ انتقل بالغواية إلى غيرها؛ لأن الشيطان يريد الإنسان عاصياً على أيِّ لَوْن؛ فالمهم أنْ يعصي فقط؛ لذلك يحاول أن يدخل الإنسان من نقطة ضعفه؛ فإنْ وحده قوياً في ناحية اتجه إلى أخرى.
ويعلن الشيطان أنه ليس المَلُوم على ذلك: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِي فَلاَ تَلُومُونِي ولوموا أَنفُسَكُمْ...} [إبراهيم: 22].
فالملُوم هنا هو مَنْ أقبل على المعصية؛ لا مَنْ أغوى بها.
ويستمرالحق سبحانه في فَضْح ما يقوله الشيطان لمَنْ أغواهم في اليوم الآخر: {ما أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ....} [إبراهيم: 22].
هذا هو قَوْل الشيطان الذي سبق وأنْ تعالى على آدم لحظة أنْ طلب منه الحق سبحانه أن يسجدَ له مع الملائكة؛ ولكن الموقف هنا هو التساوي بين الذين أغواهم وبينه؛ فهو يعلن أنه لن ينفعهم وهم لن ينفعونه.
والمُصْرِخ من مادة الصِّراخ من صرخ، وهو رَفْع الصوت بغرض أن يسمعه غيره؛ ولا يطلب مَنْ يصرخ شيئاً آخر غير المعونة فلو أن أحداً عثر على كنز تحت قدميه فلن يصرخ؛ بل يلتفَّت حوله ليرى: هل هناك مَنْ رآه أم لا؟
أما إنْ هاجمه أسد فلابد أن يصرخ طالباً النجاة، وهكذا يكون الصراخ له مَأْرب طَلبِ المعونة؛ وهذا لا يتأتَّى إلا ممَّنْ يخاف من مِفُزِع.
و(مُصرِخ) يدل على الفعل (أصرخ)، وهو فعل دخلت عليه ما يُسمّى في اللغة (همزة الإزالة). والمثل هو كلمة (معجم) أي: الذي يدلُّك على معنى للفظ لُيُزيلَ إبهامه؛ فيقال (أعجم الكتاب) أي: أزال إبهامه، وهذه الهمزة التي دخلتْ تُوضِّح إزالة العُجْمة عن الكلمة.
والمثل أيضاً على هذه الهمزة؛ هو كلمة (عتب) أي: لامه، وحين تدخل عليها الهمزة تصبح (أعتب) أي: أزال ما به عَتَب.
ونجد في دعائه صلى الله عليه وسلم قوله الشريف: (لك العُتْبى حتى ترضى).
أي: إذا كُنتَ يا ربّ تعتب عليَّ في أيِّ شيء؛ فأنا أدعوك أن تُزيل هذا العتب.
وهكذا نجد أن الإزالة تأتي مرة بإضافة الهمزة؛ ومرة تأتي بالتضعيف؛ مثل قولنا (مرَّض الطبيب مريضه) أي: أزال عنه- بإذن من الله- مرضه.
إذن: (مُصْرخ) هو مَنْ يُزيل صراخ آخر؛ فكأن هناك مَن استغاث؛ فجاءه مَنْ يُغيثه. وهكذا يلعن الشيطان في اليوم الآخر أنه ومَنْ أغواهم في مأزق؛ وأنه غَيْر قادر على إزالة سبب هذا المأزق؛ ولا هُمْ بقادرين على إزالة سبب مأزقه؛ ولن يُغيث أحدهما الآخر.
ويضيف: {إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ...} [إبراهيم: 22].
فأنتم أشركتموني مع الله في الطاعة؛ حين استسلمتُم لغوايتي؛ ولم تكونوا من عباد الله المخُلْصين الذين أقسمتُ أنا بعزة الله ألاَّ أُغويهم؛ وكل منكم نفذ ما أغويته به؛ فناديتكم واستجببتُم؛ وناداكم الله فعصيتُم أو كفرتم. وصِرْتم مِثْلي، فقد سبق لي أن أمرني الله وعصيتُ.
ويقول الحق سبحانه ما يجيء على لسان الشيطان لمَنْ كفر وعصى: {إِنَّ الظالمين لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [إبراهيم: 22].
وهذه قضية عامة، قضية الكفر في القمة، فكمَا أطعتُم الشيطان وجعلتموه شريكاً لله؛ فها هو الشيطان يُخبركم بتقدير هذا الموقف؛ بأنه شِرْك بالله؛ وهو يعلن الكفر بهذا؛ لأن يوم الحشر قد جاء؛ وتحقق فيه قول الله له: {فَإِنَّكَ مِنَ المنظرين إلى يَوْمِ الوقت المعلوم} [الحجر: 37-38].
وكان الشيطان من قبل اليوم المعلوم- وهو اليوم الآخر- يندسُّ ويُوسِوس وينزغ؛ أما في ذلك اليوم فقد برز كل شيء من إنس وجن وكل الكائنات أمام الواحد القهار، ولم يَعُدْ هناك ما يَخْفى عن العين.
وهذا ما خدعوا به أنفسهم، وظنُّوا أنهم قادرون على أن يُخفوا ما فعلوه عن أعْيُن الله؛ ولذلك نجد الحديث القدسي يقول: (يا بني آدم، إنْ كنتم تعتقدون أَنِّي لا أراكم، فالخَلل في إيمانكم، وإن كنتم تعتقدون أَنِّي أراكم فَلِم جَعَلْتموني أهونَ الناظرين إليكم).
وأنت في حياتك اليومية لا تجد مَنْ يسرق من آخر وجهاً لوجه: ولا أحد يحرق بيت أحدٍ أمام عينيه؛ فإنْ كنتم يا معشر البشر لا تفعلون ذلك مع بعضكم البعض؛ فكيف تفعلون ذلك مع خالقكم؛ فتعصونه.
وإنْ شككتُم أنه لا يراكم فالخلل في إيمانكم؛ وإنْ كنتم تعتقدون أنه يراكم فلا تجعلوه أهونَ الناظرين إليكم، لأنه لو نظر إليك إنسان فأنت لا تجرؤ على أن تصنع له ما يكرهه.
ولذلك يقول الشيطان معترفاً ومُقِراً بأن الظالمين لهم عذاب أليم، والظلم في القمة هو الشرك بالله: {إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13].
وحين نقرأ ذلك إما أنْ نأخذه على أنه إقرار من الشيطان؛ أو نفهمه على أن الشيطان قد قال: {إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ...} [إبراهيم: 22].
ويقول الحق سبحانه بعدها تلك القضية العامة: {إِنَّ الظالمين لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [إبراهيم: 22].
فبعد أن تكلم سبحانه عن بروز الخَلْق والكائنات؛ ثم الحوار بين الضعفاء والسادة؛ ثم الحوار بين الشيطان وبين أهل الكفر والمعصية؛ يأتي بالقضية النهائية في الحكم: {إِنَّ الظالمين لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [إبراهيم: 22].
والمناسبات توحي بمقابلاتها؛ لتكون النفس مُتشوِّقة ومُتقبِّلة لهذا المقابل؛ مثل قول الحق سبحانه: {إِنَّ الأبرار لَفِي نَعِيمٍ} [الانفطار: 13].
ويأتي بعدها بالمقابل لها: {وَإِنَّ الفجار لَفِي جَحِيمٍ} [الانفطار: 14].
فكما جاء بمقابل الأشقياء؛ لابد أن يفتح القلوب لتنعم بسعادة مصير وجزاء الذين سُعِدوا بالإيمان.
لذلك يقول الحق سبحانه: {وَأُدْخِلَ الذين آمَنُواْ...}.

{وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ(23)}
وهنا جاء الفعل، ويمكن نسبته إلى ثلاث وجهاتٍ. ولكل جهة مَلْحظ؛ فمرّة يُسنَد الفعل لله سبحانه، ومرّة يُنسب الفعل للملائكة الذين يتلقوْن الأمر من الله بإدخال المؤمنين الجنة؛ ومرّة للمؤمنين الذين يدخلون الجنة بإذن الله.
فالله أدخلهم إذْناً؛ والملائكة المُوكَّلون فتحوا أبواب الجنة لهم؛ والمؤمنون دخلوا بالفعل.
وهكذا يكون لكُلَّ مَلْحظ.
وهناك قراءة أخرى للآية توضح ذلك: (وأُدْخِلُ الذين آمنوا وعملوا الصالحات الجنة) والمتكلم هنا هو الله. ونلحظ أن الله قال هنا: {وَأُدْخِلَ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جَنَّاتٍ...} [إبراهيم: 23].
لكي تضم كلمة (أدخل) أنه سبحانه أذن بدخولهم؛ لأنه قال في نفس الآية: {بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} [إبراهيم: 23].
وأن الملائكة المُكلّفين بذلك فتحوا لهم أبوابها. والمؤمنون دخلوها كل ذلك بإذن الله.
ونلحظ أن كُلَّ الكلام هنا عن الجنات؛ فما هي الجنات؟
ونقول: إن الجنة في أصل اللغة هي السّتْر، ومنها الجنون أي: سَتْر العقل، والمادة هي: الجيم والنون، والجنة تستر مَنْ فيها بما فيها من أشجار كثيرة بحيث مَنْ يمشي فيها لا يظهر؛ لأن أشجارها تستره.
أو: أن مَنْ يدخلها يجلس فيها ولا يراه أحد؛ لأن كل خير فيها لا يُلجئه أن يخرج منها.
وتُطلق الجنات على ما في الدنيا أيضاً؛ والحق سبحانه هو القائل: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ...} [البقرة: 266].
ولنا أن نعرف أن الجنةَ غَيْر المساكن التي في الجنة؛ لأن الحق سبحانه يقول: {وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ...} [التوبة: 72].
والجنة- ولله المثَل الأعلى- هي الحديقة الواسعة؛ وهذا الاتساع مُوزّع على كل مَرْأى عَيْن. والإنسان- بعجائب تكوينه- يُحِب أن يتخصص في مكان مرة؛ ويحب أن ينتشر في مكان مرة أخرى؛ فيستأجر شقة أو يبني لنفسه بيتاً مستقلاً (فيللا) وفي البيت أو الفيللا يحب الإنسان أن تكون له حجرة خاصة لا يدخلها غيره.
والإنسان يُقيّم الأشياء على هذا الأساس؛ فينظر مَنْ يرغب في شراء قطعة أرض ليبني عليها بيتاً؛ أهي تُطلّ على حارة أم على شارع؟ وهل سيستطيع أنْ يعلوَ بالبناء إلى عدة أدوار أم لا؟ وهل سيخصص قطعة من الأرض كحديقة أم لا؟
فإنْ كانت الأرض تُطِل على الفضاء، فحساب المتر ليس بالثمن المدفوع فيه؛ ولكن بقيمة ما يتيحه من اتساع أُفق وفضاء من مزارع أو على البحر مثلاً، حيث لن يتطفلَ عليك أحدٌ في هذا المكان.
والجنات بهذا الشكل التقريبي؛ هي أماكن مُتسعة، وكل مَنْ يدخلها له فيها مساكن طيبة، تلك الجنات تجري من تحتها الأنهار. ومَنْ يدخلونها.
{خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ...} [إبراهيم: 23].
ذلك أن الإنسان يحب التنعُّم؛ ولكن كل تنعُّم في الدنيا هناك ما يُنغَّصه، وهل يدوم أم لا يدوم؟ وكل مِنّا رأى أناساً عاشت في نعيم؛ ثم نُزِع منها بحكم الأغيار؛ أو تركوه بحكم الموت.
أما جنة الله ونعيمها فالأمر مختلف؛ ذلك أن النعيم هناك لا يفوتُك ولا تفوته؛ لأنه على قَدْر إمكانات ربِّك.
ونلحظ أن قول الحق سبحانه: {خَالِدِينَ فِيهَا..} [إبراهيم: 23].
يُوضِّح أن الخلودَ في الجنة دائمٌ بإذن من الله.
ويتابع سبحانه: {تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ} [إبراهيم: 23].
والتحية هو ما يواجه به الإنسان أخاه إثباتاً لسروره بلقائه؛ ولذلك تأتي التحية على مقدار السرور؛ فمرّة تكون التحية بمجرد رَفْع اليد دون مُصَافحة؛ وقد لا تكفي بذلك في حالة ازدياد المعزَّة التي لصاحبك عندك؛ فتصافحه؛ وقد تأخذه في أحضانك، وهكذا ترتقي في التحية، وهي إعلان السرور باللقاء.
وتحية الجنة هي السلام لأن السلام أمنُ كل إنسان؛ سلامٌ مع نفسك؛ فلا تُكدِّرها بحديث النفس الذي يندم على ما فات؛ أو الحُلْم بعمل قادم، فالسلام في الجنة لن تجد فيه مُنغِّصاتٍ من الماضي أو الحاضر أو المستقبل؛ وتنسجم مع كل ما حولك في الكون؛ الجماد؛ النبات؛ البشر؛ الملائكة.
ولذلك قال الحق سبحانه تذييلاً لهذه الآية: {تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ} [إبراهيم: 23].
وهذه أفضلُ نعمة، وهي الحياة في سلامٍ وأمْن، وبعد ذلك تدخُل الملائكة عليهم مصداقاً لقول الحق سبحانه: {وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عقبى الدار} [الرعد: 23-24].
ثم يُلقَّون السلام الأعلى من الله؛ وهو القائل: {سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ} [يس: 58].
وبعد أن شرح الحق سبحانه أحوال أهل القُرْب والسعادة، وأهل البُعْد والشقاء، أراد عز وجل أن يضرب لنا مثلاً يوضح فيه الفارق بين منهج السعداء الذين عاشوا بمنهج الله، ومنهج الأشقياء الذين اتبعوا مناهج شتى غير منهج الله، فقال سبحانه: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ الله مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السمآء تؤتي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا...}.

{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ(24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ(25)}

والمَثَل هو الشيء الذي يوضح بالجلي الخفي. وأنت تقول لصديق لك: هل رأيت فلاناً؟ فيقول لك: لا لم أراه؛ فتقول له: إنه يُشبه صديقنا علان. وهكذا توضح أنت مَنْ خَفِي عن مُخَيلة صديقك بمَنْ هو واضح في مُخَيلته.
والحق سبحانه وتعالى يضرب لنا الأمثال بالأمور المُحسَّة، كي ينقل المعاني إلى أذهاننا؛ لأن الإنسان له إلْفٌ بالمحُسِّ؛ وإدراكات حواسه تعطيه أموراً حسية أولاً، ثم تحقق له المعاني بعد ذلك.
ويقول الحق سبحانه: {إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا...} [البقرة: 26].
وقد قال الكافرون: أيضرب الحق مثلاً ببعوضة؟ ذلك أنهم لم يعرفوا أن البعوضة لها حياة، وفيها حركة كأيِّ كائن؛ وتركيبها التشريحي يتشابه مع التركيب التشريحي لكل الأحياء في التفاصيل؛ ويؤدي كل الوظائف الحيوية المطلوبة منه.
ولا أحدَ غير الدارسين لعلم الحشرات يمكن أن يعرف كيف تتنفس، أو كيف تهضم طعامها؛ ولا كيفية وجود جهاز دمويّ فيها؛ أو مكان الغُدد الخاصة بها؛ وهي حشرة دقيقة الصنع.
وهو سبحانه ضرب الأمثال الكثيرة لِيُوضِّح الأمر الخفيّ بأمر جَليّ. ومن بعد ذلك ينتشر المثَل بين الناس. ونقول: إن كلمة (ضرب) مثلها مثل (ضرب العملة)، وكان الناس قديماً يأتون بقطع من الفضة أو الذهب ويُشكِّلونها بقدْر وشَكلْ مُحدّد لِتدُل على قيمة ما، وتصير بذلك عُمْلة متداولة، ويُقَال وشكَلْ- أيضاً- (ضُرِب في مصر) أي: اعتمد وصار أمراً واقعاً. وكذلك المثل حين ينتشر ويصبح أمراً واقعاً.
والمثل الذي يضربه الحق سبحانه هنا هو الكلمة الطيبة؛ ولها أربع خصائص: {كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ...} [إبراهيم: 24].
أي: تعطيك طِيباً تستريح له نفسُك؛ إما منظراً أو رائحة أو ثماراً؛ أو كُل ذلك مجتمعاً؛ فقوله: {كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ..} [إبراهيم: 24].
يُوحي بأن كُلّ الحواس تجد فيها ما يُريحها؛ وكلمة (طيبة) مأخوذة من الطِّيب في جميع وسائل الإحساس.
فالخاصة الأولى، أنها شجرة طيبة، أما الخاصية الثانية فهي أن أصلها ثابت، كإيمان المؤمن المحب، والثالثة أن فروعها في السماء، وهذا دليل أيضاً على ثبات الأصل وطيب منبتها.
أما الخاصية الرابعة فهي أن تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، أي: فيها عطاء المدد المدد الذي لا يعرف الحد ولا العدد، وهي تدل على صفات المؤمنين المحبين.
وبما أنها شجرة طيبة؛ فهي كائن نباتيّ لابد لها من أن تتغذَّى لتحفظ مُقوِّمات حياتها. ومُقوِّمات حياة النبات توجد في الأرض، فإنْ كانت الشجرة مُخَلْخَلة وغير ثابتة فهي لن تستطيع أن تأخذ غذاءها.
ولذلك يقول الحق سبحانه عن تلك الشجرة: {أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السمآء...} [إبراهيم: 24].
وكلنا نظن أن الشجرة تأخذ غذاءها من الجذور فقط؛ ولكن الحقيقة العلمية تؤكد أن الشجرة تأخذ خمسة بالمائة من غذائها عَبْر الجذور؛ والباقي تأخذه من الهواء، وكلما كان الهواء نظيفاً فالشجرة تنمو بأقصى ما فيها من طاقة حتى تكاد أن تبلغ فروعها السماء.
أما إنْ كانت البيئة غيرَ نظيفة ومُلوّثة؛ فالهواء يكون غيرَ نظيف بما لا يسمح للشجرة أن تنمو المناسب؛ فتمُرُّ الأغيار غير المناسبة على الشجرة، فلا تستخلص منها الغذاء المناسب، ولا تنمو النمو المناسب.
اللهم إلا إذا نزل عليها المطر فيغسل أوراقها.
إذن: فقول الحق سبحانه: {أَصْلُهَا ثَابِتٌ...} [إبراهيم: 24].
يعني: أنها تأخذ من الأرض.
وقوله: {وَفَرْعُهَا فِي السمآء..} [إبراهيم: 24].
يُبيِّن أنها تأخذ من أعلى.
ويتابع سبحانه: {تؤتي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ...} [إبراهيم: 25].
والأُكُل هو ما يُؤْكل ويُتمتَّع به، ولكنّا لا نأخذ المعنى هنا على ما يُؤْكَل بالفم فقط؛ ذلك أن هناك أشجاراً ونباتات طيبة؛ لأن مزاجَ الكون العام يتطلبها؛ فالظل مثلاً يُستفاد منه؛ وكذلك هناك أشجار يتفاعل وجودها مع الأثير؛ ويأخذ منها رائحة طيبة.
والمثل في ذلك: الطفل البدويّ الذي شاهد نخيل جيرانه مثمراً بالبلح، ولكن النخلة التي يملكونها غير مثمرة، وتساءل: لماذا؟ وذهب ليقطعها، فلحقه والده ومنعه من ذلك، وقال له: إن نخلتنا هي الذكر الذي يُنتج اللقاح اللازم لبقية النخيل كي تثمر.
ولذلك فأنا لا أوافق المفسرين الذين ذهبوا إلى تفسير قوله الحق: {كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ...} [إبراهيم: 24].
بأنها مثل شجرة التفاح وغيرها من الأشجار المثمرة؛ ذلك أن كل شجرة حتى ولو كانت شجرة حَنْظل فهي طيبة بفائدتها التي أودعها الحق إياها؛ فشجرة الحنظل نأخذ منها دواءً- قد يكون مرير الطَّعْم- لكنه يشفي بعضاً من الأمراض بإذن الله.
ذلك أن كل ما هو موصوف بشجرة له مهمة طيّبة في هذا الكون. وقَوْل الحق سبحانه: {تؤتي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ...} [إبراهيم: 25].
يدلُّنا على أن هناك قدراً مشتركاً بين الشجر كله؛ مثمراً بما نراه من فاكهة أو غير ذلك.
وقد نبهنا العِلْم الحديث إلى أن كل خُضْرة إنما تُنَقِّي الجو بما تأخذ منه من ثاني أوكسيد الكربون، وبما تضيف لنا من أوكسجين؛ وتستمر الخضرة في ذلك نهاراص؛ وتقلب مهمتها بإرسال ثاني أوكسيد الكربون ليلاً وامتصاص الأوكسجين، وكأنها مُبَرْمجة على فَهْم أن النهار يقتضي الحركة.
ويحتاج الكائن الحي فيه إلى المزيد من وقود الحركة وهو الأوكسجين؛ والإنسان أثناء الحركة يستهلك كمية كبيرة من الأوكسجين؛ ونجد مَنْ يصعد سُلّماً ينهج لأن رئتيه تحاولان امتصاص أكبر قَدْر من الأوكسجين ليؤكسد الدم، وينتج الطاقة اللازمة للصعود. وهكذا نجد كل خُضْرة إنما تقوم بوظائف محددة لها سلفاً من قِبلَ الخالق الأعلى.
ولذلك اختلف العلماء عند تفسير: {تؤتي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ..} [إبراهيم: 25].
فمنهم مَنْ قال: إن (الحين) يُطلْق على اللحظة؛ مثل قول الحق سبحانه: {فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الحلقوم وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ} [الواقعة: 83-84].
وقال مُفسِّر آخر: إن (الحين) يُقصد به الصباح والمساء، والحق سبحانه هو القائل: {فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ} [الروم: 17].
وأقول: فلننتبه إلى أن (الحين) هو الوقت الذي يحين فيه المقدور؛ فإذا كان الحين هو لحظةَ بلوغ الرُّوح إلى الحُلْقوم؛ فهذه اللحظة هي المراد ب (الحين) هنا، وإذا كان المقصود بها زمناً أطول من ذلك؛ صباحاً أو مساء؛ فهذا الزمن ينسحب عليه معنى الحين.
والحق سبحانه هو القائل: {والصابرين فِي البأسآء والضراء وَحِينَ البأس...} [البقرة: 177].
والبأس يعني الحرب؛ ومُدة الحرب قد تطول. وكذلك يقول الحق سبحانه: {وَلَكُمْ فِي الأرض مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إلى حِينٍ} [الأعراف: 24].
وهكذا يكون معنى (الحين) هنا هو الأجل غير المُسمّى الذي يمتد إلى أن تتبدّل الأرضُ غيرَ الأرض والسماء غير السماء. إذن: فلا يوجد توقيت مُحدد المدة يمكن أن نُحدد به معنى (حين).
ويذيل الحق سبحانه الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها بقوله: {وَيَضْرِبُ الله الأمثال لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [إبراهيم: 25].
وضَرْب المثل معناه إيقاع شيء صغير ليدل على شيء كبير؛ أو بشيء جليّ ليدل على شيء خفيّ؛ لِيُقرِّب المعنويات إلى وسائل الإدراكات الأولى، وهي مُدْركات الحِسِّ من سمع وبصر وبقية وسائل الإدراك.
وحين تأتي المعاني التي تناسب الطموح العقلي؛ فالإنسان يتجاوز مرحلة الحِسِّ إلى المعلومات المعنوية؛ فيقربها الحق سبحانه بأن يضرب لنا الأمثال التي توصل لنا المعنى المطلوب إيصاله.
والحق سبحانه لا يستحي- كما قال- أنْ يضربَ مثلاً بالبعوضة وما فوقها. والبعض من المستشرقين يقول: ولماذا لم يَقُلْ (وما تحتها)؟
ونقول لِمَنْ يقول ذلك: أنت لم تفهم اللغة العربية؛ لذلك لم تستقبل القرآن بالمَلَكة العربية؛ ذلك أن المَثل يُضرَب بالشيء الدقيق؛ وما فوق الدقيق هو الأدقُّ.
والحق سبحانه يضرب لنا المَثل للحياة الدنيا، وهي الحياة التي من لَدُن خَلْق الله للإنسان؛ ذلك أنه كانت هناك أجناسٌ قبل الإنسان، وهو سبحانه هنا يُوضِّح لنا بالمثَل ما يخص الحياة من لحظة خَلْق آدم إلى أنْ تقومَ الساعة، وهو يطويها- تلك الحياة الطويلة العريضة التي تستغرق أعمال أجيالٍ- ويعطيها لنا في صورة مَثَلٍ موجز، فيقول لنا: {واضرب لَهُم مَّثَلَ الحياة الدنيا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السماء فاختلط بِهِ نَبَاتُ الأرض فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرياح وَكَانَ الله على كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً} [الكهف: 45].
وهكذا يطوي الحق سبحانه الحياة كلها في هذا المثل من ماء ينزل ونبات ينمو لينضج ثم تذروه الرياح.
وأيضاً يقول الحق سبحانه: {اعلموا أَنَّمَا الحياة الدنيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأموال والأولاد كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الكفار نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً..} [الحديد: 20].
وهكذا يطوي الحق سبحانه الحياة الدنيا بطُولها وعَرْضها في هذا المَثل البسيط لنرى ما يُوضِّح لنا المعاني الخفية في صورة مُحسَّة بحيث يستطيع العقل الفطري أن يُدرِك ما يريده الله منها.
ونعلم أن المُحسَّات تدرك أولاً بعض الأشياء؛ ثم ترتقي إلى مرتبة التخيُّل؛ ثم يأتي التوهُّم؛ فمراحل الإدراك للأشياء الخفية هي الحِس أولاً؛ ثم التخيل ثانياً؛ ثم التوهم ثالثاً.
والتخيُّل هو أن تجمع صورة كلية ليس لها وجود في الخارج؛ وإنْ كانت مُكوَّنة من مادة وأشياء موجودة في هذا الخارج. والمَثل على ذلك هو قول الشاعر الذي أراد أنْ يصف الوَشْم على يد حبيبته، فقال:
خوض كأنَّ بَنانَها *** في نَقْشهِ الوَشْم المُزرد
سَمكٌ من البِلَّور في *** شَبَكٍ تكوَّن من زَبرجَدِ
وحين تبحث في الصورة الكلية لتلك الأبيات من الشعر؛ لن تجدها موجودة في الواقع؛ ولكن الشاعر أوجدها من مُكوِّنات ومُفْردات موجودة في الواقع؛ فالسمك موجود ومعروف؛والبِلَّور موجود ومعروف؛ وكذلك الشَّبك والزبرجد، وقام الشاعر بنسج تلك الصورة غير الموجودة من أشياء موجودة بالفعل، وهذا هو الخيال الذي يُقرِّب المعنى.
والتوهمُّ يختلف عن الخيال؛ فإذا كان التخيُّل هو تكوين صورة غير موجودة في الواقع من مفردات موجودة في هذا الواقع؛ فالتوهُّم هو صورة غير موجودة في الواقع، ومُكوَّن من مفردات غير موجودة في الواقع.
والحق سبحانه يقول لنا عن الجنة: {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنفس وَتَلَذُّ الأعين...} [الزخرف: 71].
ويشرح الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك بمذكرة تفسيرية، فيقول: (فيها مَا لا عَيْنٌ رأتْ، ولا أذن سمعتْ، ولا خَطَر على قَلْب بشر).
والعَيْن وسيلة إدراك وحسٍّ؛ وكذلك الأذن، أما ما لا يخطر على القلب فهو ليشرحه الخيال أوَ الوَهْم.
وهكذا نعلم لماذا يضرب الله لنا الأمثال؛ لِيُوجِز لنا ما يشرح ويُوضِّح بأشياء قريبة من الفهم البشري.
وأنت حين تريد أن تكتب لصديق؛ فقد تُمسك الورقة والقلم وتُدبِّج رسالة طويلة؛ ولكن إنْ كنتَ تملك وقتك فستحاول أن تُركِّز كل المعاني في كلمات قليلة.
وكلنا يذكر ما كتبه سعد زغلول زعيم ثورة 1919 المصرية لواحد من أصدقائه بعد أن سطَّر له رسالة في خمس صفحات؛ وأنهاها: (إني أعتذر عن الإطالة في الخطاب، فلم يكُنْ عندي وقت للإيجاز) وذلك لأن مَنْ يُوجِز إنما يضع معاني كثيرة في كلمات قليلة.
وحين طلب أحد القادة المسلمين النُّصْرة من خالد بن الوليد؛ وكان القائد الذي يطلب المساعدة مُحَاصَراً؛ وأرسل لخالد بن الوليد كلمتين اثنتين (إياك أريد)، وهكذا اختصر القائد المحاصر ما يرغب إيصاله إلى مَنْ ينجده، بإيجاز شديد.
والشاعر يقول:
إذَا أرادَ الله نَشْرَ فَضِيلَة *** طُوِيَتْ أتاحَ لَهَا لِسَانَ حَسُود
لَوْلاَ اشتعالُ النَّار فيمَا جَاورَتْ *** مَا كَان يُعْرَف طيِبُ عَرْفِ العوُدِ
أي: أنه إذا كانت هناك فضيلة مكتومة نسيها الناس؛ فالحقُّ سبحانه يتيح لها لسانَ حاسدٍ حاقد لِيثُرثر ويُنقِّب؛ لتظهر وتنجلي؛ مثلما يُوضَعُ خشب العود- وهو من أَرْقَى ألوان البخور- في النار، فينتشر عِطْره بين الناس.
وهكذا ضرب الشاعر المَثَل لِيُوضِّح أمراً ما للقارئ أو السامع.
ويقول الشاعر ضارباً المَثل أيضاً:
وإذَا امْرؤٌ مدحَ امْرءاً لِنَوالِه *** وأَطَالَ فِيه فقدْ أطَالَ هِجَاءَهُ
لَوْ لَمْ يُقدِّر فيه بُعْد المُسْتقَى *** عند الوُرودِ لَمَا أطالَ رِشَاءَهُ
والمقاييس العادية تقول: إن المرء حين يمدح أحداً لفترة طويلة، فهذا يعني الرِّفْعة والمجد للممدوح. ولكن حين يقرأ أحدٌ قول هذا الشاعر قد يتعجَّب ويندهش، ولكنه يتوقف عند قول الشاعر أن الماء لو كان قريباً في البئر؛ لأخرجه العطشان بدلو مربوط بحبل قصير؛ ولكن إنْ كان الماء على بُعْد مسافة في البئر فهذا يقتضي حبلاً طويلاً لينزل الدلو إلى الماء.
وهذا يعني أن طول المدح إنما يُعبِّر عن فظاظة الممدوح الذي لا يستجيب إلا بالثناء الطويل؛ ولو كان الممدوح كريماً حقاً لاكتفى بكلمة أو كلمتين في مدحه.
وهكذا يكون ضَرْبُ المثل توضيحاً وتقريباً للذهن.
وهنا قال الحق سبحانه: {وَيَضْرِبُ الله الأمثال لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [إبراهيم: 25].
والتذكر معناه أن شيئاً كان معلوماً بالفطرة؛ ولكن الغفلة طرأتْ؛ فيأتي المَثَلُ ليُذكِّر بالأمر الفطريّ.
وبعد أن ضرب الحق سبحانه المثل بالكلمة الطيبة بياناً لحال أهل القُرْب من الله والود معه واتباع منهجه، أراد انْ يذكُرَ لنا المقابل، وهو حال الأشقياء الذين أعرضوا عن الله، وعن منهجه، فيقول سبحانه وتعالى: {وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ...}.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://abubaker.jordanforum.net
 
{وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ }إبراهيم
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الأصدقاء :: هدايات وإرشادات وتوجيهات إسلامية :: خواطر إيمانية - تفسير الشعراوي وأخرى-
انتقل الى: