منتدى الأصدقاء
{وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }يونس25
And God calls to the House of Peace and guides whom He wills to a Straight Path} Younis 25
نحن سعداء للمشاركة في (منتدى الأصدقاء)
We are pleased to join in ( Forum Friends )
يشرفنا تسجيلك
We are honored register you
إدارة المنتدى
Management of Forum



منتدى الأصدقاء
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالمجموعاتالتسجيلدخول

( أهلا وسهلا بكم في منتدى الأصدقاء Welcome to the forum Friends >> الرجاء تسجيل الدخول للتعرف على فضائل الأعمال التي يحبها الله Please log in to learn about the virtues of Business loved by God

المواضيع الأخيرة
» (من شهد له خزيمة فهو حسبه). وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} [هود: 1].
الإثنين نوفمبر 28, 2016 7:52 pm من طرف abubaker

» (مَنْ شهد له خزيمة فحَسْبه). قال: يا رسول الله أَأُصدِّقُك في خبر السماء، وأُكذِّبك في عِدّة دراهم؟ --- وقوله تعالى: {أَن يَرْحَمَكُمْ..} [الإسراء: 8].
الإثنين نوفمبر 28, 2016 7:38 pm من طرف abubaker

» إزالة الظل الأزرق الذي يظهر تحت أيقونات سطح المكتب
السبت نوفمبر 26, 2016 7:22 pm من طرف abubaker

» لأن الاسم إذا أُطلِق عَلَماً على الغير انحلَّ عن معناه الأصلي ولزم العَلَمية فقط، لكن أسماء الله بقيتْ على معناها الأصلي حتى بعد أنْ أصبحتْ عَلَماً على الله تعالى، فهي إذن أسماء حُسْنى.
الإثنين نوفمبر 21, 2016 2:51 pm من طرف abubaker

»  إننا نجد أن بعضا من أسماء الله سبحانه وتعالى له مقابل، ومن أسماء الله الحسنى ما لا تجد له مقابلا. فإذا قيل “المحيي” تجد “المميت” لكن الصفة إن لم يوجد لها مقابل نسميها صفة ذات، فهو “حي” ولا نأتي بالمقابل
الإثنين نوفمبر 21, 2016 2:34 pm من طرف abubaker

» تابع / إننا نجد أن بعضا من أسماء الله سبحانه وتعالى له مقابل، ومن أسماء الله الحسنى ما لا تجد له مقابلا. فإذا قيل “المحيي” تجد “المميت” لكن الصفة إن لم يوجد لها مقابل نسميها صفة ذات، فهو “حي” ولا نأتي بالمقابل
الإثنين نوفمبر 21, 2016 2:27 pm من طرف abubaker

»  فالاسم هو العَلَم الذي وُضِع للدلالة على هذا اللفظ. / الذكْر: له معانٍ متعددة، فالذكْر هو الإخبار بشيء / والرحمة: هي تجليّات الراحم على المرحوم بما يُديم له صلاحه لمهمته - من سورة مريم
الأحد نوفمبر 20, 2016 5:38 pm من طرف abubaker

»  فالاسم هو العَلَم الذي وُضِع للدلالة على هذا اللفظ. / {كهيعص(1)}
الأحد نوفمبر 20, 2016 5:01 pm من طرف abubaker

» إدارة Google Voice والسجل الصوتي
الإثنين نوفمبر 14, 2016 2:10 pm من طرف abubaker

ازرار التصفُّح
 البوابة
 الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث
التبادل الاعلاني

شاطر | 
 

 تفسير سورة الزمر - من آية 1 - إلى نهاية الآية 40

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
abubaker



ذكر
عدد المساهمات : 18466
تاريخ التسجيل : 23/12/2010
العمر : 66
الدولـة : jordan

مُساهمةموضوع: تفسير سورة الزمر - من آية 1 - إلى نهاية الآية 40    الثلاثاء مارس 12, 2013 8:05 pm

تفسير سورة الزمر



وهي مكية

قال النسائي حدثنا محمد بن النضر بن مساور حدثنا حماد عن مروان أبي لبابة عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول: ما يريد أن يفطر، ويفطر حتى نقول: ما يريد أن يصوم، وكان صلى الله عليه وسلم يقرأ في كل ليلة بني إسرائيل والزمر

بِسْمِ اللّهِ الرّحْمـَنِ الرّحِيمِ

تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * إِنّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ فَاعْبُدِ اللّهَ مُخْلِصاً لّهُ الدّينِ * أَلاَ لِلّهِ الدّينُ الْخَالِصُ وَالّذِينَ اتّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرّبُونَآ إِلَى اللّهِ زُلْفَىَ إِنّ اللّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنّ اللّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَـفّارٌ * لّوْ أَرَادَ اللّهُ أَن يَتّخِذَ وَلَداً لاّصْطَفَىَ مِمّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهّارُ



يخبر تعالى أن تنزيل هذا الكتاب وهو القرآن العظيم من عنده تبارك وتعالى فهو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك كما قال عز وجل: {وإنه لتنزيل رب العالمين * نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين * بلسان عربي مبين} وقال تبارك وتعالى: {وإنه لكتاب عزيز * لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد} وقال جل وعلا ها هنا: {تنزيل الكتاب من الله العزيز} أي المنيع الجناب {الحكيم} أي في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصاً له الدين} أي فاعبد الله وحده لا شريك له وادع الخلق إلى ذلك وأعلمهم أنه لا تصلح العبادة إلا له وحده وأنه ليس له شريك ولا عديل ولا نديد ولهذا قال تعالى: {ألا لله الدين الخالص} أي لا يقبل من العمل إلا ما أخلص فيه العامل لله وحده لا شريك له

وقال قتادة في قوله تبارك وتعالى: {ألا لله الدين الخالص} شهادة أن لا إله إلا الله ثم أخبر عز وجل عن عباد الأصنام من المشركين أنهم يقولون {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} أي إنما يحملهم على عبادتهم لهم أنهم عمدوا إلى أصنام اتخذوها على صور الملائكة المقربين في زعمهم فعبدوا تلك الصور تنزيلاً لذلك منزلة عبادتهم الملائكة ليشفعوا لهم عند الله تعالى في نصرهم ورزقهم وما ينوبهم من أمور الدنيا فأما المعاد فكانوا جاحدين له كافرين به. قال قتادة والسدي ومالك عن زيد بن أسلم وابن زيد: {إلا ليقربونا إلى الله زلفى} أي ليشفعوا لنا ويقربونا عنده منزلة ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجوا في جاهليتهم لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك. وهذه الشبهة هي التي اعتمدها المشركون قديم الدهر وحديثه وجاءتهم الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين بردّها والنهي عنها والدعوة إلى إفراد العبادة لله وحده لا شريك له وأنّ هذا شيء اخترعه المشركون من عند أنفسهم لم يأذن الله فيه ولا رضي به بل أبغضه ونهى عنه {ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} وأخبر أن الملائكة التي في السموات من الملائكة المقربين وغيرهم كلهم عبيد خاضعون لله لا يشفعون)عنده إلا بإذنه لمن ارتضى وليسوا عنده كالأمراء عند ملوكهم يشفعون عندهم بغير إذنهم فيما أحبه الملوك وأبوه {فلا تضربوا لله الأمثال} تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً

وقوله عز وجل: {إن الله يحكم بينهم} أي يوم القيامة {فيما هم فيه يختلفون} أي سيفصل بين الخلائق يوم معادهم ويجزي كل عامل بعمله {ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للملائكة أَهؤلاء إياكم كانوا يعبدون ؟ قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون} وقوله عز وجل: {إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار} أي لا يرشد إلى الهداية من قصده الكذب والافتراء على الله تعالى وقلبه كافر بآياته وحججه وبراهينه، ثم بين تعالى أنه لا ولد له كما يزعمه جهلة المشركين في الملائكة والمعاندون من اليهود والنصارى في العزير وعيسى فقال تبارك وتعالى: {لو أراد الله أن يتخذ ولداً لاصطفى مما يخلق ما يشاء} أي لكان الأمر على خلاف ما يزعمون وهذا شرط لا يلزم وقوعه ولا جوازه بل هو محال وإنما قصد تجهيلهم فيما ادعوه وزعموه كما قال عز وجل: {لو أردنا أن نتخذ لهواً لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين} {قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين} كل هذا من باب الشرط ويجوز تعليق الشرط على المستحيل لمقصد المتكلم

وقوله تعالى: {سبحانه هو الله الواحد القهار} أي تعالى وتنزه وتقدس عن أن يكون له ولد، فإنه الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي كل شيء عبد لديه فقير إليه وهو الغني عما سواه الذي قد قهر الأشياء فدانت وذلت وخضعت تبارك وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علواً كبيراً





خَلَقَ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحَقّ يُكَوّرُ اللّيْـلَ عَلَى النّهَـارِ وَيُكَوّرُ النّـهَارَ عَلَى اللّيْلِ وَسَخّـرَ الشّمْسَ وَالْقَمَرَ كُـلّ يَجْرِي لأجَـلٍ مّسَـمّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفّارُ * خَلَقَكُمْ مّن نّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ الأنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمّهَاتِكُـمْ خَلْقاً مّن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ ذَلِكُمُ اللّهُ رَبّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لآ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ فَأَنّىَ تُصْرَفُونَ



يخبر تعالى أنه الخالق لما في السموات والأرض وما بين ذلك من الأشياء وبأنه مالك الملك المتصرف فيه يقلب ليله ونهاره {يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل} أي سخرهما يجريان متعاقبين لا يفتران كل منهما يطلب الاَخر طلباً حثيثاً كقوله تبارك وتعالى: {يغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً} هذا معنى ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وقتادة والسدي وغيرهم. وقوله عز وجل: {وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى} أي إلى مدة معلومة عند الله تعالى ثم ينقضي يوم القيامة {ألا هو العزيز الغفار} أي مع عزته وعظمته وكبريائه وهو غفار لمن عصاه ثم تاب أو أناب إليه

وقوله جلت عظمته: {خلقكم من نفس واحدة} أي خلقكم مع اختلاف أجناسكم وأصنافكم وألسنتكم وألوانكم من نفس واحدة وهو آدم عليه الصلاة والسلام {ثم جعل منها زوجها} وهي حواء عليها السلام كقوله تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجا وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء} وقوله تعالى: {وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج} أي خلق لكم من ظهور الأنعام ثمانية أزواج وهي المذكورة في سورة الأنعام، ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين وقوله عز وجل: {يخلقكم في بطون أمهاتكم} أي قدركم في بطون أمهاتكم {خلقاً من بعد خلق} يكون أحدكم أولاً نطفة ثم يكون علقة ثم يكون مضغة ثم يخلق فيكون لحماً وعظماً وعصباً وعروقاً وينفخ فيه الروح فيصير خلقاً آخر {فتبارك الله أحسن الخالقين}

وقوله جل وعلا: {في ظلمات ثلاث} يعني في ظلمة الرحم وظلمة المشيمة التي هي كالغشاوة والوقاية على الولد وظلمة البطن. كذا قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وعكرمة وأبو مالك والضحاك وقتادة والسدي وابن زيد. وقوله جل جلاله: {ذلكم الله ربكم} أي هذا الذي خلق السموات والأرض وما بينهما وخلقكم وخلق آباءكم هو الرب له الملك والتصرف في جميع ذلك {لا إله إلا هو} أي الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له {فأنى تصرفون} أي فكيف تعبدون معه غيره ؟ أين يذهب بعقولكم ؟)





إِن تَكْفُرُواْ فَإِنّ اللّهَ غَنِيّ عَنكُمْ وَلاَ يَرْضَىَ لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىَ ثُمّ إِلَىَ رَبّكُمْ مّرْجِعُكُـمْ فَيُنَبّئُكُـمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصّدُورِ * وَإِذَا مَسّ الإِنسَانَ ضُرّ دَعَا رَبّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمّ إِذَا خَوّلَهُ نِعْمَةً مّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوَ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلّهِ أَندَاداً لّيُضِلّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنّكَ مِنْ أَصْحَابِ النّارِ



يقول تبارك وتعالى مخبراً عن نفسه تبارك وتعالى أنه الغني عما سواه من المخلوقات كما قال موسى عليه الصلاة والسلام {إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعاً فإن الله لغني حميد} وفي صحيح مسلم «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً». وقوله تعالى: {ولا يرضى لعباده الكفر} أي لا يحبه ولا يأمر به {وإن تشكروا يرضه لكم} أي يحبه لكم ويزدكم من فضله {ولا تزر وازرة وزر أخرى} أي لا تحمل نفس عن نفس شيئاً بل كل مطالب بأمر نفسه {ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون إنه عليم بذات الصدور} أي فلا تخفى عليه خافية

وقوله عز وجل: {وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيباً إليه} أي عند الحاجة يتضرع ويستغيث بالله وحده لا شريك له كما قال تعالى: {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفوراً} ولهذا قال تبارك وتعالى: {ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل} أي في حال الرفاهية ينسى ذلك الدعاء والتضرع كما قال جل جلاله: {وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائماً فلما كشفنا عنه ضرّه مر كأن لم يدعناإلى ضر مسه}

وقوله تعالى: {وجعل لله أنداداً ليضل عن سبيله} أي في حال العافية يشرك بالله ويجعل له أنداداً {قل تمتع بكفرك قليلاً إنك من أصحاب النار} أي قل لمن هذه حالته وطريقته ومسلكه تمتع بكفرك قليلاً وهو تهديد شديد ووعيد أكيد كقوله تعالى: {قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار} وقوله تعالى: {نمتعهم قليلاً ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ}





أَمّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ اللّيْلِ سَاجِداً وَقَآئِماً يَحْذَرُ الاَخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنّمَا يَتَذَكّرُ أُوْلُو الألْبَابِ



يقول عز وجل أمّنْ هذه صفته كمن أشرك بالله وجعل له أنداداً، لا يستوون عند الله كما قال تعالى: {ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون} وقال تبارك وتعالى ههنا: {أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً} أي في حال سجوده وفي حال قيامه ولهذا استدل بهذه الاَية من ذهب إلى أن القنوت هو الخشوع في الصلاة وليس هو القيام وحده كما ذهب إليه آخرون. وقال الثوري عن فراس عن الشعبي عن مسروق عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: القانت المطيع لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم وقال ابن عباس رضي الله عنهما والحسن والسدي وابن زيد: آناء الليل جوف الليل. وقال الثوري عن منصور بلغنا أن ذلك بين المغرب والعشاء، وقال الحسن وقتادة آناء الليل أوله وأوسطه وآخره. وقوله تعالى: {يحذر الاَخرة ويرجو رحمة ربه} أي في حال عبادته خائف راج ولا بد في العبادة من هذا وهذا وأن يكون الخوف في مدة الحياة هو الغالب ولهذا قال تعالى: {يحذر الاَخرة ويرجو رحمة ربه} فإذا كان عند الاحتضار فليكن الرجاء هو الغالب عليه كما قال الإمام عبد بن حميد في مسنده: حدثنا يحيى بن عبد الحميد حدثنا جعفر بن سليمان حدثنا ثابت عن أنس رضي الله عنه قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل وهو في الموت فقال له: «كيف تجدك ؟» فقال: أرجو وأخاف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله عز وجل الذي يرجو وأمنه الذي يخافه». رواه الترمذي والنسائي في اليوم والليلة وابن ماجه من حديث سيار بن حاتم عن جعفر بن سليمان به وقال الترمذي غريب، وقد رواه بعضهم عن ثابت عن أنس عن النبي مرسلاً

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمر بن شيبة عن عبيدة النميري حدثنا أبو خلف بن عبد الله بن عيسى الخراز حدثنا يحيى البكاء أنه سمع ابن عمر رضي الله عنهما يقرأ {أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الاَخرة ويرجو رحمة ربه} قال ابن عمر ذاك عثمان بن عفان رضي الله عنه وإنما قال ابن عمر رضي الله عنهما ذلك لكثرة صلاة أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه بالليل وقراءته حتى إنه ربما قرأ القرآن في ركعة كما روى ذلك أبو عبيدة عنه رضي الله تعالى عنه، وقال الشاعر

ضحوا بأشمط عنوان السجود به يقطع الليل تسبيحاً وقرآنا



وقال الإمام أحمد: كتب إليّ الربيع بن نافع حدثنا الهيثم بن حميد عن زيد بن واقد عن سليمان بن موسى عن كثير بن مرة عن تميم الداري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ بمائة آية في ليلة كتب له قنوت ليلة» وكذا رواه النسائي في اليوم والليلة عن إبراهيم بن يعقوب عن عبد الله بن يوسف والربيع بن نافع كلاهما عن الهيثم بن حميد به. وقوله تعالى: {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} أي هل يستوي هذا والذي قبله ممن جعل لله أنداداً ليضل عن سبيله {إنما يتذكر أولو الألباب} أي إنما يعلم الفرق بين هذا وهذا من له لب وهو العقل، والله أعلم





قُلْ يَعِبَادِ الّذِينَ آمَنُواْ اتّقُواْ رَبّكُمْ لِلّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَـَذِهِ الدّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةٌ إِنّمَا يُوَفّى الصّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ * قُلْ إِنّيَ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللّهَ مُخْلِصاً لّهُ الدّينَ * وَأُمِرْتُ لأنْ أَكُونَ أَوّلَ الْمُسْلِمِينَ



يقول تعالى آمراً عباده المؤمنين بالاستمرار على طاعته وتقواه {قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة} أي لمن أحسن العمل في هذه الدنيا حسنة في دنياهم وأخراهم، وقوله: {وأرض الله واسعة} قال مجاهد: فهاجروا فيها وجاهدوا واعتزلوا الأوثان، وقال شريك عن منصور عن عطاء في قوله تبارك وتعالى: {وأرض الله واسعة} قال: إذا دعيتم إلى معصية فاهربوا ثم قرأ {ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها} وقوله تعالى: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} قال الأوزاعي ليس يوزن لهم ولا يكال لهم إنما يغرف لهم غرفاً، وقال ابن جريج بلغني أنه لا يحسب عليهم ثواب عملهم قط، ولكن يزادون على ذلك، وقال السدي {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} يعني في الجنة. وقوله: {قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين} أي إنما أمرت بإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له {وأمرت لأن أكون أول المسلمين} قال السدي يعني من أمته صلى الله عليه وسلم





قُلْ إِنّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قُلِ اللّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لّهُ دِينِي * فَاعْبُدُواْ مَا شِئْتُمْ مّن دُونِهِ قُلْ إِنّ الْخَاسِرِينَ الّذِينَ خَسِرُوَاْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلاَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ * لَهُمْ مّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مّنَ النّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوّفُ اللّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَعِبَادِ فَاتّقُونِ



يقول تعالى قل يا محمد وأنت رسول الله {إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم} وهو يوم القيامة وهذا شرط معناه التعريض بغيره بطريق الأولى والأحرى {قل الله أعبد مخلصاً له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه} وهذا أيضاً تهديد وتبرّ منهم {قل إن الخاسرين} أي إنما الخاسرون كل الخسران {الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة} أي تفارقوا فلا التقاء لهم أبداً وسواء ذهب أهلوهم إلى الجنة وقد ذهبوا هم إلى النار أو أن الجميع أسكنوا النار ولكن لا اجتماع لهم ولا سرور {ألا ذلك هو الخسران المبين} أي هذا هو الخسران المبين الظاهر الواضح ثم وصف حالهم في النار فقال: {لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل} كما قال عز وجل: {لهم من جهنم مهاد * ومن فوقهم غواش وكذلك نجزي الظالمين}

وقال تعالى: {يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون} وقوله جل جلاله: {ذلك يخوف الله به عباده} أي إنما يقص خبر هذا الكائن لا محالة ليخوف به عباده لينزجروا عن المحارم والمآثم. وقوله تعالى: {يا عباد فاتقون} أي اخشوا بأسي وسطوتي وعذابي ونقمتي





وَالّذِينَ اجْتَنَبُواْ الطّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوَاْ إِلَى اللّهِ لَهُمُ الْبُشْرَىَ فَبَشّرْ عِبَادِ * الّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَـتّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَـَئِكَ الّذِينَ هَدَاهُمُ اللّهُ وَأُوْلَـَئِكَ هُمْ أُوْلُو الألْبَابِ



قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه {والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها} نزلت في زيد بن عمرو بن نفيل وأبي ذر وسلمان الفارسي رضي الله تعالى عنهم والصحيح أنها شاملة لهم ولغيرهم ممن اجتنب عبادة الأوثان وأناب إلى عبادة الرحمن فهؤلاء هم الذين لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الاَخرة ثم قال عز وجل: {فبشر عباد * الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} أي يفهمونه ويعملون بما فيه كقوله تبارك وتعالى لموسى عليه الصلاة والسلام حين آتاه التوراة {فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها}. {أولئك الذين هداهم الله} أي المتصفون بهذه الصفة هم الذين هداهم الله في الدنيا والاَخرة {وأولئك هم أولو الألباب} أي ذوو العقول الصحيحة والفطر المستقيمة





أَفَمَنْ حَقّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النّارِ * لَـَكِنِ الّذِينَ اتّقَواْ رَبّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مّبْنِيّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَعْدَ اللّهِ لاَ يُخْلِفُ اللّهُ الْمِيعَادَ



يقول تعالى أفمن كتب الله أنه شقي تقدر تنقذه مما هو فيه من الضلال والهلاك ؟ أي لا يهديه أحد من بعد الله لأنه من يضلل الله فلا هادي له ومن يهده فلا مضل له. ثم أخبر عز وجل عن عباده السعداء أن لهم غرفاً في الجنة وهي القصور أي الشاهقة {من فوقها غرف مبنية} طباق فوق طباق مبنيات محكمات مزخرفات عاليات. قال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثنا عباد بن يعقوب الأسدي حدثنا محمد بن فضيل عن عبد الرحمن بن إسحاق عن النعمان بن سعد عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن في الجنة لغرفاً يرى بطونها من ظهورها وظهورها من بطونها» فقال أعرابي لمن هي يا رسول الله ؟ قال صلى الله عليه وسلم : «لمن أطاب الكلام وأطعم الطعام وصلى بالليل والناس نيام» ورواه الترمذي من حديث عبد الرحمن بن إسحاق وقال حسن غريب. وقد تكلم بعض أهل العلم فيه من قبل حفظه وقال الإمام أحمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن يحيى بن أبي كثير عن ابن معانق أو أبي معانق عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن في الجنة لغرفاً يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها أعدها الله تعالى لمن أطعم الطعام وألان الكلام وتابع الصيام وصلى والناس نيام» تفرد به أحمد من حديث عبد الله بن معانق الأشعري عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه به. وقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن عن أبي حازم عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أهل الجنة ليتراءون الغرفة في الجنة كما تراءون الكوكب في أفق السماء» قال فحدثت بذلك النعمان بن أبي عياش فقال سمعت أبا سعيد الخدري رضي الله عنه يقول: «كما تراءون الكوكب الذي في الأفق الشرقي أو الغربي» أخرجاه في الصحيحين من حديث أبي حازم وأخرجاه أيضاً في الصحيحين من حديث مالك عن صفوان بن سليم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم . وقال الإمام أحمد: حدثنا فزارة أخبرني فليح عن هلال بن علي عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أهل الجنة ليتراءون في الجنة أهل الغرف كما تراءون الكوكب الدري الغارب في الأفق الطالع في تفاضل أهل الدرجات ـ فقالوا يا رسول الله أولئك النبيون ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : «بلى والذي نفسي بيده أقوام آمنوا بالله وصدقوا الرسل» ورراه الترمذي عن سويد عن ابن المبارك عن فليح به وقال حسن صحيح. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر وأبو كامل قالا حدثنا زهير حدثنا سعد الطائي حدثنا أبو المدله مولى أم المؤمنين رضي الله عنهما أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قلنا يا رسول الله إنا إذا رأيناك رقت قلوبنا وكنا من أهل الاَخرة فإذا فارقناك أعجبتنا الدنيا وشممنا النساء والأولاد قال صلى الله عليه وسلم : «لو أنكم تكونون على كل حال على الحال التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة بأكفهم ولزارتكم في بيوتكم، ولو لم تذنبوا لجاء الله عز وجل بقوم يذنبون كي يغفر لهم» قلنا: يا رسول الله حدثنا عن الجنة ما بناؤها ؟ قال صلى الله عليه وسلم : «لبنة ذهب ولبنة فضة وملاطها المسك الأذفر وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت وترابها الزعفران من يدخلها ينعم ولا يبأس ويخلد ولا يموت، لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه، ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل والصائم حتى يفطر ودعوة المظلوم تحمل على الغمام وتفتح لها أبواب السموات ويقول الرب تبارك وتعالى وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين» وروى الترمذي وابن ماجه بعضه من حديث سعد بن أبي مجاهد الطائي وكان ثقة عن أبي المدله وكان ثقة به. وقوله تعالى: {تجري من تحتها الأنهار} أي تسلك الأنهار من خلال ذلك كما يشاؤون وأين أرادوا {وعد الله} أي هذا الذي ذكرنا وعد الله عباده المؤمنين {إن الله لا يخلف الميعاد}





أَلَمْ تَرَ أَنّ اللّهَ أَنزَلَ مِنَ السّمَآءِ مَآءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأرْضِ ثُمّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ثُمّ يَهِـيجُ فَـتَرَاهُ مُصْفَـرّاً ثُمّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً إِنّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَىَ لاُوْلِي الألْبَابِ * أَفَمَن شَرَحَ اللّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَىَ نُورٍ مّن رّبّهِ فَوَيْلٌ لّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مّن ذِكْرِ اللّهِ أُوْلَـَئِكَ فِي ضَلاَلٍ مّبِينٍ



يخبر تعالى أن أصل الماء من السماء كما قال عز وجل: {وأنزلنا من السماء ماء طهوراً} فإذا أنزل الماء من السماء كمن في الأرض ثم يصرفه تعالى في أجزاء الأرض كما يشاء وينبعه عيوناً ما بين صغار وكبار بحسب الحاجة إليها ولهذا قال تبارك وتعالى: {فسلكه ينابيع في الأرض} قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين حدثنا عمرو بن علي حدثنا أبو قتيبة عتبة بن اليقظان عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {ألم ترَ أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض} قال ليس في الأرض ماء إلا نزل من السماء ولكن عروق في الأرض تغيره فذلك قوله تعالى: {فسلكه ينابيع في الأرض} فمن سره أن يعود الملح عذباً فليصعده، وكذا قال سعيد بن جبير وعامر الشعبي أن كل ماء في الأرض فأصله من السماء، وقال سعيد بن جبير أصله من الثلج يعني أن الثلج يتراكم على الجبال فيسكن في قرارها فتنبع العيون من أسافلها. وقوله تعالى: {ثم يخرج به زرعاً مختلفاً ألوانه} أي ثم يخرج بالماء النازل من السماء والنابع من الأرض زرعاً مختلفاً ألوانه أي أشكاله وطعومه وروائحه ومنافعه {ثم يهيج} أي بعد نضارته وشبابه يكتهل فتراه مصفراً قد خالطه اليبس {ثم يجعله حطاماً} أي ثم يعود يابساً يتحطم {إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب} أي الذين يتذكرون بهذا فيعتبرون إلى أن الدنيا هكذا تكون خضرة نضرة حسناء ثم تعود عجوزاً شوهاء والشاب يعود شيخاً هرماً كبيراً ضعيفاً وبعد ذلك كله الموت، فالسعيد من كان حاله بعده إلى خير، وكثيراً ما يضرب الله تعالى مثل الحياة الدنيا بما ينزل الله من السماء من ماء وينبت به زرعاً وثماراً ثم يكون بعد ذلك حطاماً كما قال تعالى: {واضرب لهم مثل الحياة الدينا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيماً تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدراً} وقوله تبارك وتعالى: {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه} أي هل يستوي هذا ومن هو قاسي القلب بعيد من الحق كقوله عز وجل: {أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها} ولهذا قال تعالى: {فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله} أي فلا تلين عند ذكره ولا تخشع ولا تعي ولا تفهم {أولئك في ضلال مبين}





اللّهُ نَزّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مّتَشَابِهاً مّثَانِيَ تَقْشَعِرّ مِنْهُ جُلُودُ الّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبّهُمْ ثُمّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىَ ذِكْرِ اللّهِ ذَلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ



هذا مدح من الله عز وجل لكتابه القرآن العظيم المنزل على رسوله الكريم. قال الله تعالى: {الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني} قال مجاهد يعني القرآن كله متشابه مثاني، وقال قتادة: الاَية تشبه الاَية والحرف يشبه الحرف وقال الضحاك: مثاني ترديد القول ليفهموا عن ربهم تبارك وتعالى وقال عكرمة والحسن: ثنى الله فيه القضاء زاد الحسن تكون السورة فيها آية وفي السورة الأخرى آية تشبهها، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: مثاني مردد ردد موسى في القرآن وصالح وهود والأنبياء عليهم الصلاة والسلام في أمكنة كثيرة. وقال سعيد بن جبير عن عباس رضي الله عنهما: مثاني قال القرآن يشبه بعضه بعضاً ويرد بعضه على بعض، وقال بعض العلماء ويروى عن سفيان بن عيينة معنى قوله تعالى: {متشابهاً مثاني} أنّ سياقات القرآن تارة تكون في معنى واحد فهذان من المتشابه وتارة تكون بذكر الشيء وضده كذكر المؤمنين ثم الكافرين وكصفة الجنة ثم صفة النار وما أشبه هذا فهذا من المثاني كقوله تعالى: {إن الأبرار لفي نعيم * وإن الفجار لفي جحيم} وكقوله عز وجل: {كلا إن كتاب الفجار لفي سجين ـ إلى أن قال ـ كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين} {هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مآب ـ إلى أن قال ـ هذا وإن للطاغين لشر مآب} ونحو هذا من السياقات فهذا كله من المثاني أي في معنيين اثنين وأما إذا كان السياق كله في معنى واحد يشبه بعضه بعضاً فهو المتشابه وليس هذا من المتشابه المذكور في قوله تعالى: {منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات} ذاك معنى آخر. وقوله تعالى: {تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} أي هذه صفة الأبرار، عند سماع كلام الجبار، المهيمن العزيز الغفار، لما يفهمون من الوعد والوعيد، والتخويف والتهديد تقشعر منه جلودهم من الخشية والخوف {ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} لما يرجون ويؤملون من رحمته ولطفه فهم مخالفون لغيرهم من الفجار من وجوه (أحدها) أن سماع هؤلاء هو تلاوة الاَيات وسماع أولئك نغمات الأبيات من أصوات القينات (الثاني: أنهم إذا تليت عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً بأدب وخشية ورجاء ومحبة وفهم وعلم كما قال تبارك وتعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون * الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون * أولئك هم المؤمنون حقاً لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم} وقال تعالى: {والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صماً وعمياناً} أي لم يكونوا عند سماعها متشاغلين لاهين عنها بل مصغين إليها فاهمين بصيرين بمعانيها فلهذا إنما يعملون بها ويسجدون عندها عن بصيرة لا عن جهل ومتابعة لغيرهم

الثالث: أنهم يلزمون الأدب عند سماعها كما كان الصحابة رضي الله عنهم عند سماعهم كلام الله تعالى من تلاوة رسول الله صلى الله عليه وسلم تقشعر جلودهم ثم تلين مع قلوبهم إلى ذكر الله. ولم يكونوا يتصارخون ولا يتكلفون بما ليس فيهم بل عندهم من الثبات والسكون والأدب والخشية ما لا يلحقهم أحد في ذلك ولهذا فازوا بالمدح من الرب الأعلى في الدنيا والاَخرة. قال عبد الرزاق حدثنا معمر قال تلا قتادة رحمه الله {تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} قال هذا نعت أولياء الله، نعتهم الله عز وجل بأن تقشعر جلودهم وتبكي أعينهم وتطمئن قلوبهم إلى ذكر الله ولم ينعتهم بذهاب عقولهم والغشيان عليهم إنما هذا في أهل البدع، وهذا من الشيطان

وقال السدي {ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} أي إلى وعد الله، وقوله: {ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده} أي هذه صفة من هداه الله ومن كان على خلاف ذلك فهو ممن أضله الله {ومن يضلل الله فما له من هاد}





أَفَمَن يَتّقِي بِوَجْهِهِ سُوَءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ * كَذّبَ الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَـذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ * فَأَذَاقَهُمُ اللّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَلَعَذَابُ الاَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ



يقول تعالى: {أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة} ويفزع فيقال له ولأمثاله من الظالمين {ذوقوا ما كنتم تكسبون} كمن يأتي آمناً يوم القيامة كما قال عز وجل: {أفمن يمشي مكباً على وجهه أهدى أمن يمشي سوياً على صراط مستقيم ؟} وقال جل وعلا: {يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر} وقال تبارك وتعالى: {أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمناً يوم القيامة} واكتفى في هذه الاَية بأحد القسمين عن الاَخر. كقول الشاعر

فما أدري إذا يممت أرضاً أريد الخير أيهما يليني

يعني الخير أو الشر. وقوله جلت عظمته: {كذب الذين من قبلهم فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون} يعني القرون الماضية المكذبة للرسل أهلكهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق، وقوله جل وعلا: {فأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا} أي بما أنزل بهم من العذاب والنكال وتشفي المؤمنين بهم، فليحذر المخاطبون من ذلك فإنهم قد كذبوا أشرف الرسل وخاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم والذي أعده الله جل جلاله لهم في الاَخرة من العذاب الشديد أعظم مما أصابهم في الدنيا ولهذا قال عز وجل: {ولعذاب الاَخرة أكبر لو كانوا يعلمون}





وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنّاسِ فِي هَـَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلّ مَثَلٍ لّعَلّهُمْ يَتَذَكّرُونَ * قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لّعَلّهُمْ يَتّقُونَ * ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً رّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ للّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * إِنّكَ مَيّتٌ وَإِنّهُمْ مّيّتُونَ * ثُمّ إِنّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبّكُمْ تَخْتَصِمُونَ



يقول تعالى: {ولقد ضربنا للناس في هذه القرآن من كل مثل} أي بينا للناس فيه بضرب الأمثال {لعلهم يتذكرون} فإن المثل يقرب المعنى إلى الأذهان كما قال تبارك وتعالى: {ضرب لكم مثلاً من أنفسكم} أي تعلمونه من أنفسكم، وقال عز وجل: {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون} وقوله جل وعلا: {قرآناً عربياً غير ذي عوج} أي هو قرآن بلسان عربي مبين لا اعوجاج فيه ولا انحراف ولا لبس بل هو بيان ووضوح وبرهان، وإنما جعله الله تعالى كذلك، وأنزله بذلك {لعلهم يتقون} أي يحذرون ما فيه من الوعيد ويعملون بما فيه من الوعد. ثم قال: {ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون} أي يتنازعون في ذلك العبد المشترك بينهم {ورجلاً سلماً} أي سالماً {لرجل} أي خالصاً لا يملكه أحد غيره {هل يستويان مثلاً ؟} أي لا يستوي هذا وهذا. كذلك لا يستوي المشرك الذي يعبد آلهة مع الله والمؤمن المخلص الذي لا يعبد إلا الله وحده لا شريك له ؟ فأين هذا من هذا ؟ قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وغير واحد: هذه الاَية ضربت مثلاً للمشرك والمخلص، ولما كان هذا المثل ظاهراً بيناً جلياً قال: {الحمد لله} أي على إقامة الحجة عليهم {بل أكثرهم لا يعلمون} أي فلهذا يشركون بالله. وقوله تبارك وتعالى: {إنك ميت وإنهم ميتون} هذه الاَية من الاَيات التي استشهد بها الصديق رضي الله عنه عند موت الرسول صلى الله عليه وسلم حتى تحقق الناس موته مع قوله عز وجل: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين} ومعنى هذه الاَية أنكم ستنقلون من هذه الدار لا محالة وستجتمعون عند الله تعالى في الدار الاَخرة وتختصمون فيما أنتم فيه في الدنيا من التوحيد والشرك بين يدي الله عز وجل فيفصل بينكم ويفتح بالحق وهو الفتاح العليم، فينجي المؤمنين المخلصين الموحدين. ويعذب الكافرين الجاحدين المشركين المكذبين. ثم إن هذه الاَية وإن كان سياقها في المؤمنين والكافرين وذكر الخصومة بينهم في الدار الاَخرة فإنها شاملة لكل المتنازعين في الدنيا فإنه تعاد عليهم الخصومة في الدار الاَخرة

وقال ابن أبي حاتم رحمه الله: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري حدثنا سفيان عن محمد بن عمرو عن أبي حاطب ـ يعني يحيى بن عبد الرحمن ـ عن ابن الزبير رضي الله عنهما قال لما نزلت {ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون} قال الزبير رضي الله عنه: يا رسول الله أتكرر علينا الخصومة ؟ قال صلى الله عليه وسلم : «نعم» قال رضي الله عنه: إن الأمر إذاً لشديد: وكذا رواه الإمام أحمد عن سفيان وعنده زيادة، ولما نزلت {ثم لتسألن يومئذ عن النعيم} قال الزبير رضي الله عنه: أي رسول الله أي نعيم نسأل عنه وإنما نعيمنا الأسودان: التمر والماء، قال صلى الله عليه وسلم : «أما إن ذلك سيكون» وقد روى هذه الزيادة الترمذي وابن ماجه من حديث سفيان به وقال الترمذي: حسن وقال أحمد أيضاً: حدثنا ابن نمير حدثنا محمد ـ يعني ابن عمرو ـ عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن عبد الله بن الزبير عن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه السورة على رسول الله صلى الله عليه وسلم {إنك ميت وإنهم ميتون * ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون} قال الزبير رضي الله عنه: أي رسول الله أيكرر علينا ما كان بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب ؟ قال صلى الله عليه وسلم : «نعم ليكررن عليكم حتى يؤدى إلى كل ذي حق حقه» قال الزبير رضي الله عنه: والله إن الأمر لشديد، ورواه الترمذي من حديث محمد بن عمرو به وقال حسن صحيح وقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ابن لهيعة عن أبي عياش عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أول الخصمين يوم القيامة جاران» تفرد به أحمد وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا حسن بن موسى حدثنا ابن لهيعة حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «والذي نفسي بيده إنه ليختصم حتى الشاتان فيما انتطحتا» تفرد به أحمد رحمه الله. وفي المسند عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم شاتين تنتطحان فقال: «أتدري فيم تنتطحان يا أبا ذر ؟» قلت: لا قال صلى الله عليه وسلم : «ولكن الله يدري وسيحكم بينهما» وقال الحافظ أبو بكر)البزار حدثنا سهل بن محمد حدثنا حيان بن أغلب حدثنا أبي حدثنا ثابت عن أنس رضي الله عن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يجاء بالإمام الجائر الخائن يوم القيامة فتخاصمه الرعية فيفلحون عليه فيقال له سد ركناً من أركان جهنم» ثم قال الأغلب بن تميم ليس بالحافظ. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما {ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون} يقول: يخاصم الصادق الكاذب، والمظلوم الظالم، والمهتدي الضال، والضعيف المستكبر، وقد روى ابن منده في كتاب الروح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: يختصم الناس يوم القيامة حتى تختصم الروح مع الجسد فتقول الروح للجسد أنت فعلت ويقول الجسد للروح أنتِ أمرت وأنت سولت فيبعث الله ملكاً يفصل بينهما فيقول لهما إنّ مثلكما كمثل رجل مقعد بصير والاَخر ضرير دخلا بستاناً فقال المقعد للضرير إني أرى ههنا ثماراً ولكن لا أصل إليها فقال له الضرير اركبني فتناولها فركبه فتناولها فأيهما المعتدي ؟ فيقولان كلاهما فيقول لهما الملك فإنكما قد حكمتما على أنفسكما، يعني أن الجسد للروح كالمطية وهي راكبه. وقال ابن أبي حاتم حدثنا جعفر بن أحمد بن عوسجة حدثنا ضرار حدثنا أبو سلمة الخزاعي حدثنا منصور بن سلمة حدثنا القمي ـ يعني يعقوب بن عبد الله عن جعفر بن المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: نزلت هذه الاَية وما نعلم في أي شيء نزلت {ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون} قال قلنا من نخاصم ؟ ليس بيننا وبين أهل الكتاب خصومة فمن نخاصم ؟ حتى وقعت الفتنة فقال ابن عمر رضي الله عنهما: هذا الذي وعدنا ربنا عز وجل نختصم فيه، ورواه النسائي عن محمد بن عامر عن منصور بن سلمة به، وقال أبو العالية في قوله تبارك وتعالى: {ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون} قال: يعني أهل القبلة، وقال ابن زيد: يعني أهل الإسلام وأهل الكفر، وقد قدمنا أن الصحيح العموم والله سبحانه وتعالى أعلم





فَمَنْ أَظْلَمُ مِمّن كَذَبَ علَى اللّهِ وَكَذّبَ بِالصّدْقِ إِذْ جَآءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنّمَ مَثْوًى لّلْكَافِرِينَ * وَالّذِي جَآءَ بِالصّدْقِ وَصَدّقَ بِهِ أُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُتّقُونَ * لَهُم مّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبّهِمْ ذَلِكَ جَزَآءُ الْمُحْسِنِينَ * لِيُكَـفّرَ اللّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الّذِي عَمِلُواْ وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الّذِي كَـانُواْ يَعْمَلُونَ



يقول عز وجل مخاطباً المشركين الذين افتروا على الله وجعلوا معه آلهة أخرى وادعوا أن الملائكة بنات الله وجعلوا لله ولداً تعالى عن قولهم علواً كبيراً، ومع هذا كذبوا بالحق إذ جاءهم على ألسنة رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ولهذا قال عز وجل: {فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه} أي لا أحد أظلم من هذا لأنه جمع بين طرفي الباطل كذب على الله وكذب رسول الله قالوا الباطل وردوا الحق ولهذا قال جلت عظمته متوعداً لهم: {أليس في جهنم مثوى للكافرين ؟} وهم الجاحدون المكذبون. ثم قال جل وعلا: {والذي جاء بالصدق وصدق به} قال مجاهد وقتادة والربيع بن أنس وابن زيد: الذي جاء بالصدق هو الرسول صلى الله عليه وسلم وقال السدي: هو جبريل عليه السلام {وصدق به} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم وقال علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما {والذي جاء بالصدق} قال: من جاء بلا إله إلا الله {وصدق به} يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأ الربيع بن أنس {والذين جاءوا بالصدق} يعني الأنبياء {وصدقوا به} يعني الأتباع. وقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد {والذي جاء بالصدق وصدق به} قال: أصحاب القرآن المؤمنون يجيئون يوم القيامة فيقولون هذا ما أعطيتمونا فعملنا فيه بما أمرتمونا. وهذا القول عن مجاهد يشمل كل المؤمنين فإن المؤمنين يقولون الحق ويعملون به والرسول صلى الله عليه وسلم أولى الناس بالدخول في هذه الاَية على هذا التفسير فإنه جاء بالصدق وصدق المرسلين وآمن بما أنزل إليه من ربه والؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم {والذي جاء بالصدق} هو رسول الله صلى الله عليه وسلم {وصدق به} قال المسلمون {أولئك هم المتقون} قال ابن عباس رضي الله عنهما:اتقوا الشرك {لهم ما يشاؤون عند ربهم} يعني في الجنة مهما طلبوا وجدوا {ذلك جزاء المحسنين * ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون} كما قال عز وجل في الاَية الأخرى: {أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون}





أَلَيْسَ اللّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوّفُونَكَ بِالّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْـلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَـادٍ * وَمَن يَهْدِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِن مّضِلّ أَلَيْسَ اللّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انتِقَامٍ * وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مّنْ خَلَقَ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ لَيَقُولُنّ اللّهُ قُلْ أَفَرَأيْتُم مّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللّهُ بِضُرّ هَلْ هُنّ كَاشِفَاتُ ضُرّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكّـلُ الْمُتَوَكّلُونَ * قُلْ يَقَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَىَ مَكَانَتِكُـمْ إِنّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مّقِيمٌ



يقول تعالى: {أليس الله بكاف عبده} وقرأ بعضهم {عباده} يعني أنه تعالى يكفي من عبده وتوكل عليه وقال ابن حاتم ههنا: حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي ابن وهب حدثنا عمي حدثنا أبو هانىء عن أبي علي عمرو بن مالك الجنبي عن فضالة بن عبيد الأنصاري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أفلح من هدي إلى الإسلام وكان عيشه كفافاً وقنع به» ورواه الترمذي والنسائي من حديث حيوة بن شريح عن أبي هانىء الخولاني به وقال الترمذي صحيح {ويخوفونك بالذين من دونه} يعني المشركين يخوفون الرسول صلى الله عليه وسلم ويتوعدونه بأصنامهم وآلهتهم التي يدعونها من دون الله جهلاً منهم وضلالاً ولهذا قال عز وجل: {ومن يضلل الله فما له من هاد* ومن يهد الله فما له من مضل أليس الله بعزيز ذي انتقام ؟} أي منيع الجناب لا يضام من استند إلى جنابه ولجأ إلى بابه فإنه العزيز الذي لا أعز منه ولا أشد انتقاماًمنه ممن كفر به وأشرك وعاند رسوله صلى الله عليه وسلم ، وقوله تعالى: {ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله} يعني المشركين كانوا يعترفون بأن الله عز وجل هو الخالق للأشياء كلها ومع هذا يعبدون معه غيره مما لا يملك لهم ضراً ولا نفعاً ولهذا قال تبارك تعالى: {قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره ؟ أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته ؟} أي لا تستطيع شيئاً من الأمر، وذكر ابن أبي حاتم ههنا حديث قيس بن الحجاج عن حنش الصنعاني عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يضروك، ولو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك لم ينفعوك، جفت الصحف ورفعت الأقلام واعمل لله بالشكر في اليقين. واعلم أن في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً. وأن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسراً» {قل حسبي الله} أي الله كافيّ {عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون} كما قال هود عليه الصلاة والسلام حين قال قومه {إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مماتشركون * من دونه فيكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون * إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم} . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام الأنصاري حدثنا عبد الله بن بكر السهمي حدثنا محمد بن حاتم عن أبي المقدام مولى آل عثمان عن محمد بن كعب القرظي حدثنا ابن عباس رضي الله عنهما رفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله تعالى، ومن أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله عز وجل أوثق منه بما في يديه، ومن أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله عز وجل» ، وقوله تعالى: {قل يا قوم اعملوا على مكانتكم} أي على طريقتكم وهذا تهديد ووعيد {إني عامل} أي على طريقتي ومنهجي {فسوف تعلمون} أي ستعلمون غب ذلك ووباله {من يأتيه عذاب يخزيه} أي في الدنيا {ويحل عليه عذاب مقيم} أي دائم مستمر لا محيد عنه وذلك يوم القيامة، أعاذنا الل
ه منها



_________________
الحمدلله
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://abubaker.jordanforum.net
 
تفسير سورة الزمر - من آية 1 - إلى نهاية الآية 40
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الأصدقاء :: هدايات وإرشادات وتوجيهات إسلامية :: تفسير القران الكريم "ابن كثير"-
انتقل الى: