منتدى الأصدقاء
{وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }يونس25
And God calls to the House of Peace and guides whom He wills to a Straight Path} Younis 25
نحن سعداء للمشاركة في (منتدى الأصدقاء)
We are pleased to join in ( Forum Friends )
يشرفنا تسجيلك
We are honored register you
إدارة المنتدى
Management of Forum



منتدى الأصدقاء
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثالمجموعاتالتسجيلدخول

( أهلا وسهلا بكم في منتدى الأصدقاء Welcome to the forum Friends >> الرجاء تسجيل الدخول للتعرف على فضائل الأعمال التي يحبها الله Please log in to learn about the virtues of Business loved by God

المواضيع الأخيرة
» (من شهد له خزيمة فهو حسبه). وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ} [هود: 1].
الإثنين نوفمبر 28, 2016 7:52 pm من طرف abubaker

» (مَنْ شهد له خزيمة فحَسْبه). قال: يا رسول الله أَأُصدِّقُك في خبر السماء، وأُكذِّبك في عِدّة دراهم؟ --- وقوله تعالى: {أَن يَرْحَمَكُمْ..} [الإسراء: 8].
الإثنين نوفمبر 28, 2016 7:38 pm من طرف abubaker

» إزالة الظل الأزرق الذي يظهر تحت أيقونات سطح المكتب
السبت نوفمبر 26, 2016 7:22 pm من طرف abubaker

» لأن الاسم إذا أُطلِق عَلَماً على الغير انحلَّ عن معناه الأصلي ولزم العَلَمية فقط، لكن أسماء الله بقيتْ على معناها الأصلي حتى بعد أنْ أصبحتْ عَلَماً على الله تعالى، فهي إذن أسماء حُسْنى.
الإثنين نوفمبر 21, 2016 2:51 pm من طرف abubaker

»  إننا نجد أن بعضا من أسماء الله سبحانه وتعالى له مقابل، ومن أسماء الله الحسنى ما لا تجد له مقابلا. فإذا قيل “المحيي” تجد “المميت” لكن الصفة إن لم يوجد لها مقابل نسميها صفة ذات، فهو “حي” ولا نأتي بالمقابل
الإثنين نوفمبر 21, 2016 2:34 pm من طرف abubaker

» تابع / إننا نجد أن بعضا من أسماء الله سبحانه وتعالى له مقابل، ومن أسماء الله الحسنى ما لا تجد له مقابلا. فإذا قيل “المحيي” تجد “المميت” لكن الصفة إن لم يوجد لها مقابل نسميها صفة ذات، فهو “حي” ولا نأتي بالمقابل
الإثنين نوفمبر 21, 2016 2:27 pm من طرف abubaker

»  فالاسم هو العَلَم الذي وُضِع للدلالة على هذا اللفظ. / الذكْر: له معانٍ متعددة، فالذكْر هو الإخبار بشيء / والرحمة: هي تجليّات الراحم على المرحوم بما يُديم له صلاحه لمهمته - من سورة مريم
الأحد نوفمبر 20, 2016 5:38 pm من طرف abubaker

»  فالاسم هو العَلَم الذي وُضِع للدلالة على هذا اللفظ. / {كهيعص(1)}
الأحد نوفمبر 20, 2016 5:01 pm من طرف abubaker

» إدارة Google Voice والسجل الصوتي
الإثنين نوفمبر 14, 2016 2:10 pm من طرف abubaker

ازرار التصفُّح
 البوابة
 الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث
التبادل الاعلاني

شاطر | 
 

 تفسير سورة الحديد

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
abubaker



ذكر
عدد المساهمات : 18466
تاريخ التسجيل : 23/12/2010
العمر : 66
الدولـة : jordan

مُساهمةموضوع: تفسير سورة الحديد   الثلاثاء مارس 12, 2013 4:11 pm

تفسير سورة الحديد



قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا بقية بن الوليد، حدثني بجير بن سعد عن خالد بن معدان عن ابن أبي بلال عن عرباض بن سارية أنه حدثهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ المسبحات قبل أن يرقد وقال: «إن فيهن آية أفضل من ألف آية، وهكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي من طرق عن بقية به. وقال الترمذي: حسن غريب. ورواه النسائي عن ابن أبي السرح عن ابن وهب عن معاوية بن صالح عن بجير بن سعد، عن خالد بن معدان قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره مرسلا، ولم يذكر عبد الله بن أبي بلال ولا العرباض بن سارية، والاَية المشار إليها في الحديث هي والله أعلم قوله تعالى: {هو الأول والاَخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم} كما سيأتي بيانه قريباً إن شاء الله تعالى، وبه الثقة وعليه التكلان، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

بِسْمِ اللّهِ الرّحْمـَنِ الرّحِيمِ

سَبّحَ للّهِ مَا فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * لَهُ مُلْكُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * هُوَ الأوّلُ وَالاَخِرُ وَالظّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ



يخبر تعالى أنه يسبح له ما في السموات وما في الأرض أي من الحيوانات والنباتات، كما قال في الاَية الأخرى: {تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليماً غفوراً} وقوله تعالى: {وهو العزيز} أي الذي قد خضع له كل شيء {الحكيم} في خلقه وأمره وشرعه {له ملك السموات والأرض يحيي ويميت} أي هو المالك المتصرف في خلقه فيحيي ويميت ويعطي من يشاء ما يشاء {وهو على كل شيء قدير} أي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. وقوله تعالى: {هو الأول والاَخر والظاهر والباطن} وهذه الاَية هي المشار إليها في حديث عرباض بن سارية أنها أفضل من ألف آية، وقال أبو داود: حدثنا عباس بن عبد العظيم، حدثنا النضر بن محمد، حدثنا عكرمة ـ يعني ابن عمار ـ حدثنا أبو زميل قال: سألت ابن عباس فقلت: ما شيء أجده في صدري ؟ قال: ما هو ؟ قلت: والله لا أتكلم به. قال: فقال لي: أشيء من شك ؟ قال وضحك، قال: ما نجا من ذلك أحد، قال: حتى أنزل الله تعالى: {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك} الاَية، قال: وقال لي: إذا وجدت في نفسك شيئاً فقل {هو الأول والاَخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم} وقد اختلفت عبارات المفسرين في هذه الاَية وأقوالهم على نحو من بضعة عشر قولاً

وقال البخاري: قال يحيى: الظاهر على كل شيء علماً والباطن على كل شيءٍ علماً. وقال شيخنا الحافظ المزي: يحيى هذا هو ابن زياد الفراء، له كتاب سماه معاني القرآن، وقد ورد في ذلك أحاديث، فمن ذلك ما قال الإمام أحمد: حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا ابن عياش عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو عند النوم «اللهم رب السموات السبع ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، منزل التوراة والإنجيل والفرقان، فالق الحب والنوى لا إله إلا أنت أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الاَخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن ليس دونك شيء. اقض عنا الدين، وأغننا من الفقر» ورواه مسلم في صحيحه: حدثني زهير بن حرب، حدثنا جرير عن سهل قال: كان أبو صالح يأمرنا إذا أراد أحدنا أن ينام أن يضطجع على شقه الأيمن، ثم يقول: اللهم رب السموات ورب الأرض ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء فالق الحب والنوى، ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الاَخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين، واغننا من الفقر، وكان يروي ذلك عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد روى الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده عن عائشة أم المؤمنين نحو هذا فقال: حدثنا عقبة، حدثنا يونس، حدثنا السري بن إسماعيل عن الشعبي عن مسروق عن عائشة أنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بفراشه فيفرش له مستقبل القبلة، فإذا أوى إليه توسد كفه اليمنى ثم همس ما يدرى ما يقول، فإذا كان في آخر الليل رفع صوته فقال: «اللهم رب السموات السبع ورب العرش العظيم، إله كل شيء ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان، فالق الحب والنوى. أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته. اللهم أنت الأول الذي ليس قبلك شيء، وأنت الاَخر الذي ليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين وأغننا من الفقر» السري بن إسماعيل هذا هو ابن عم الشعبي وهو ضعيف جداً والله أعلم

وقال أبو عيسى الترمذي عند تفسير هذه الاَية: حدثنا عبد بن حميد وغير واحد المعنى واحد قالوا حدثنا يونس بن محمد، حدثنا شيبان بن عبد الرحمن عن قتادة قال حدث الحسن عن أبي هريرة قال: بينما نبي الله صلى الله عليه وسلم جالس وأصحابه إذ أتى عليهم سحاب فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم : هل تدرون ما هذا ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: هذا العنان هذه روايا الأرض تسوقه إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه. ثم قال: هل تدرون ما فوقكم ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإنها الرفيع سقف محفوظ وموج مكفوف. ثم قال: هل تدرون كم بينكم وبينها ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: بينكم وبينها خمسمائة سنة. ثم قال: هل تدرون ما فوق ذلك ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإن فوق ذلك سماء بعد ما بينهما مسيرة خمسمائة سنة ـ حتى عد سبع سماوات ـ ما بين كل سماءين كما بين السماء والأرض ثم قال: هل تدرون ما فوق ذلك ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: فإن فوق ذلك العرش وبينه وبين السماء مثل بعد ما بين السماءين، ثم قال: هل تدرون ما الذي تحتكم ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال فإنها الأرض. ثم قال: هل تدرون ما الذي تحت ذلك. قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإن تحتها أرضاً أخرى بينهما مسيرة خمسمائة سنة ـ حتى عد سبع أرضين ـ بين كل أرضين مسيرة خمسمائة سنة، ثم قال: والذي نفس محمد بيده لو أنكم دليتم حبلاً إلى الأرض السفلى لهبط على الله ثم قرأ: {هو الأول والاَخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم}

ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه، ويروى عن أيوب ويونس يعني ابن عبيد وعلي بن زيد وقالوا: لم يسمع الحسن من أبي هريرة. وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقالوا: إنما هبط على علم الله وقدرته وسلطانه، وعلم الله وقدرته وسلطانه في كل مكان وهو على العرش كما وصف في كتابه، انتهى كلامه. وقد روى الإمام أحمد هذا الحديث عن سريج عن الحكم بن عبد الملك عن قتادة عن الحسن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكره وعنده وبعد ما بين الأرضين مسيرة سبعمائة عام وقال: لو دليتم أحدكم بحبل إلى الأرض السفلى السابعة لهبط على الله ثم قرأ {هو الأول والاَخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم} ورواه ابن أبي حاتم والبزار من حديث أبي جعفر الرازي عن قتادة عن الحسن عن أبي هريرة فذكر الحديث ولم يذكر ابن أبي حاتم آخره، وهو قوله لو دليتم بحبل وإنما قال حتى عد سبع أرضين بين كل أرضين مسيرة خمسمائة عام، ثم تلا {هو الأول والاَخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم}. وقال البزار: لم يروه عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا أبو هريرة، ورواه ابن جرير عن بشر عن يزيد عن سعيد عن قتادة {هو الأول والاَخر والظاهر والباطن}. وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس في أصحابه إذ مر عليهم سحاب فقال: هل تدرون ما هذا ؟ وذكر الحديث مثل سياق الترمذي سواء، إلا أنه مرسل من هذا الوجه، ولعل هذا هو المحفوظ والله أعلم. وقد روي من حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه وأرضاه، رواه البزار في مسنده والبيهقي في كتاب الأسماء والصفات، ولكن في إسناده نظر وفي متنه غرابة ونكارة، والله سبحانه وتعالى أعلم

وقال ابن جرير عند قوله تعالى: {ومن الأرض مثلهن}: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور عن معمر عن قتادة قال: التقى أربعة من الملائكة بين السماء والأرض فقال بعضهم لبعض: من أين جئت ؟ قال أحدهم: أرسلني ربي عز وجل من السماء السابعة وتركته ثَمّ. قال الاَخر: أرسلني ربي عز وجل من الأرض السابعة وتركته ثَمّ. قال الاَخر: أرسلني ربي من المشرق وتركته ثَمّ. قال الاَخر: أرسلني ربي من المغرب وتركته ثَمّ. وهذا حديث غريب جداً، وقد يكون الحديث الأول موقوفاً على قتادة كما روي ههنا من قوله، والله أعلم





هُوَ الّذِي خَلَقَ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ فِي سِتّةِ أَيّامٍ ثُمّ اسْتَوَىَ عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * لّهُ مُلْكُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الاُمُورُ * يُولِجُ الْلّيْلَ فِي النّهَارِ وَيُولِجُ النّهَارَ فِي الْلّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصّدُورِ



يخبر تعالى عن خلقه السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم أخبر تعالى باستوائه على العرش بعد خلقهن، وقد تقدم الكلام على هذه الاَية وأشباهها في سورة الأعراف بما أغنى عن إعادته ههنا. وقوله تعالى: {يعلم ما يلج في الأرض} أي يعلم عدد ما يدخل فيها من حب وقطر {وما يخرج منها} من نبات وزرع وثمار)كما قال تعالى: {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين} وقوله تعالى: {وما ينزل من السماء} أي من الأمطار. والثلوج والبرد والأقدار. والأحكام مع الملائكة الكرام. وقد تقدم في سورة البقرة أنه ما ينزل من قطرة من السماء إلا ومعها ملك يقررها في المكان الذي يأمر لله به حيث يشاء الله تعالى. وقوله تعالى، {وما يعرج فيها} أي من الملائكة والأعمال كما جاء في الصحيح «يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل». وقوله تعالى: {وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير} أي رقيب عليكم شهيد على أعمالكم حيث كنتم وأين كنتم براً أو بحراً، في ليل أو نهار في البيوت أو القفار، الجميع في علمه على السواء وتحت بصره وسمعه فيسمع كلامكم ويرى مكانكم، ويعلم سركم ونجواكم كما قال تعالى: {ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور}

وقال تعالى: {سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار} فلا إله غيره ولا رب سواه، وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجبريل لما سأله عن الإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» وروى الحافظ أبو بكر الإسماعيلي من حديث نصر بن خزيمة بن جنادة بن محفوظ بن علقمة: حدثني أبي عن نصر بن علقمة عن أخيه عن عبد الرحمن بن عائذ قال: قال عمر: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال زودني حكمة أعيش بها فقال: «استح الله كما تستحي رجلاً من صالحي عشيرتك لا يفارقك» هذا حديث غريب، وروى أبو نعيم من حديث عبد الله بن علوية العامري مرفوعاً «ثلاث من فعلهن فقد طعم الإيمان إن عبد الله وحده وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه في كل عام، ولم يعط الهرمة ولا الدرنة ولا الشّرط اللئيمة ولا المريضة، ولكن من أوسط أموالكم وزكى نفسه» وقال رجل: يا رسول الله ما تزكية المرء نفسه ؟ فقال: «يعلم أن الله معه حيث كان». وقال نعيم بن حماد رحمه الله: حدثنا عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي عن محمد بن مهاجر عن عروة بن رويم، عن عبد الرحمن بن غنم عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيثما كنت» غريب، وكان الإمام أحمد رحمه الله تعالى ينشد هذين البيتين

إذا ما خلوت الدهر يوماًفلا تقلخلوت ولكن قل علي رقيبولا تحسبن الله يغفل ساعةولا أن ما تخفي عليه يغيب

وقوله تعالى: {له ملك السموات والأرض وإلى الله ترجع الأمور} أي هو المالك للدنيا والاَخرة كما قال تعالى: {وإن لنا للاَخرة والأولى} وهو المحمود على ذلك كما قال تعالى: {وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والاَخرة} وقال تعالى: {الحمد لله له ما في السموات وما في الأرض وله الحمد في الاَخرة وهو الحكيم الخبير}، فجميع ما في السموات والأرض ملك له، وأهلهما عبيد أرقاء أذلاء بين يديه كما قال تعالى: {إن كل من في السموات والأرض إلا آت الرحمن عبداً لقد أحصاهم وعدهم عداً وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً} ولهذا قال: {وإلى الله ترجع الأمور} أي إليه المرجع يوم القيامة فيحكم في خلقه بما يشاء وهو العادل الذي لا يجور ولا يظلم مثقال ذرة بل إن يكن عمل أحدهم حسنة واحدة يضاعفها إلى عشرة أمثالها {ويؤت من لدنه أجراً عظيماً} وكما قال تعالى: {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين} وقوله تعالى: {يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل} أي هو المتصرف في الخلق يقلب الليل والنهار ويقدرهما بحكمته كما يشاء، فتارة يطول الليل ويقصر النهار وتارة بالعكس، وتارة يتركهما معتدلين، وتارة يكون الفصل شتاءً ثم ربيعاً ثم قيظاً ثم خريفاً، وكل ذلك بحكمته وتقديره لما يريده بخلقه {وهو عليم بذات الصدور} أي يعلم السرائر وإن دقت وإن خفيت





آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُواْ مِمّا جَعَلَكُم مّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَأَنفَقُواْ لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ * وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالرّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُواْ بِرَبّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِن كُنتُمْ مّؤْمِنِينَ * هُوَ الّذِي يُنَزّلُ عَلَىَ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيّنَاتٍ لّيُخْرِجَكُمْ مّنَ الظّلُمَاتِ إِلَى النّورِ وَإِنّ اللّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رّحِيمٌ * وَمَا لَكُمْ أَلاّ تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلِلّهِ مِيرَاثُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَـَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مّنَ الّذِينَ أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَقَاتَلُواْ وَكُلاّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَىَ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * مّن ذَا الّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ



أمر تبارك وتعالى بالإيمان به وبرسوله على الوجه الأكمل، والدوام والثبات على ذلك والاستمرار، وحث على الإنفاق مما جعلكم مستخلفين فيه أي مما هو معكم على سبيل العارية، فإنه قد كان في أيدي من قبلكم ثم صار إليكم، فأرشد الله تعالى إلى استعمال ما استخلفتم فيه من المال في طاعته، فإن تفعلوا وإلا حاسبكم عليه وعاقبكم لترككم الواجبات فيه، وقوله تعالى: {مما جعلكم مستخلفين فيه} فيه إشارة إلى أنه سيكون مخلفاً عنك، فلعل وارثك أن يطيع الله فيه فيكون أسعد بما أنعم الله به عليك منك، أو يعصي الله فيه فتكون قد سعيت في معاونته على الإثم والعدوان. قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت قتادة يحدث عن مطرف يعني ابن عبد الله بن الشخير عن أبيه قال: انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول: «ألهاكم التكاثر، يقول ابن آدم مالي مالي وهل لك من مالك إلا ماأكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت ؟» ورواه مسلم من حديث شعبة به وزاد: «وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس»

وقوله تعالى: {فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير} ترغيب في الإيمان والإنفاق في الطاعة ثم قال تعالى: {ومالكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم ؟} أي وأي شيء يمنعكم من الإيمان والرسول بين أظهركم يدعوكم إلى ذلك ويبين لكم الحجج والبراهين على صحة ما جاءكم به، وقد روينا في الحديث من طرق في أوائل شرح كتاب الإيمان من صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوماً لأصحابه: «أي المؤمنين أعجب إليكم إيماناً ؟ قالوا: الملائكة. قال: وما لهم لا يؤمنون وهم عند ربهم ؟ قالوا: فالأنبياء. قال: ومالهم لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم ؟ قالوا: فنحن. قال: ومالكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم ؟ ولكن أعجب المؤمنين إيماناً قوم يجيئون بعدكم يجدون صحفاً يؤمنون بما فيها» وقد ذكرنا طرفاً من هذه الرواية في أول سورة البقرة عند قوله تعالى: {الذين يؤمنون بالغيب}

وقوله تعالى: {وقد أخذ ميثاقكم} كما قال تعالى: {واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا} ويعني بذلك بيعة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وزعم ابن جرير أن المراد بذلك الميثاق الذي أخذ عليهم في صلب آدم وهو مذهب مجاهد فالله أعلم. وقوله تعالى: {هو الذي ينزل على عبده آيات بينات} أي حججاً واضحات ودلائل باهرات وبراهين قاطعات {ليخرجكم من الظلمات إلى النور} أي من ظلمات الجهل والكفر والاَراء المتضادة إلى نور الهدى واليقين والإيمان {وإن الله بكم لرؤوف رحيم} أي في إنزاله الكتب وإرساله الرسل لهداية الناس وإزاحة العلل وإزالة الشبه، ولما أمرهم أولاً بالإيمان والإنفاق ثم حثهم على الإيمان وبين أنه قد أزال عنهم موانعه حثهم أيضاً على الإنفاق فقال: {ومالكم ألا تنفقوا في سبيل الله و لله ميراث السموات والأرض ؟} أي أنفقوا ولا تخشوا فقراً وإقلالاً فإن الذي أنفقتم في سبيله هو مالك السموات والأرض وبيده مقاليدهما وعنده خزائنهما، وهو مالك العرش بما حوى، وهو القائل {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين}

وقال: {ما عندكم ينفد وما عند الله باق} فمن توكل على الله أنفق ولم يخش من ذي العرش إقلالاً، وعلم أن الله سيخلفه عليه، وقوله تعالى: {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل} أي لا يستوي هذا ومن لم يفعل كفعله، وذلك أن قبل فتح مكة كان الحال شديداً فلم يكن يؤمن حينئذ إلا الصديقون، وأما بعد الفتح فإنه ظهر الإسلام ظهوراً عظيماً ودخل الناس في دين الله أفواجاً. ولهذا قال تعالى: {أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلاً وعد الله الحسنى} والجمهور على أن المراد بالفتح ههنا فتح مكة، وعن الشعبي وغيره أن المراد بالفتح ههنا صلح الحديبية، وقد يستدل لهذا القول بما قال الإمام أحمد: حدثنا أحمد بن عبد الملك، حدثنا زهير، حدثنا حميد الطويل عن أنس قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف كلام، فقال خالد لعبد الرحمن: تستطيلون علينا بأيام سبقتمونا بها، فبلغنا أن ذلك ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «دعوا لي أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفقتم مثل أحد أو مثل الجبال ذهبا ما بلغتم أعمالهم» ومعلوم أن إسلام خالد بن الوليد المواجه بهذا الخطاب كان بين صلح الحديبية وفتح مكة، وكانت هذه المشاجرة بينهما في بني جذيمة الذين بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد بعد الفتح، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا، فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فأمر خالد بقتلهم وقتل من أسر منهم، فخالفه عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمر وغيرهما، فاختصم خالد وعبد الرحمن بسبب ذلك، والذي في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه»

وروى ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث ابن وهب، أخبرنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري أنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، حتى إذا كنا بعسفان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «يوشك أن يأتي قوم تحقرون أعمالكم مع أعمالهم» فقلنا من هم يارسول الله أقريش ؟ قال: «لا ولكن أهل اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوباً» فقلنا: أهم خير منا يارسول الله ؟ قال: «لو كان لأحدهم جبل من ذهب فأنفقه ما أدرك مد أحدكم ولا نصيفه ألا إن هذا فضل ما بيننا وبين الناس {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلاً وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير} وهذا الحديث غريب بهذا السياق والذي في الصحيحين من رواية جماعة عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد ذكر الخوارج: «تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية». الحديث، ولكن روى ابن جرير هذا الحديث من وجه آخر فقال: حدثني ابن البرقي حدثني ابن أبي مريم، أخبرنا محمد بن جعفر، أخبرني زيد بن أسلم عن أبي سعيد التمار عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يوشك أن يأتي قوم تحقرون أعمالكم مع أعمالهم» قلنا: من هم يا رسول الله ؟ قريش ؟ قال: «لا ولكن أهل اليمن لأنهم أرق أفئدة وألين قلوباً» وأشار بيده إلى اليمن فقال: «هم أهل اليمن ألا إن الإيمان يمان والحكمة يمانية» فقلنا: يارسول الله هم خير منا ؟ قال: «والذي نفسي بيده لو كان لأحدهم جبل من ذهب ينفقه ما أدى مد أحدكم ولانصيفه» ثم جمع أصابعه ومد خنصره وقال: «ألا إن هذا فضل ما بيننا وبين الناس {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلاً وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير}». فهذا السياق ليس فيه ذكر الحديبية، فإن كان ذلك محفوظاً كما تقدم فيحتمل أنه أنزل قبل الفتح إخباراً عما بعده كما في قوله تعالى في سورة المزمل وهي مكية من أوائل ما نزل {وآخرون يقاتلون في سبيل الله} الاَية. فهي بشارة بما يستقبل وهكذا هذه والله أعلم

وقوله تعالى: {وكلاً وعد الله الحسنى} يعني المنفقين قبل الفتح وبعده، كلهم لهم ثواب على ما عملوا، وإن كان بينهم تفاوت في تفاضل الجزاء كما قال تعالى: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلاً وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً} وهكذا الحديث الذي في الصحيح «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير» وإنما نبه بهذا لئلا يهدر جانب الاَخر بمدح الأول دون الاَخر، فيتوهم متوهم ذمه، فلهذا عطف بمدح الاَخر والثناء عليه مع تفضيل الأول عليه، ولهذا قال تعالى: {والله بما تعملون خبير} أي فلخبرته فاوت بين ثواب من أنفق من قبل الفتح وقاتل ومن فعل ذلك بعد ذلك وما ذاك إلا لعلمه بقصد الأول وإخلاصه التام وإنفاقه في حال الجهد والقلة والضيق، وفي الحديث «سبق درهم مائة ألف» ولا شك عند أهل الإيمان أن الصديق أبا بكر رضي الله عنه له الحظ الأوفر من هذه الاَية، فإنه سيد من عمل بها من سائر أمم الأنبياء، فإنه أنفق ماله كله ابتغاء وجه الله عز وجل، ولم يكن لأحد عنده نعمة يجزيه بها

وقد قال أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي عند تفسير هذه الاَية: أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرنا عبد الله بن حامد بن محمد، أخبرنا أحمد بن إسحاق بن أيوب، أخبرنا محمد بن يونس، حدثنا العلاء بن عمرو الشيباني، حدثنا أبو إسحاق الفزاري، حدثنا سفيان بن سعيد عن آدم بن علي عن ابن عمرو قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو بكر الصديق وعليه عباءة قد خلها في صدره بخلال، فنزل جبريل فقال: مالي أرى أبا بكر عليه عباءة قد خلها في صدره بخلال ؟ فقال: «أنفق ماله علي قبل الفتح» قال: فإن الله يقول: اقرأ عليه السلام وقل له أراض أنت عني في فقرك هذا أم ساخط ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «يا أبا بكر إن الله يقرأ عليك السلام ويقول لك: أراض أنت عني في فقرك هذا أم ساخط ؟» فقال أبو بكر رضي الله عنه: أسخط على ربي عز وجل ؟ إني عن ربي راض. هذا الحديث ضعيف الإسناد من هذا الوجه والله أعلم. وقوله تعالى: «من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً} قال عمر بن الخطاب: هو الإنفاق في سبيل الله، وقيل: هو النفقة على العيال، والصحيح أنه أعم من ذلك، فكل من أنفق في سبيل الله بنية خالصة، وعزيمة صادقة دخل في عموم هذه الاَية، ولهذا قال تعالى: {من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً} كما قال في الاَية الأخرى: {أضعافاً كثيرة وله أجر كريم} أي جزاء جميل ورزق باهر، وهو الجنة يوم القيامة

قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا خلف بن خليفة عن حميد الأعرج عن عبد الله بن الحارث عن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت هذه الاَية {من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له} قال أبو الدحداح الأنصاري: يا رسول الله، وإن الله ليريد منا القرض ؟ قال: «نعم ياأبا الدحداح» قال: أرني يدك يارسول الله. قال: فناوله يده. قال: فإني قد أقرضت ربي حائطي، وله حائط فيه ستمائة نخلة، وأم الدحداح فيه وعيالها. قال: فجاء أبو الدحداح فناداها ياأم الدحداح. قالت: لبيك، قال: اخرجي فقد أقرضته ربي عز وجل، وفي رواية أنها قالت له: ربح بيعك يا أبا الدحداح. ونقلت منه متاعها وصبيانها وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كم من عذق رداح في الجنة لأبي الدحداح» وفي لفظ «رب نخلة مدلاة عروقها در وياقوت لأبي الدحداح في الجنة»





يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىَ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلّذِينَ آمَنُواْ انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَالْتَمِسُواْ نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مّعَكُمْ قَالُواْ بَلَىَ وَلَـَكِنّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغرّتْكُمُ الأمَانِيّ حَتّىَ جَآءَ أَمْرُ اللّهِ وَغَرّكُم بِاللّهِ الْغَرُورُ * فَالْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلاَ مِنَ الّذِينَ كَفَرُواْ مَأْوَاكُمُ النّارُ هِيَ مَوْلاَكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ



يقول تعالى مخبراً عن المؤمنين المتصدقين أنهم يوم القيامة يسعى نورهم بين أيديهم في عرصات القيامة، بحسب أعمالهم كما قال عبد الله بن مسعود في قوله تعالى: {يسعى نورهم بين أيديهم} قال: على قدر أعمالهم يمرون على الصراط، منهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من نوره مثل النخلة ومنهم من نوره مثل الرجل القائم، وأدناهم نوراً من نوره في إبهامه يتّقد مرة ويطفأ مرة، ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير، وقال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول «من المؤمنين من يضيء نوره من المدينة إلى عدن أبين وصنعاء فدون ذلك حتى أن من المؤمنين من يضيء نوره موضع قدميه» وقال سفيان الثوري عن حصين، عن مجاهد، عن جنادة بن أبي أمية قال: إنكم مكتوبون عند الله بأسمائكم وسيماكم وحلالكم ونجواكم ومجالسكم، فإذا كان يوم القيامة، قيل: يافلان هذا نورك، يافلان لا نور لك، وقرأ {يسعى نورهم بين أيديهم}

وقال الضحاك: ليس أحد إلا يعطى نوراً يوم القيامة، فإذا انتهوا إلى الصراط طفىء نور المنافقين، فلما رأى ذلك المؤمنون أشفقوا أن يطفأ نورهم كما طفىء نور المنافقين فقالوا: ربنا أتمم لنا نورنا، وقال الحسن: {يسعى نورهم بين أيديهم} يعني على الصراط وقد قال ابن أبي حاتم رحمه الله: حدثنا أبو عبيد الله بن أخي ابن وهب، أخبرنا عمي عن يزيد بن أبي حبيب عن سعيد بن مسعود أنه سمع عبد الرحمن بن جبير يحدث، أنه سمع أبا الدرداء وأبا ذر يخبران عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أنا أول من يؤذن له يوم القيامة بالسجود، وأول من يؤذن له برفع رأسه، فأنظر من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي فأعرف أمتي من بين الأمم» فقال له رجل: يانبي الله كيف تعرف أمتك من بين الأمم ما بين نوح إلى أمتك ؟ فقال: أعرفهم محجلون من أثر الوضوء ولا يكون لأحد من الأمم غيرهم، وأعرفهم يؤتون كتبهم بأيمانهم، وأعرفهم بسيماهم في وجوههم، وأعرفهم بنورهم يسعى بين أيديهم»

وقوله {وبأيمانهم} قال الضحاك أي وبأيمانهم كتبهم كما قال: {فمن أوتي كتابه بيمينه} وقوله: {بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار} أي قال لهم: بشراكم اليوم جنات أي لكم البشارة بجنات تجري من تحتها الأنهار {خالدين فيها} أي ماكثين فيها أبداً {ذلك هو الفوز العظيم} وقوله: {يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم} وهذا إخبار منه تعالى عما يقع يوم القيامة في العرصات من الأهوال المزعجة والزلازل العظيمة، والأمور الفظيعة، وأنه لا ينجو يومئذ إلا من آمن با لله ورسوله وعمل بما أمر الله به وترك ما عنه زجر. قال ابن أبي حاتم: حدثنا عبدة بن سليمان، حدثنا ابن المبارك، حدثنا صفوان بن عمرو، حدثني سليم بن عامر قال: خرجنا على جنازة في باب دمشق ومعنا أبو أمامة الباهلي، فلما صلى على الجنازة وأخذوا في دفنها قال أبو أمامة أيها الناس إنكم قد أصبحتم وأمسيتم في منزل تقتسمون فيه الحسنات والسيئات، وتوشكون أن تظعنوا منه إلى منزل آخر وهو هذا ـ يشير إلى القبر ـ بيت الوحدة وبيت الظلمة وبيت الدود وبيت الضيق إلا ما وسع الله، ثم تنتقلون منه إلى مواطن يوم القيامة، فإنكم في بعض تلك المواطن حتى يغشى الناس أمر من الله، فتبيض وجوه وتسود وجوه، ثم تنتقلون منه إلى منزل آخر فيغشى الناس ظلمة شديدة، ثم يقسم النور فيعطى المؤمن نوراً، ويترك الكافر والمنافق فلا يعطيان شيئاً، وهو المثل الذي ضربه الله تعالى في كتابه فقال: {أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور} فلا يستضيء الكافر والمنافق بنور المؤمن كما لا يستضيء الأعمى ببصر البصير، ويقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا {انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً} وهي خدعة الله التي يخدع بها المنافقين حيث قال: {يخادعون الله وهو خادعهم} فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور فلا يجدون شيئاً، فينصرفون إليهم وقد ضرب بينهم {بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب}

يقول سليم بن عامر: فما يزال المنافق مغتراً حتى يقسم النور ويميز الله بين المنافق والمؤمن، ثم قال: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن عثمان، حدثنا ابن حيوة، حدثنا أرطاة بن المنذر، حدثنا يوسف بن الحجاج عن أبي أمامة قال: يبعث الله ظلمة يوم القيامة فما من مؤمن ولا كافر يرى كفه حتى يبعث الله بالنور إلى المؤمنين بقدر أعمالهم فيتبعهم المنافقون فيقولون {انظرونا نقتبس من نوركم} وقال العوفي والضحاك وغيرهما عن ابن عباس: بينما الناس في ظلمة إذ بعث الله نوراً، فلما رأى المؤمنون النور توجهوا نحوه، وكان النور دليلاً من الله إلى الجنة، فلما رأى المنافقون المؤمنين قد انطلقوا اتبعوهم فأظلم الله على المنافقين فقالوا حينئذ {انظرونا نقتبس من نوركم} فإنا كنا معكم في الدنيا قال المؤمنون {ارجعوا وراءكم} من حيث جئتم من الظلمة فالتمسوا هنالك النور. وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا الحسن بن عرفة بن علوية القطان، حدثنا إسماعيل بن عيسى العطار، حدثنا إسحاق بن بشر بن حذيفة، حدثنا ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن الله تعالى يدعو الناس يوم القيامة بأسمائهم ستراً منه على عباده، وأما عند الصراط فإن الله تعالى يعطي كل مؤمن نوراً وكل منافق نوراً، فإذا استووا على الصراط سلب الله نور المنافقين والمنافقات، فقال المنافقون انظرونا نقتبس من نوركم وقال المؤمنون ربنا أتمم لنا نورنا فلا يذكر عند ذلك أحد أحداً»

وقوله تعالى: {فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب} قال الحسن وقتادة: هو حائط بين الجنة والنار، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم هو الذي قال الله تعالى: {وبينهما حجاب} وهكذا روي عن مجاهد رحمه الله وغير واحد وهو الصحيح {باطنه فيه الرحمة ـ أي الجنة وما فيها ـ وظاهره من قبله العذاب} أي النار قاله قتادة وابن زيد وغيرهما، قال ابن جرير وقد قيل إن ذلك السور سور بيت المقدس عند وادي جهنم. ثم قال: حدثنا ابن البرقي، حدثنا عمرو بن أبي سلمة عن سعيد بن عطية بن قيس عن أبي العوام مؤذن بيت المقدس قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: إن السور الذي ذكره الله في القرآن {فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب} وهو السور الشرقي باطنه المسجد وما يليه وظاهره وادي جهنم. ثم روي عن عبادة بن الصامت وكعب الأحبار وعلي بن الحسين زين العابدين نحو ذلك، وهذا محمول منهم على أنهم أرادوا بهذا تقريب المعنى ومثالاً لذلك، لا أن هذا هو الذي أريد من القرآن هذا الجدار المعين نفسه ونفس المسجد، وما وراءه من الوادي المعروف بوادي جهنم، فإن الجنة في السموات في أعلى عليين والنار في الدركات أسفل سافلين، وقول كعب الأحبار إن الباب المذكور في القرآن هو باب الرحمة الذي هو أحد أبواب المسجد فهذا من إسرائيلياته وترهاته، وإنما المراد بذلك السور يضرب يوم القيامة ليحجز بين المؤمنين والمنافقين فإذا انتهى إليه المؤمنون دخلوه من بابه، فإذا استكملوا دخولهم أغلق الباب وبقي المنافقون من ورائه في الحيرة والظلمة والعذاب كما كانوا في الدار الدنيا في كفر وجهل وشك وحيرة

{ينادونهم ألم نكن معكم} أي ينادي المنافقون المؤمنين أما كنا معكم في الدار الدنيا نشهد معكم الجمعات ونصلي معكم الجماعات، ونقف معكم بعرفات، ونحضر معكم الغزوات ونؤدي معكم سائر الواجبات ؟ {قالوا بلى} أي فأجاب المؤمنون المنافقين قائلين: بلى قد كنتم معنا {ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني} قال بعض السلف: أي فتنتم أنفسكم باللذات والمعاصي والشهوات وتربصتم أي أخرتم التوبة من وقت إلى وقت. وقال قتادة: {تربصتم} بالحق وأهله {وارتبتم} أي بالبعث بعد الموت {وغرتكم الأماني} أي قلتم سيغفر لنا وقيل غرتكم الدنيا {حتى جاء أمر الله} أي مازلتم في هذا حتى جاءكم الموت {وغركم بالله الغرور} أي الشيطان قال قتادة: كانوا على خدعة من الشيطان والله مازالوا عليها حتى قذفهم الله في النار: ومعنى هذا الكلام من المؤمنين للمنافقين أنكم كنتم معنا أي بأبدان لا نية لها ولا قلوب معها، وإنما كنتم في حيرة وشك فكنتم تراؤون الناس ولا تذكرون الله إلا قليلاً، قال مجاهد: كان المنافقون مع المؤمنين أحياء يناكحونهم ويغشونهم ويعاشرونهم، وكانوا معهم أمواتاً ويعطون النور جميعاً يوم القيامة، ويطفأ النور من المنافقين إذا بلغوا السور ويماز بينهم حينئذ

وهذا القول من المؤمنين لا ينافي قولهم الذي أخبر الله تعالى به عنهم حيث يقول، وهو أصدق القائلين {كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين * في جنات يتساءلون * عن المجرمين * ما سلككم في سقر * قالوا لم نك من المصلين * ولم نك نطعم المسكين * وكنا نخوض مع الخائضين * وكنا نكذب بيوم الدين * حتى أتانا اليقين} فهذا إنما خرج منهم على وجه التقريع لهم والتوبيخ. ثم قال تعالى: {فما تنفعهم شفاعة الشافعين} كما قال ههنا {فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا} أي لوجاء أحدكم اليوم بملء الأرض ذهباً ومثله معه ليفتدي به من عذاب الله ما قبل منه. وقوله تعالى: {مأواكم النار} أي هي مصيركم وإليها منقلبكم، وقوله تعالى: {هي مولاكم} أي هي أولى بكم من كل منزل على كفركم وارتيابكم وبئس المصير





أَلَمْ يَأْنِ لِلّذِينَ آمَنُوَاْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقّ وَلاَ يَكُونُواْ كَالّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مّنْهُمْ فَاسِقُونَ * اعْلَمُوَاْ أَنّ اللّهَ يُحْيِـي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيّنّا لَكُمُ الاَيَاتِ لَعَلّكُمْ تَعْقِلُونَ



يقول تعالى: أما آن للمؤمنين أن تخشع قلوبهم لذكر الله، أي تلين عند الذكر والموعظة وسماع القرآن فتفهمه وتنقاد له وتسمع له وتطيعه. قال عبد الله بن المبارك: حدثنا صالح المري عن قتادة عن ابن عباس أنه قال: إن الله استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة من نزول القرآن فقال: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله} الاَية، رواه ابن أبي حاتم عن الحسن بن محمد بن الصباح عن حسين المروزي عن ابن المبارك به. ثم قال هو ومسلم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال، يعني الليثي، عن عون بن عبد الله عن أبيه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الاَية {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله} الاَية، إلا أربع سنين، كذا رواه مسلم في آخر الكتاب، وأخرجه النسائي عند تفسير هذه الاَية عن هارون بن سعيد الأيلي عن ابن وهب به. وقد رواه ابن ماجه من حديث موسى بن يعقوب الزمعي عن أبي حازم عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه مثله، فجعله من مسند ابن الزبير، لكن رواه البزار في مسنده من طريق موسى بن يعقوب عن أبي حازم عن عامر عن ابن الزبير عن ابن مسعود فذكره

وقال سفيان الثوري عن المسعودي عن القاسم قال: ملّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ملة فقالوا: حدثنا يارسول الله، فأنزل الله تعالى: {نحن نقص عليك أحسن القصص} قال: ثم ملوا ملة فقالوا: حدثنا يارسول الله فأنزل الله تعالى {الله نزل أحسن الحديث} ثم ملوا ملة فقالوا: حدثنا يارسول الله، فأنزل الله تعالى: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله} وقال قتادة {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله} ذكر لنا أن شداد بن أوس كان يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أول ما يرفع من الناس الخشوع». وقوله تعالى: {ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم} نهى الله تعالى المؤمنين أن يتشبهوا بالذين حملوا الكتاب من قبلهم من اليهود والنصارى، لما تطاول عليهم الأمد بدلوا كتاب الله الذي بأيديهم واشتروا به ثمناً قليلاً ونبذوه وراء ظهورهم، وأقبلوا على الاَراء المختلفة والأقوال المؤتفكة، وقلدوا الرجال في دين الله واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، فعند ذلك قست قلوبهم فلا يقبلون موعظة ولاتلين قلوبهم بوعد ولا وعيد {وكثير منهم فاسقون} أي في الأعمال فقلوبهم فاسدة وأعمالهم باطلة كما قال تعالى: {فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظاً مما ذكروا به} أي فسدت قلوبهم فقست وصار من سجيتهم تحريف الكلم عن مواضعه وتركوا الأعمال التي أمروا بها، وارتكبوا ما نهوا عنه، ولهذا نهى الله المؤمنين أن يتشبهوا بهم في شيء من الأمور الأصلية والفرعية

وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا هشام بن عمار، حدثنا شهاب بن خراش، حدثنا حجاج بن دينار عن منصور بن المعتمر عن الربيع بن عميلة الفزاري قال: حدثنا عبد الله بن مسعود حديثاً ما سمعت أعجب إلي منه إلا شيئاً من كتاب الله أو شيئاً قاله النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد فقست قلوبهم اخترعوا كتاباً من عند أنفسهم استهوته قلوبهم واستحلته ألسنتهم واستلذته، وكان الحق يحول بينهم وبين كثير من شهواتهم فقالوا تعالوا ندع بني إسرائيل إلى كتابنا هذا، فمن تابعنا عليه تركناه ومن كره أن يتابعنا قتلناه، ففعلوا ذلك وكان فيهم رجل فقيه، فلما رأى مايصنعون عمد إلى ما يعرف من كتاب الله فكتبه في شيء لطيف ثم أدرجه، فجعله في قرن ثم علق ذلك القرن في عنقه، فلما أكثروا القتل قال بعضهم لبعض: يا هؤلاء إنكم أفشيتم القتل في بني إسرائيل فادعوا فلاناً فاعرضوا عليه كتابكم، فإنه إن تبعكم فسيتابعكم بقية الناس وإن أبى فاقتلوه، فدعوا فلاناً ذلك الفقيه قالوا: أتؤمن بما في كتابنا هذا، قال: وما فيه ؟ اعرضوه علي فعرضوه عليه إلى آخره، ثم قالوا: أتؤمن بما في كتابنا هذا ؟ قال: نعم آمنت بما في هذا وأشار بيده إلى القرن فتركوه فلما مات فتشوه فوجدوه معلقاً ذلك القرن، فوجدوا فيه ما يعرف من كتاب الله فقال بعضهم لبعض: ياهؤلاء ما كنا نسمع هذا أصابه فتنة، فافترقت بنو إسرائيل على اثنتين وسبعين ملة، وخير مللهم ملة أصحاب ذي القرن» قال ابن مسعود: وإنكم أوشك بكم إن بقيتم أو بقي من بقي منكم أن تروا أموراً تنكرونها لا تستطيعون لها غيراً، فبحسب المرء منكم أن يعلم الله من قلبه أنه لها كاره

وروى أبو جعفر الطبري حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير عن مغيرة عن أبي معشر عن إبراهيم قال: جاء عتريس بن عرقوب إلى ابن مسعود فقال: ياأبا عبد الله هلك من لم يأمر بالمعروف وينه عن المنكر، فقال عبد الله. هلك من لم يعرف قلبه معروفاً ولم ينكر قلبه منكراً. إن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد وقست قلوبهم اخترعوا كتاباً من بين أيديهم وأرجلهم استهوته قلوبهم واستحلته ألسنتهم، وقالوا نعرض بني إسرائيل على هذا الكتاب، فمن آمن به تركناه، ومن كفر به قتلناه، قال فجعل رجل منهم كتاب الله في قرن ثم جعل القرن بين ثندوتيه، فلما قيل له أتؤمن بهذا ؟ قال آمنت به ويومىء إلى القرن بين ثندوتيه، ومالي لا أؤمن بهذا الكتاب ؟ فمن خير مللهم اليوم ملة صاحب القرن

وقوله تعالى: {اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها قد بينا لكم الاَيات لعلكم تعقلون} فيه إشارة إلى أن الله تعالى يلين القلوب بعد قسوتها ويهدي الحيارى بعد ضلتها، ويفرج الكروب بعد شدتها، فكما يحيي الأرض الميتة المجدبة الهامدة بالغيث الهتان الوابل، كذلك يهدي القلوب القاسية ببراهين القرآن والدلائل، ويولج إليها النور بعد أن كانت مقفلة لا يصل إليها الواصل، فسبحان الهادي لمن يشاء بعد الضلال، والمضل لمن أراد بعد الكمال، الذي هو لما يشاء فعال، وهو الحكيم العدل في جميع الفعال، اللطيف الخبير الكبير المتعال





إِنّ الْمُصّدّقِينَ وَالْمُصّدّقَاتِ وَأَقْرَضُواْ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ * وَالّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَـَئِكَ هُمُ الصّدّيقُونَ وَالشّهَدَآءُ عِندَ رَبّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذّبُواْ بِآيَاتِنَآ أُوْلَـَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ



يخبر تعالى عما يثيب به المصدقين والمصدقات بأموالهم على أهل الحاجة والفقر والمسكنة {وأقرضوا الله قرضاً حسناً} أي دفعوه بنية خالصة ابتغاء مرضاة الله لا يريدون جزاءً ممن أعطوه ولا شكوراً، ولهذا قال: {يضاعف لهم} أي يقابل لهم الحسنة بعشر أمثالها، ويزاد على ذلك إلى سبعمائة ضعف، وفوق ذلك {ولهم أجر كريم} أي ثواب جزيل حسن ومرجع صالح ومآب كريم. وقوله تعالى: {والذين آمنوا بالله ورسله أولئك همالصديقون} هذا تمام لجملة وصف المؤمنين با لله ورسله بأنهم صديقون، قال العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى: {والذين آمنوا با لله ورسله أولئك هم الصديقون} هذه مفصولة {والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم} وقال أبو الضحى {أولئك هم الصديقون} ثم استأنف الكلام فقال: {والشهداء عند ربهم} وهكذا قال مسروق والضحاك ومقاتل بن حيان وغيرهم

وقال الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله بن مسعود في قوله تعالى، {أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم} قال: هم ثلاثة أصناف: يعني المصدقين والصديقين والشهداء، كما قال تعالى: {ومن يطع الله ورسوله فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين} ففرق بين الصديقين والشهداء فدل على أنهما صنفان ولا شك أن الصديق أعلى مقاماً من الشهيد، كما رواه الإمام مالك بن أنس رحمه الله في كتابه الموطأ عن صفوان بن سليم عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل مابينهم» قال: يارسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم قال «بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين» اتفق البخاري ومسلم على إخراجه من حديث مالك به، وقال آخرون: بل المراد من قوله تعالى: {أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم} فأخبر عن المؤمنين با لله ورسله بأنهم صديقون وشهداء، حكاه ابن جرير عن مجاهد، ثم قال ابن جرير: حدثني صالح بن حرب أبو معمر، حدثنا إسماعيل بن يحيى، حدثنا ابن عجلان عن زيد بن أسلم عن البراء بن عازب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مؤمنو أمتي شهداء» قال: ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم هذه الاَية {والذين آمنوا بالله ورسله

_________________
الحمدلله
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://abubaker.jordanforum.net
 
تفسير سورة الحديد
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الأصدقاء :: هدايات وإرشادات وتوجيهات إسلامية :: تفسير القران الكريم "ابن كثير"-
انتقل الى: